التحولات التي عرفتها المعمورة مع انهيار المعسكر الشرقي وما رافقها من شيوع للتوجه الديمقراطي كرست مفاهيماً جديدة على مستوى العلاقات الدولية كان ابرزها ظهور مفهوم الشراكة، سواء بين الدول او بين هيئات ومنظمات المجتمع المدني، وهذه الاخيرة ظهرت كلاعب جديد اضحت المجتمعات على اختلافها تراهن عليها في احداث اقلاع تنموي يكون لهذه لهيئات والمنظمات قصب السبق في مشاركة الدول بغية الوصول الى المستويات التنموية المنشودة. ولأن اليمن من البلدان التي عمها التحول الديمقراطي منذ مطلع التسعينيات مع تحقق الوحدة اليمنية عام 1990م فقد تزايد الرهان على دور هيئات المجتمع المدني ومنها الجمعيات الخيرية الاهلية التي تزداد بشكل ملحوظ منذ العمل بالتوجه الديمقراطي، وتجاوز عددها الـ 2500 جمعية ومنظمة اهلية ومدنية، طامحة بذلك الى المشاركة في تحقيق مستوى معقول من التنمية المستدامة التي اخذت تطرح على كافة المنابر الاممية والاقليمية والوطنية مركزة على ان جوهر عمل مثل هذه الهيئات صارت عليه مقتضيات ومتطلبات الشراكة التي اكتسبت حضورها من تراجع دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ويرى محمد علي الحاج امين عام المجلس الوطني للسكان ان مسألة الشراكة بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني موضوع بالغ الاهمية، لاسيما عندما تطرح قضية التنمية المستدامة وآلياتها في المجتمعات. وأكدت المؤتمرات العالمية المتعاقبة التي عقدتها الامم المتحدة خلال عقد التسعينيات على اهمية هذا الموضوع كسبيل للتعامل مع المشكلات التي تواجه المجتمعات سواء في بلدان الشمال او الجنوب وهناك عوامل دفعت الى تطوير مفهوم الشراكة بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية اهمها: تراجع جاذبية النموذج القائم على هيمنة الدولة بعد انهيار الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية وفي ضوء الازمة المالية التي تواجهها دول الرفاهية في البلدان الصناعية المستقرة ومع تصاعد الانتقادات الموجهة للدول الوطنية في العالم الثالث. دور الجمعيات الاهلية في المجتمع ويرى الدكتور فؤاد الصلاحي ابرز المختصين في دراسة هيئات ومنظمات المجتمع المدني في اليمن استاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء كلية الاداب ان اقرار التجربة الديمقراطية في اليمن عام 1990م شكل نقلة توعية في طبيعة النظام السياسي اليمني من اهم مميزاتها الاقرار الدستوري والتشريعي بالتعددية السياسية والمجتمع المدني الامرالذي ادى الى ظهور العشرات من جمعيات العمل المدني وصل تعدادها الى 2600 مؤسسة بين جمعية خيرية واهلية ومؤسسات تسوية ولما كانت التجربة اليمنية تندرج ضمن الديمقراطيات الناشئة هذا يعني ان الثقافة السياسية لم تتجدر وتستقر بعد في المجتمع، ومن هنا فان عدم وجود الخبرة والتقاليد الديمقراطية في الدولة والمجتمع ادتا الى اتجاه الصراعات السياسية والحزبية بين الحزب الحاكم والاحزاب الاخرى الى النفاذ الى المؤسسات الاهلية لتستخدم في الصراع السياسي والحزبي. هذا من جانب ومن جانب اخر ادى بهم هذا النزوع الى الاستحواذ والسيطرة وتأسيس الجمعيات الاهلية القائمة من خلال ممارساتهم الصراعية والتنافسية ضمن سياق ثقافة شمولية لم يتم تجاوزها بعد. والجانب الاكثر اهمية ان مؤسسات المجتمع المدني هي من المؤسسات الحديثة وعلامة مميزة على تطوير العمل الديمقراطي واصبحت فاعلة لاعتبارات عديدة منها انسحاب الدولة من المجال الاجتماعي من جانب وضعف التأثير السياسي للأحزاب في المجتمع او ضعف تقبل المجتمع لنشاط الاحزاب او بمعنى اخر ان ضعف اداء الاحزاب في المجتمع وضعف تواصلهم مع القضايا العامة، وضعف التعبير عن قضايا الرأي العام فكانت المؤسسات الاهلية اكثر نشاطاً واكثر قرباً من الاحزاب في كثير من المجالات مثل المرأة، الخدمات الاجتماعية وغيرها الامر الذي ادى الى ان تتسابق الاحزاب السياسية وخاصة الحزب الحاكم والاحزاب الكبيرة على الاستحواذ او التغلغل الى اوساط المؤسسات الاهلية والجميعات الخيرية بغرض استخدامها في هذه المماحكات واستخدامها كأذرع للترويج والتعبئة والحشد من قبل هذه القوى السياسية واكثر الاحزاب في اليمن تغلغلاً في المؤسسات الاهلية والسيطرة على كثير منها المؤتمرالشعبي وحزب الاصلاح بدرجة اساسية، مما ادى الى افتقاد هذه المؤسسات استقلالها الذي يعتبر اهم ميزة لعملها. لأنه يفترض فيها ان تكون مؤسسات اهلية مستقلة غير حكومية وغير حزبية ومن هنا تفقد استقلاليتها عبر تدخل الاحزاب في مصادر التمويل من جانب وعبر دعم افراد يتبعونها وتنصيبهم على رأس قيادات هذه المؤسسات ومن ثم فإن عدم وضوح عملية الصراع السياسي او عدم اتباعه للقواعد القانونية كما تم في الانتخابات الاخير في 1997م و 2001م ظهر ان كثيراً من الجمعيات الخيرية الاهلية في اليمن هي واجهات للعمل السياسي الحزبي. ويقر الدكتور فؤاد الصلاحي ان الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام هو الطريق الاساسي لأن احزاب المعارضة تتصارع معه على اخذ نصيبها من السلطة والثروة واحدى آليات الصراع هي السيطرة على الطبقة الوسطى والمجتمع بشكل عام ومن هنا تشكل المؤسسات الاهلية آليات مؤسسية مدنية فاعلة في التحكم في الطبقة الوسطى ومن هنا ايضاً ظهر التغلغل السياسي او تأسيس العمل الاهلي لهذا الهدف. دوافع الاستحواذ وعموماً لا تستطيع أن نقول ان الحزب الحاكم لوحده يمارس هذه الممارسة فالاحزاب الاخرى ايضاً وحزب الاصلاح له تواجد كبير في المؤسسات الاهلية سواء كانت مؤسسات تابعة له منذ تأسيسها او انه يتغلغل في مؤسسات اخرى ويجير عملها لصالحه عبر كثير من الوسائل اما انه يقدم دعم لجمعية من الجمعيات ويشترط مقابل ذلك ان تكون مواقفها السياسية مؤيدة له او انه يقدم خدمات عينية او دعم للجمعيات مقابل ان يكون لانصاره تواجد فيها على مستوى القيادة والادارة لهذه الجمعية او تلك. وعن الدوافع التي تكمن وراء الاستحواذ على الجمعيات الخيرية في اليمن يقول استاذ علم الاجتماع هناك اسباب كثيرة اهمها: ان التداول السلمي للسلطة بين هذه الاحزاب غير متواجد لا على المستوى الافقي ولا على المستوى العمودي، فعلى المستوى الافقي ان التداول عبر الانتخابات والمؤتمرات التي تتم داخل المؤسسات الحزبية، تجديد القيادات عملية غائبة والتداول في مؤسسات الدولة ومن ضمنها مؤسسة الرئاسة والحكومة تظل غائبة وعلى هذا الاساس كل الاحزاب تتصارع على حصة من التأثير داخل المجتمع وبالتالي تمارس ضغوطاً من اجل اخذ نصيبها من الثروة وبما تستطيع عمله.ضعف الثقافة السياسية وعدم الجدية في التحول الديمقراطي وانضاجه وبلورته يؤدي الى ان التسابق يشوه العملية الديمقراطية من خلال افقاد المجتمع آلياته المؤسسية للتغيير المستقلة عن الدولة في النشاط ومن ثم اعادة ربط حركة المجتمع في السلطة عبر مؤسسات اهلية فتتحول المؤسسات الخيرية الى مجرد اطر مؤسسية شكلية وهي في الحقيقة آليات فاعلة لربط الافراد بالحزب الحاكم ومن ثم بأجهزة الدولة. ويقر الدكتور الصلاحي انه على الرغم من التوسع في عدد الجمعيات فهناك تراجع عما كان عليه الحال مطلع التسعينيات، وذلك يعود الى التسابق السياسي عليها وحداثة عهدها بالتجربة وغياب الاهداف الواضحة لان من شروط الجمعيات الاهلية ان تكون مستقلة عن الاحزاب والسلطة وتختص بتحديد الفئات المستهدفة، ويرتبط نشاطها بحجم التمويل ومصادره، ومن ثم فإن هذه الجمعيات لا تستطيع ان تسهم الان بمعنى ان حجم مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية ضعيف جداً ولم تصل بعد الى كل المستويات. زيادة على ذلك أبرز الصلاحي ان هناك جمعيات تعمل في المدن ولاترتبط باطار جغرافي او مناطقي وهناك جزء اخر يبرز في اطار مناطقي او قبلي وفقاً للقانون اليمني، وهو قانون المجالس المحلية الذي يعطي تسمية لكل مديرية ومن هنا نشأت جمعيات خيرية تحمل اسم هذه المديريات وانا اسميها جمعيات مناطقية او جغرافية تقدم خدمات بشكل محصور ومحدود وبالتالي فان اعادة انتاج القبيلة يعود الى فشل الدولة في التنمية للمجتمع الريفي وتزايد مشكلة الفقر والبطالة ومن ثم فإن الوعي لدى ابناء كل مديرية ادى الى افراز تكوينات اهلية محصورة في مناطق معينة ولذا فهي رد فعل لفشل التنمية وانسحاب الدولة من دورها الاجتماعي. وعن شروط تجاوز هذه الوضعية التي تعيق العمل الخيري الأهلي يقول الصلاحي لابد ان تحترم الدولة استقلالية الجمعيات الاهلية والمجتمع المدني وان لاتتدخل فيها وان تبلور التجول الديمقراطي عبر احترام التشريعات والقوانين التي تمنح المجتمع المدني حرية العمل والاستقلال عن اجهزة الدولة، الامر الثاني لابد من تطوير الثقافة السياسية في الدولة والمجتمع ومن ثم فان زيادة الوعي السياسي وانتشار الثقافة السياسية يترتب عليه نضج العمل السياسي والممارسة الديمقراطية وكذلك الادراك الواعي لأهمية مؤسسات المجتمع المدني والخيري ودورها كشريك فاعل في التنمية المستدامة في مختلف المجالات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وان اي عملية من قبل الدولة او الاحزاب لتأسيس الجمعيات الاهلية سوف تؤدي الى فشل الجهود التنموية وبالتالي تدور المشكلات السياسية والاجتماعية وتتداخل الى درجة التعقيد ووضعها في حلقة مفرغة وهنا لابد من كسر هذه الحلقة باحترام استقلالية هذه الهيئات على اعتبار ان هذه الاستقلالية اهم الشروط الاساسية لنمو وتطور المجتمع والذي لن يتحقق الا بالايمان بالشراكة كشرط ضروري لبلوغ الاهداف المرسومة ومواجهة التحديات المطروحة. صنعاء ـ عبدالكريم سلام: