عاد مجلس النواب اللبناني إلى استكمال مناقشة مشروع الموازنة العامة للعام الجاري وسط هزات متواصلة من خلافات وانقسامات وتجاذبات تركتها الجولة الأولى من المناقشات لثلاثة أيام بين أركان الحكم رؤساء: الجمهورية أميل لحود، مجلس النواب نبيه بري، ومجلس الوزراء رفيق الحريري. ماذا حصل خلال الأيام الثلاثة؟ لتسقط فجأة كل ضمادات الجراح السياسية، ولتتعرى هشاشة العلاقات بين الحاكمين، مما اضطر سوريا الى التدخل لرأب الصدع من خلال نائب رئيس الجمهورية عبدالحليم خدام، اضافة الى ايحاءات من الرئيس السوري نفسه بشار الأسد الذي كرر مرارا وتكرارا مؤخراً انه ليس من مصلحة سوريا على الاطلاق ان تكون خاصرتها ـ أي لبنان ـ رخوة. فاجأت انطلاقة المناقشات في اليوم الأول الكثيرين، لكنها في الواقع كانت في جوانب عدة منها مناسبة «مكملة» لترجمة احتقانات سياسية متشعبة سواء بين أهل الحكم والحكومة، أو داخل الحكومة نفسها، أو بين الرئيس بري وبعض أجنحة الحكم، ولاسيما منها مراجع مخابراتية.هذه الأجواء، اضافة الى شئون الموازنة والشئون المالية وهواجسها التي دق جرس الانذار حيالها على نحو لافت نسيب لحود، رسمت في مجملها اطار المناخ السياسي المشدود الذي واجهته الحكومة في المجلس منذ اللحظة الأولى.ولعل أشد ما واجهته الحكومة ورئيسها الحريري من احراج في الساعة الأولى من الجلسة مفاجأة على يد وزير العمل علي قانصو الذي فاجأ الجميع بإعلانه معارضته بعض ما ورد في فذلكة الموازنة، كاشفا انه لم يطلع عليها، وان وزير المال فؤاد السنيورة لم يعد بها إلى مجلس الوزراء. ومع ان الموضوع الذي تسبب بمفاجأة قانصو يتعلق بالضمان الاجتماعي الذي تعني به وزارته مباشرة، فثمة ما يوحي ان تراكمات سابقة أدت الى ما حصل، وربما يكون ما حصل امتدادا لاجواء الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء التي طرح فيها موضوع سوليدير على التصويت، وكان قانصو من بين معارضي المشروع، وهذا يعني ان التجاذبات بين بعض المراجع بدأت تأخذ بجريرتها التضامن الحكومي من جهة والعلاقة بين المؤسسات من جهة أخرى. نقاط ساخنة في الوقائع والعناوين العريضة الرئيسة لجلسة اليوم الأول من مناقشات الموازنة يمكن اجمال النقاط الساخنة بالآتي: 1- دارت مبارزة دستورية ـ قانونية حول موضوع الفذلكة أدت الى اسقاطها من مشروع الموازنة، وعدم اعتبارها بمثابة أسباب موجبة لها، وتولى الرئيس بري طرح هذا المخرج، فيما عكس اتجاهاً واضحاً لحماية الحكومة، وان لم يوفرها في مجالات أخرى. ولعل منطق «الحماية» من جهة، واثارة الانتقادات من جهة أخرى، تمثل في تلك الخلوة الطويلة التي استمرت أكثر من ساعة بين بري والحريري على منصة رئاسة المجلس، فيما كان نواب يتلون مداخلاتهم، وحملت الخلوة في ذاتها، وسط نقل تلفزيوني مباشر وأمام أعين النواب والصحافة والرأي العام، دلالات عدة سواء على صعيد المناخ القائم بين أركان الحكم، أو على صعيد التوازنات الدقيقة التي يحاول كل من بري والحريري السير وسطها في هذه المرحلة مما يفرض عليهما التحالف في أمكنة والتمايز في أخرى. 2- تفجرت قضية التضامن الوزاري على يد النائب مصطفى سعد اساسا، إذ سأل وزير العمل عما إذا كان موافقاً على خصخصة الضمان الاجتماعي، كما ورد في فذلكة الموازنة التي تلحظ الرسملة الكاملة للضمان، وكانت المفاجأة ان قانصو اعترف بعدم إطلاعه وكذلك مجلس الوزراء على الفذلكة، مؤكداً رفضه تحويل الضمان الاجتماعي شركة تأمين. عندها تلقف النواب هذه المفاجأة وكرت سبحة التساؤلات عن التضامن الحكومي المفقود.وكشفت معلومات ان قانصو اتصل بالرئيس الحريري واثار معه موضوع الفذلكة، وكان جواب الحريري ان الفذلكة لا تلزم الحكومة بحسب قانون المحاسبة العمومية، بل يتولى وزير المال تقديمها، وأوضح له ان هذا الموضوع سيثار في مجلس الوزراء متمنيا عليه عدم اثارته في مجلس النواب، ولكن قانصو لم يستجب لهذا التمني، وذكر بعض الأوساط بمواقف قانصو الأخيرة من قضايا عدة، ولاسيما منها «الميدل إيست» ولم يستبعد أن يكون موقفه مرتبطاً بهذه القضايا. 3- لم يدع بري الجلسة تمر منذ يومها الأول دون تسديد حساباته مع «مراجع مخابراتية» ساد اعتقاد بين النواب انه يقصد بها المدير العام للأمن العام الهواء جميل السيد، لذلك قاطع بري النائب مخائيل ضاهر حين كان يكشف من خارج مداخلته قضية خرق دستوري «خطير» اتهم به الحكومة بحجز مشروع قانون وضعته الحكومة السابقة بخفض العقوبات على السجناء، في الجوارير (الادراج) متسائلاً: «لماذا حجمنا دور رئيس الجمهورية وتركنا الباب مفتوحاً للوزراء ورئيس الحكومة؟». عندها بادره بري ليعلن ساخراً ان مشاريع القوانين قد تمرر أيضاً الى أحد من المخابرات، ويبقى ثلاثة أشهر أيضاً، وقال «هناك مراجع أخرى أم ماذا ترى؟». 4- في الشأن المالي كانت مداخلة النائب نسيب لحود بمثابة دق جرس الانذار فعلاً حيال «فتح المديونية» الذي يتم عبر طريقين: اما من طريق اعادة جدولة الدين تحت اشراف دولي بالترافق مع برنامج اصلاح هيكلي محكم وصارم وقاس، أو ان تقوم قوى السوق بمهمة التصحيح بطريقة عفوية، والى حد ما عشوائية من دون استئذان أحد مع عواقب اقتصادية واجتماعية مؤلمة»، ودعا الى تجنب الوصول الى هذين الاحتمالين محذرا من عواقبهما الوخيمة على الغالبية العظمى من اللبنانيين. وعرض ارقاماً تظهر ان الدين سيبلغ نهاية السنة 28 مليار دولار أمريكي. انتقادات مبطنة اليوم الثاني من جلسة مناقشة الموازنة العامة في مجلس النواب اختلف عن جلسة اليوم الأول بمناخه السياسي فغلبت عليه الرتابة على المناقشات، وان ترددت المواضيع والمشكلات والعناوين السياسية الاقتصادية والادارية والمالية نفسها. على ان العلامة الفارقة في الجلسة تمثلت في حرص واضح لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري على إطلاق الرسائل البرقية، على طريقته في اعتراض المداخلات النيابية أو اختراقها بتعليقات خاطفة غالباً ما يطلق عبرها انتقادات مبطنة أو صريحة صبت في معظمها في خانة رئيس الجمهورية إميل لحود مباشرة أو مداورة.هذا النهج الذي دأب عليه بري رسم علامة استفهام كبيرة وجدية حول علاقته برئيس الجمهورية التي بدأت تتجمع الغيوم حولها منذ أسبوعين، وثبت انها تشهد اهتزازاً جدياً في مهرجان الأونيسكو لمناسبة الاحتفال بيوم تحرير الجنوب في 25 مايو والذي قيل على اثره ان لحود كان ممتعضاً من معظم المواقف التي أطلقها بري آنذاك.وما عزز الانطباع عن هذا الاهتزاز في العلاقة، ان بري وغداة اطلاقه انتقادات صريحة «لمراجع مخابراتية» في اليوم الأول للجلسة، عاود توجيه رسائله من زاوية موضوعين هما الهاتف الخلوي وخدمة العلم. ففي موضوع الخلوي عاد بري مرتين، الأولى حين كان النائب ناصر قنديل يدلي بمداخلته، والثانية حين كان الرئيس عمر كرامي يلقي كلمته، إلى ورقة عام 1997 التي وضعت آنذاك بتفاهم بين الرؤساء إلياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري وقال انه اقترح في تلك الورقة «القبض كاش» من شركات الخلوي وانشاء شركة وطنية تتجاوز الـ 500 ألف خط. وأضاف: «لقد تقدمت بدراسة شخصية إلى رئيس الجمهورية إميل لحود، بعد توليه رئاسة الجمهورية بشهر واحد وحتى الآن لم يحصل شيء، وأقول هذا الكلام على مسئوليتي الخاصة أمام مجلس النواب، وأن أحداً لم يتجرأ حتى الآن على الدخول في هذه المواضيع. ولم يوفر الحكومة من انتقاده إذ قال: «منذ ثلاث سنوات وأنا أقدم الدراسة تلو الدراسة والشركات قابلة والحكومة غير قابلة سواء الحكومة السابقة أو الحكومة الحالية». أما موضوع خدمة العلم فأثاره نائب عكار جمال اسماعيل شاكياً عدم تمكن ابناء وادي خالد من الحصول على وظائف الا بعد عشر سنين من صدور مرسوم التجنيس بينما شبابنا مجبرون على الالتحاق بمعسكرات خدمة العلم رغم عدم شمولهم بهذا القانون. وإذ أكد الرئيس الحريري ضرورة تصحيح هذا الخطأ، قال بري الظاهر الوظيفة في هذا البلد لخدمة الشخص وليس لخدمة العلم. وأفادت أوساط نيابية ان العلاقة غير المستقرة بين الرؤساء شغلت كواليس ساحة النجمة على هامش الجلسة، ولوحظ ان رئيس الوزراء رفيق الحريري مكث في مكتب نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي نحو ساعتين، فأجرى عدداً من اللقاءات الجانبية مع وزراء ونواب، وتحدثت أوساط (في حينه) عن مسعى الى عقد اجتماع بين الرؤساء لحود وبري والحريري. كما شهد اليوم الثالث من الأيام التشريعية تفجير قنابل سياسية كانت الأقوى بينها حملة النائب باسم السبع في وجه الأجهزة ومن أسماهم بالحكام العرفيين، عارضاً لقضية التنصت على الاتصالات الهاتفية للسياسيين والمسئولين بشكل خاص، ومقدماً لائحة بالمتنصت عليهم وبمضامين أحاديثهم. وتحت وطأة ذلك التفجير تراجعت الموازنة بكل شئونها وشجونها وارقامها، بعد ان ارتسمت ملامح انفجار سياسي حقيقي دفع الى الواجهة الأزمة المحتملة بين أركان الحكم من جهة، وبين الحكم والأجهزة الأمنية وقوى سياسية ومجلسية من جهة أخرى علماً ان ما جرى يعتبر أشد احتدام سياسي منذ الانتخابات النيابية الأخيرة. ولئن يكن النائب السبع نجم التفجير وصاعقه عبر هجوم بالغ العنف على الحكام العرفيين وكلام كبير وخطير عن التحضير من الآن للتمديد أو الرئيس الجديد، فان ذروع هجومه المركز تمثلت في «القبض على الأجهزة بالجرم المشهود من خلال قضية التنصت المزمنة»، وأذهل السبع الرأي العام كما النواب بايراده لائحة طويلة من أسماء رؤساء ونواب وسياسيين بينهم الرؤساء بري والحريري وإلياس الهراوي وسليم الحص، وصحافيون وقضاة شملهم التنصت مورداً وقائع دقيقة عن مضمون أحاديثهم الى حد جعل الرئيس عمر كرامي يتساءل بإلحاح شديد عمن زوده بهذه المعلومات. ماذا وراء هجوم السبع؟ وأين يقف منه الرئيس الحريري؟ بل أيضاً الرئيس بري؟ فقأ هجوم السبع المباغت الدمل من حيث اشارته المباشرة الى صراع بين مشروعين متعارضين «مدني وغير مدني يتسلل تدريجياً الى السلطة لفرض شروطه وموجبات قيام الحكم العسكري»، وبدا واضحاً من الكلمة الأولى لخطاب السبع انه شكل الهجوم - الدفاع الذي يصب في خانة الحريري ولا يتعارض ومناخ الهجمة المقسطة لبري، وهو هجوم يلاقي اتجاهات الكثير من القوى السياسية داخل المجلس وخارجه وحتى تلك المناهضة للنظام. ونقل السبع عن أحد قادة الأجهزة الأمنية قوله: «ان الحكومة البديلة جاهزة وحالة الطوارئ كفيلة بمعالجة هذه التداعيات»، وألمح الى سعي لقيام حكومة عسكرية، وتحدث بإسهاب عن «الوكالة الحصرية» الممنوحة للأجهزة في كل الشئون المصيرية والسياسية، وصولاً الى تدجين الشارع المسيحي، ليصل في النهاية الى قنبلته السياسية وهي كشف لائحة اسمية بـ «ضحايا» التنصت بدءاً ببري والحريري، ومروراً به ـ أي السبع ـ وصولاً إلى عشرات الأسماء الأخرى. بيروت ـ وليد زهر الدين: