يشعر الاردنيون انهم محاصرون وان بلدهم مستهدف، وان هنالك من يريد بهم وببلدهم شرا، اما لماذا هذا الشعور، وما هي اسبابه ودوافعه فتبقى اسئلة غامضة بأجوبة تعتمد على الحدس والظن اكثر مما تستند الى الوقائع والقراءة الصحيحة، واذا تحدثت معهم ومن مختلف الاشرية والعقائد والمستويات المعيشية، تراهم يسارعون الى التنبؤ بأن المنطقة مقبلة على تغييرات جذرية، واعادة ترتيب تنطوي على اختفاء بعض الدول، واعادة ترسيم لاخرى، وأما المطلعون منهم فيشيرون الى دراسات قديمة، وضعت تصورا لمستقبل المنطقة، ويقسم هؤلاء المطلعون ان كل ما ورد في الدراسات من بنوءات قد صار حقيقة، وان الاردن معرض للخطر وان بعض هذه الدراسات قد تنبأ بذلك. والاردن لن يختفي بالطبع، ولكن جغرافيته ونظامه السياسي هما المرشحان للتبديل، وبعضهم يقول ان الاردن سوف يوزع على ثلاثة بلدان مجاورة، ومنها الدولة المتوقعة في فلسطين لحل ازمتي اللاجئين والحدود. ومنهم من يؤكد ان الاردن سيتحول الى الوطن البديل لنفس الاسباب السابقة، ومنهم من يشير الى مجموعة الاحداث والتطورات، ليعيد تحليلها وقصقصتها وتركيبها حتى تدخل في النموذج المستقبلي الذي يتخيله، وهنالك حوارات وسيناريوهات اخرى ولكن كلها اقرب الى التشاؤم. ان السؤال الذي يفرض نفسه على بساط البحث هو لماذا هذا الاستسلام لليأس وعدم الاطمئنان للمستقبل؟ لقد سعى القياديون الى اعادة تحريك المياه السياسية الراكدة عن طريق حل البرلمان، وتعديل واسع على الحكومة، والدعوة الى وضع قانون عصري للانتخابات والسماح لنقابات العمال بانشاء حزب للعمل حتى يبرز حزب جديد بعضوية تفوق الالف لو استثنينا حزب العمل الاسلامي المنشق عن جماعة الاخوان المسلمين ولكن كل الصحوة التي كانت مأمولة من هذا تبخرت بعدد من القرارات غير الموفقة التي ارتكبتها الحكومة، وامضت في اشعار الاردنيين بالغربة عن وطنهم العربي. الاولى هي سوء ادارة الازمة مع دولة قطر حول موضوع المهندس ابراهيم غوشة ويجمع الاردنيون، او يكادون، ان وزيري الخارجية والاعلام قد ركبا رأسيهما ووترا الاوضاع اكثر مما يجب وكان بإمكانهما بكل سهولة ان يسمحا للمواطن الاردني ابراهيم غوشة بالدخول الى عمان، ومن ثم توجيه التهم اليه، ومحاكمته ولكنهم دفعوا الاردن الى جدل عقيم مع حكومة قطر. والثاني ان الحكومة بدأت بفرض قيود كثيرة في مطلع فصل الصيف مع الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة، وزار الاردن الوزير الفلسطيني جميل الطريفي الذي استهل زيارته بالحديث عن الدور الايجابي للاردن، وانهى زيارته بانتقادات لاسلوب التعامل مع القادمين من فلسطين. والثالث هو ان التعديل الوزاري اخرج ثلاثة وزراء من اصل فلسطيني ولم يدخل بدلا منهم ولا واحد من ضمن الوزراء الثلاثة عشر الجدد، وبالطبع فقد عهدوا لعقل بلتاجي بإدارة منطقة العقبة الخاصة، ولكن الكل يعلم ان هذا تعيين مؤقت. وعليه فان الاغتراب داخل الاردن قد زاد، وزادت معه المخاوف ويقول البعض ان هذه الاجراءات تأتي لتعزيز هوية الاردن الاردنية حتى يتم البعد عن مخططات شارون، والبعض الاخر يقول ان اجراءات الاردن هذه تأتي مثل «التراجيديا اليونانية» حسب تعريف افلاطون وهي السعي المتواصل لتجنب القدر المحتوم بدون طائل، ولذلك فلا الاردنيون من اصل اردني مرتاحون رغم ما يدعى به من زيادة مكاسبهم، ولا الاردنيون من اصل فلسطيني سعداء رغم ان التصريحات تتوالى لتطمينهم على مستقبلهم. ان الخلل يكمن في تحسين الادارة الحالية التي تحيل الفرص الى تحديات، وتحيل التحديات الى فرص ضائعة، وتجعل من التبر ثريا، والاعلام في الاردن ضعيف المصداقية، والناس وسط همومهم الاقتصادية المتزايدة لا يرون في هذا كله الا مؤامرة على الاردن، وينسون انهم ينعمون بالكثير الذي يجب ان يحمدوا الله عليه، ولعل تقلبات الايام تحمل في رياحها بذور الخير، فينقلب الخوف طمأنينة وامنا والجوع اطعاما وغذاء! بقلم: د.جواد العناني