لم يكن من حسن الطالع للمهندس علي أبو الراغب رئيس الوزراء الأردني أن يكلف بادارة شئون البلاد في هذه الظروف، وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من كون حكومته وصفت بحكومة اطفاء الحرائق. ولم يكد أبو الراغب يلتقط انفاسه فوق كرسي الرئاسة، ويتحرر ولو قليلا من أجواء القيل والقال في الصالونات السياسية، حتى قرر شارون زيارة المسجد الأقصى وما تبع ذلك من أحداث سواء على صعيد انتفاضة الأقصى أو ما لحقها من تبعات. داخليا كان على أبو الراغب أيضا حمل إرثاً قاسياً، وباستثناء الارث الاقتصادي الذي كان ولايزال في غرفة الانعاش رغم ان دعوة أبو الراغب إلى الحكومة كانت في الأصل اقتصادية بمعنى انه كان يدرك حجم المسئولية الضخمة المناطة به في هذا الملف، ولكن ملفات أخرى لم تنفك تفتح صناديقها في وجهه، حتى ما عاد رجل واحد في الأردن يحسد النقابي السابق رئيس الحكومة الحالي على منصبه. أسر أحد الوزراء في إحدى الجلسات الخاصة لاصدقائه أن الأردن سيحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستطيع أن يعالج المشاكل والازمات التي وضعتها الحكومة السابقة أمام مسيرته. وكانت آخر هذه القضايا عودة إبراهيم غوشة الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى الأردن والازمة التي تلت هذه العودة. ـ «بيان الاربعاء» حاولت تقديم استعراض عام على حكومة المهندس علي أبو الراغب في إدارة شئون البلاد، مع شخصيات أردنية نيابية واقتصادية وسياسية وحزبية، فعن مجلس النواب المنحل كان النائب سلامة الحياري، وارتأينا دعوة أحد أهم الشخصيات الاقتصادية وهو الدكتور يعقوب سليمان أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة العلوم التطبيقية امين عام حزب حركة حقوق المواطن الأردني، بالإضافة إلى المفكر الإسلامي زياد أبو غنيمة وعن مراكز البحوث والدراسات جواد الحمد رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط، وعن جيل الشباب العاملين في السياسة دعونا علي سنيد. ـ كيف يمكن رسم خريطة سياسية للحكومات الأردنية المتعاقبة، وما هي حقيقة اتهامات البعض للوزراء الأردنيين بأنهم مجرد موظفين كبار وليسوا صناع قرار؟ ـ الحمد: السياسة الأردنية الدافعة والمشكلة للحكومات الأردنية بصورة عامة تتعامل مع التركيبة الاجتماعية والسياسية في البلاد ضمن إطار واقعي، وتحاول أحيانا أن ترضي متعددات البنية السياسية والاجتماعية الأردنية، وحكومة الرئيس أبو الراغب لا تخرج عن هذا الإطار بالتأكيد، وتأخذ هذه التوازنات بعين الاعتبار رغم أنها جاءت كحكومة «انقاذ اقتصادي» أن جاز التعبير ـ بعد أن مر الأردن في وقت سابق بمرحلة اقتصادية صعبة، واختير أبو الراغب شخصيا لأنه من الشخصيات الأردنية الناجحة على المستوى الاقتصادي، وكان الظن الغالب انه سيتمكن من إخراج البلاد من ازمتها الاقتصادية وإدخالها بصورة حقيقية في تنمية وازدهار اقتصادي.وكان هذا من اهم المؤثرات على تشكيل الحكومة الأساسي. ولا بد أن نتذكر بان هذه الحكومة هي الثانية في عهد الملك عبد الله الثاني، أي ان الادارة في البلاد مازالت تتعامل وفق المعطيات القائمة ومع بعض التجديد، ومعلوم انه ليس من السهل تغيير الوضع كاملا في بلد تشكلت اداراته خلال خمسين سنة. وزارات مشمشية ـ الحياري: بكل اسف أصبحنا نتمنى أن نعاني من وزراء تكنوقراط ولكنهم أيضا ليسوا كذلك، وإنما هؤلاء يتصرفون وكأنهم موظفون كبارا. وهناك على ما اعتقد موروث لهذا السبب حيث تجد أن الوزير ذاته ليس لديه اطمئنان نفسي في موقعه كوزير، لان هناك تغيراً مستمراً في الوزارات حتى أصبحنا نطلق على هذه الوزارات «وزارات مشمشية» جراء سرعة تبدلها وتغييرها أو تغيير الوزراء فيها، وحتى على مستوى رؤساء الحكومات تجد انهم متناقضون مع أنفسهم. وأنا شخصيا لا أستطيع أن افهم مواقف بعض رؤساء الحكومات خصوصا إذا كان لك علاقة مع رئيس الحكومة قبل أن يصبح رئيسا وكان بينكم حوارات موسعة في مختلف المواضيع، ففي الحال عندما يصبح رئيسا للحكومة يتصرف بطريقة مغايرة لرأيه وقناعاته قبل أن يصبح رئيسا للحكومة وهذا الشيء صعب للغاية. بالإضافة إلى ذلك نحن لا نمتلك مؤسسات مجتمع مدني تضع برامجا وطروحات يقوم الوزراء بتنفيذها. ولا بد من إعادة النظر في كل ذلك. ـ ولكن ما هي الآلية التي تعتمد عليها لما تصفه «إعادة نظر»؟ ـ الحياري: الحياة السياسية في الأردن بحاجة إلى إعادة النظر فيها من جذورها لان فعاليات المجتمع المدني كلها وعلى رأسها الأحزاب مغيبة ولا توجد أحزاب فاعلة ومايجري على الساحة هي رؤى ونظريات فردية غير منظمة أو مسيسة وكل يسعى باجتهاد فردي دون اطر برامجية محددة بشكل عام. واهم عامل حتى نبدأ العمل في التنمية السياسية في البلاد أن يوضع قانون للانتخابات وهو القانون الذي يعطي للناس حرية اختيار الممثلين بطريقة صحيحة ويكف يد السلطة التنفيذية في التدخل عن النتائج التي تظهر ويفرز المجتمع الأردني قيادات تعمل على وضع الأمور في نصابها لان المجلس النيابي القوي القادر على تفعيل دوره كمجلس نيابي يقوم بتشريعات حسب ما تتطلبه المصلحة الوطنية العليا ويقوم بمراقبة أداء الحكومة وهو المجلس الذي يستطيع أن يضع للبلد تشريعات أخرى خصوصا في مجال الحريات وبعد قانون الانتخاب علينا العمل على قانون الأحزاب الذي يجب أن يجري عليه تطوير وقانون الحريات. وبهذا نحن وكخطوة أولى مانحتاج إليه هو وضع قانون انتخابي سليم يستطيع أن يأخذ البلاد إلى الطريق الصحيح في التنمية السياسية، والتي هي التوجه الأصوب لتنمية على جميع الصعد الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. ـ سنيد: هذا سؤال ابتدائي جيد فلا يمكن تقويم حكومة المهندس علي أبو الراغب بمعزل عن فهم العناصر المتداخلة في صناعه القرار السياسي في الأردن، والتي منها الحكومة، وذلك يعود في الأساس إلى طبيعة النظام السياسي الممارس في الأردن حسب ما نص عليه الدستور الأردني، والذي يجعل الملك الجهة المخولة بتكليف الحكومات في الأردن. والملك يختار من يشاء لرئاسة الحكومة والطاقم الوزاري الذي تضمه الحكومة. اللوبيات ويضيف سنيد: لابد في البداية ان نحدد العناصر التي يعتبر كل منها جزء من صناعة القرار في الاردن، واول هذه العناصر واكبرها الملك الذي هو حسب الدستور رئيس السلطات الثلاث. وبالإضافة إلى السلطات الثلاث فان هناك اثراً واضحاً لوجود اللوبيات، او ما يطلق عليه في الأردن الصالونات السياسية التي تكون خارج الحكم وتمارس الضغط على صاحب القرار في الواجهة الذي هو الحكومة، إضافة إلى التأثير الأمني الواضح. وبهذا نخلص الى تقويم اداء الحكومة الراهنة، بالنظر الى العوامل التي سبق ذكرها وهي: أن الحكومة ليست وحدها صاحبة القرار وليس عندها برنامج سياسي، وأنها ورثت مجموعة من الملفات التي تقيد عملها ومجموعة من الثوابت بالنسبة للنظام، وان المدة الزمنية التي قضتها والتي هي في المناسبة العمر الافتراضي للحكومات الاردنية والتي لا يمكن ان يعتبر مدة كافية لانجاز شيء. اما من حيث الثوابت التي تقيد عملية التغير فهي على المستوى الداخلي: قانون الصوت الواحد حيث ادى الى خروج كافة القوى الوطنية من دائرة الفعل والى انبعاث العشائرية بشكل اكبر منها في بداية القرن، والعشائرية في الشأن السياسي هي رده عن الدولة بمفهومها المؤسسي، لأنها تمثل ارتباطات مصغرة، ومغلقة، ولايمكن ان تقوم عليها الدولة التي يقتضي قيامها اندماجا للتكوين الاجتماعي الذي يعتبر الاساس لشرعية المؤسسات. أما على المستوى الخارجي فالمعاهدة الاردنية الاسرائيلية وعملية السلام وما بنته على الارض في الاردن من واقع، وادت الى شك في علاقاته العربية، وخصوصا مع العراق وسوريا، اضافة لاثارها الخطيرة في الداخل هذه الثوابت، بالاضافة الى الاطراف الاخرى المشاركة من الخلف جعلت حكومة المهندس علي ابو الراغب محكومة بواقع صعب خاصة انها لا تحوز على دعم الشعب أو رضاه. ـ أبو غنيمة: أنا ضد هذه الرؤية، ويمكن أن نسحب هذا الوصف على وزراء الخمسينيات والستينيات إلى الثمانينيات، ومع بداية التسعينيات اختلف الوضع كليا، بحيث لم يعودوا موظفين كبار وإنما صغار، حيث لم نعد إلا ما ندر نجد رجال دولة أما في السابق كان هناك رؤساء وزراء ووزراء فعلا رجال دولة وان كانوا من حيث اخذ القرار موظفين كباراً ينفذون القرار ولا يرسمونها أما الآن فقد اصبح من الندرة وجود رجال دولة، وهذا ما حط من قيمة المنصب الوزاري ووصل إلى كرسي الوزارة بضربة حظ من لم يكونوا يطمحون في حياتهم أن يكون أحدهم اكثر من محافظ أن كان متعملقا في طموحاته. في الميزان ـ سليمان: أن معظم الحكومات الأردنية المتعاقبة لا يوجد اختلاف نوعي أو جوهري بينها باعتبار أنها حكومات أولا مدتها قصيرة جدا ولا تقوم على أساس برنامجي معين وليست كما يحدث في الدول الديمقراطية منبثقة تأسيسا على انتخابات حزبية وهي كلها حكومات معينة من جلالة الملك. وطبيعة المرحلة هي التي تحكم سياسات هذه الحكومات، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى، من بعد حرب الخليج الثانية بقليل الاتجاه كان نحو التسوية بقرار نابع من ميزان القوى الدولي، ولذلك كانت كل الحكومات توافق على أمور قد تم فرضها بحكم هذا الميزان، أما على صعيد العمل العربي المشترك فجميع الحكومات لم تخرج بانجازات معينة على هذا الصعيد، إنما كانت تراكمات عمل الحكومات في اتجاه العمل العربي المشترك ولنقل أيضا أننا نتاج المرحلة. وفي هذا السياق أنا اعتقد أن ما يوصف بالعمل العربي المشترك قد تراجع في السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا خصوصا في المشاريع الإقليمية، وقد اثرت عليه عملية العولمة تأثيرا مباشرا وقويا، ونظام القطب الواحد الذي يفرض سياساته من خلال آليات سياسية واقتصادية متعددة ومن بينها حزمة القوانين الاقتصادية وحزمة الأمان الاجتماعي، وكل هذه آليات اندماج قسري في عملية العولمة. وأنا لست ضد القول بان الوزراء ما هم إلا موظفين كباراً وليسوا صناع قرار، فالوزير لا يعلم مدة بقائه في الوزارة وبالتالي لا يكون لديه برنامج محدد يسعى لتطويره وتنفيذه في إطار أربع أو خمس سنوات أو أي وقت معين فالوزير ينفذ السياسة العامة في أي قطاع ولكن الأصل أن يكون هناك برنامج للحكومة وهذا البرنامج يجب أن ينفذ في سنوات معينة. ولكن لا يوجد لدينا مثل هذا البرنامج. خاصة وان السنوات الأخيرة شهدت عددا كبيرا نسبيا من الحكومات المتعاقبة، وهذا يؤثر سلبا على حسن الأداء سواء في القطاعات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية. ولكن هذا لا ينفي وجود وزراء نشطين أو أن يتواجد أداء لوزراء افضل نسبيا من وزراء آخرين وهذا يعتمد على عدة عوامل منها الظرف السياسي، وطبيعة الوزارة نفسها أو القطاع الذي يقوده الوزير ولكن بشكل عام لا يوجد هامش من الحرية كبير لدى الوزير ولا يستطيع أن يضع مثلا خطة برامجية في وزارة هو لا يدري متى يغادرها. ـ تحدثت في اكثر من مرة عن قصر عمر الحكومات الأردنية فهل تريد تحميل هذه الظاهرة وزر سلبية أداء الحكومات؟ ـ د. سليمان: هذا سبب هام جدا والأصل أن تكون الحكومة لها مدة معينة وان يكون لها برنامج معين، أما لدينا فلا يوجد هذا البرنامج لعدم وجود الوقت أصلا. فلو أردنا أن نضع خطة ثلاثية أو رباعية أو خماسية للنهوض في التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية في البلد فلن تستطيع أي حكومة وضع مثل هذه الخطة لأنها لا تعلم متى ستغادر. أما الناحية الأخرى فانه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار انه ليس بالضرورة أن يكون رئيس الحكومة هو الذي لديه هامش كبير في وضع هامش السياسيات المراد تطبيقها، بمعنى أن أية حكومة تحاول تنفيذ كتاب التكليف السامي في غضون مدة زمنية هي لا تعلمها. وبسبب من الظروف الموضوعية السياسية النابعة من ميزان القوى الدولية، وليس من ظروف داخلية صرفة فان الذي يحدد هذه السياسة وعمر الحكومة هو ميزان القوى نفسه. ـ كيف يمكن أن تصف الظروف التي عاشت من خلالها الحكومة منذ تسلمها إدارة البلاد حتى الآن؟ ميراث صعب ـ الحمد: ورثت الحكومة ميراثا صعبا يلمسه جميع المراقبين والمتخصصين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ومن الملاحظ أن لدينا أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية متعددة ادخلتها الينا الحكومة السابقة، وإذا كنا لا نريد أن نخوض في تفاصيل هذه الازمات فلأن الجميع يعرف ويتحدث عن هذا الأمر، وجاءت الحكومة الجديدة تأسيسا على الفكرة بأنها حكومة «اطفاء حرائق» عن الحكومة السابقة اضافة الى الانقاذ الاقتصادي الذي اعلنت الحكومة السابقة انه دخل غرفة الانعاش، وقد ورثت ملفات كبيرة وكثيرة وكان المطلوب منها أن تتعامل معها بسرعة، وقد حاولت هذه الحكومة أن تضع رؤيتها لهذه الازمات أو الحرائق، وبصراحة لم توفق في بعض الملفات وما زالت تحاول في ملفات أخرى. أما من حيث الظروف الخارجية فالاردن بحكم موقعه السياسي يتأثر بالمحيط العربي الإقليمي ويتأثر بالمصالح الدولية ومتغيراتها في المنطقة، وهذا ليس جديدا على الأردن وسببه كما قلت الموقع الجغرافي والسياسي. فالاردن بحكم ذلك يتأثر بالمحيط ويتفاعل معه بصفة خاصة، ومن بين هذه التطورات ما حصل بشأن القضية العراقية، هذه القضية التي تنعكس على الاردن سلبا منذ بداياتها، حيث لم يشعر الاردن حتى الآن أن انفراجا ما قد حدث في هذه القضية، بل أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حاولتا في اكثر من مناسبة الدخول على الخط لافتعال أزمات أردنية عراقية وقلنا في حينها أن الدولة الأردنية تنظر للموضوع العراقي نظرة استراتيجية وليست آنية وعلاقاتها مع العراق ليست علاقة عابرة. ومع ذلك فلم تتوقف المحاولات للزج بالأردن في البرنامج الأمريكي- الصهيوني المتعلق بالوضع العراقي ومازال الاردن يتمنع عن القيام بأي دور في هذا السياق. أما المشكلة الأخرى فهي تطورات القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي، والمشكلة هنا أن الأردن خرج من دائرة الصراع العربي- الصهيوني من خلال معاهدة وادي عربة عام 1994 كما خرجت مصر من قبل اثر معاهدة كامب ديفيد عام1979. إلا أن خروج الأردن من الصراع وهو يقع على خط النار يحمل دلالات ومعان كثيرة سواء على البعد الجغرافي أو الديمغرافي البشري أوالتركيبة السكانية، أو من ناحية علاقة الأردن بالضفة الغربية التي احتلت وهي تخضع لسيطرته وسيادته الكاملة، أو بسبب ارتباط العائلة الهاشمية بالقدس، أو تداخل وترابط العلاقات الأردنية -الفلسطينية والتي تلعب دورا مهما في تنمية الأردن واستقراره وازدهار اقتصاده. وبذلك كان خروج الأردن من دائرة الصراع المباشر إلى الحياد الإيجابي وكأنه من الدول البعيدة عن خط المواجهة، وهو ما مثل خطأ استراتيجيا في سياسة البلاد تجاه الصراع، فالأردن لا يمكن له أن يقبل خروجه من هذه الدائرة إلى حين حسم الصراع بالصورة المطلوبة لما لذلك من انعكاسات تشوهية على سياساته الداخلية والخارجية على حد سواء. المتغير الفلسطيني ويضيف الحمد: على أي حال هذا ما حصل، وقد ورثت ذلك حكومة المهندس أبو الراغب الحالية، حيث أثرت هذه الحالة بصورة ملحوظة على طريقة أداء وتعامل الحكومة مع المتغير الفلسطيني، خصوصا بعد أن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي العربية المحتلة في سبتمبر 2000، تلك التي غيرت مفاهيم الصراع مع العدو الصهيوني بالكامل، واعادت تعريف السلام الإسرائيلي على الأرض وبالتالي السلام الفلسطيني بشكل جديد، إلا أن الأردن لم يتمكن من التجاوب مع هذه المتغيرات بصورة متناغمة،بسبب المعاهدة مع اسرائيل، حيث انها تضع الكثير من القيود على حرية التحرك الاردني القومي وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ـ الحياري: في الحقيقة أن هذه الحكومة غير محظوظة ففي البداية وصفت بأنها حكومة اقتصادية، والاقتصاد الذي استلمت زمامه وهو على رأي رئيس الوزراء الأردني السابق عبد الرؤوف الروابدة في غرفة الانعاش، وقد جاءت الحكومة الحالية لتحاول بث النشاط الاقتصادي إلا أنني أقول أنه ليس هذا هو الأسلوب للخروج من عنق الزجاجة فيما يخص الاقتصاد الأردني، خصوصا وانه يعاني من اختناقات واضحة إلا انه بكل اسف جاءت رياح الظروف للحكومة الحالية ليس كما يشتهي الرئيس، فالانتفاضة في الأرض المحتلة بدأت من 28 سبتمبر وهذه تؤثر تأثير مباشرا على الوضع الاقتصادي في البلاد وقد حاولت الحكومة اللعب على هذه الظروف بفتح باب على العراق إلا أن النتائج كما ظهرت لاحقا ليست بالمستوى المطلوب، ولم تستطع تحقيق نجاحات كبيرة. واعتقد أن التدهور في الا قتصاد رغم كل ما يقال أن هناك بوادر خير ونقاطاً مشجعة فأنا شخصيا رغم انه ليس لدي أرقام اطرحها، إلا أن لدي علاقات مع الشارع الذي احتك به بكل فئاته وطوائفه بكل قطاعاته الاقتصادية سواء قطاع الزراعة أو السياحة أو النقل أو الصناعة أو حتى الإنشاءات، فكل قطاعات التجارة بكل أنواعها اشعر باحباط أصحاب هذه القطاعات لما يجري. وفي الحقيقة فان جزءاً منه يعود للقضايا السياسية الخارجية التي تحيط حولنا والجزء الآخر المهم أيضا هي السياسيات المتعاقبة المفروضة على البلاد من قبيل سياسة البنك الدولي الذي لم يتدخل في بلد إلا وخربه ورماه إلى التهلكة. واسأل الله ألا ننزلق إلى ذلك، فالسياسات الانكماشية التي تفرض على البلاد تؤدي إلى تراجع في الاقتصاد، فانت عندما تفرض ضرائب جديدة على الناس فانها لن تؤدي إلا زيادة في الانكماش خصوصا وانك عندما تقول انك ستفرض ضرائب أنت لا توظف الأموال التي تأخذها الدولة في مشاريع استثمارية جديدة وإنما تسد بها ثغرات وديون على الدولة وبالتالي أنت بالترجمة الحرفية لما يجري تعمل على تراجع الطلب على السلع في السوق بنفس القدر التي تفرضه الضرائب حتى تسدد بها حسابات على البلاد وهذا الأمر بهذا الشكل يخلق زيادة في الانكماش يؤدي إلى تراجع كبير بالإضافة إلى الزيادة في الفقر، فلدينا اكثر من أربعين بالمئة من الأردنيين يعيشون تحت خط الفقر، وزيادة في البطالة وكل هذه الأمور صاحبت الحكومة الحالية وهي تحاول أن تخرج البلاد من عنق الزجاجة ونسأل الله أن يجنبنا المشاكل المقبلة، إلا أنني أجدد قولي أن هذه الحكومة غير محظوظة خصوصا في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وهذا بالتأكيد لا يعني أنني ضد الانتفاضة ولكني اشرح كيف كان لدور الانتفاضة اثر سلبي على الاقتصاد الأردني وهذا أمر متوقع نظرا للترابط الشديد بين الشعبين على الصعيد الاجتماعي والعاطفي. بالإضافة إلى قضية البترول والمشاكل التي بدأت تظهر نظرا لارتفاع أسعار البترول العالمية وانعكاس ذلك على الاقتصاد الأردني. لا عذر ـ سنيد: لا يمكن القول بان الحكومة الحالية قد مرت بظرف استثنائي خطير يمكن أن تعذر عليه في تقصيرها في كثير من الأمور، بل على العكس فقد كانت هذه الحكومة محظوظة في كونها أول حكومة يعينها العهد الجديد الملك عبد الله الثاني، بعيدا عما حدث لحكومة الروابدة التي سبقت هذه الحكومة، وأنا أؤكد أن الظروف السياسية والداخلية خصوصا كانت مشجعة للغاية للعمل والانجاز، وقد تفاعل الجميع مع الحكومة خاصة بعد أن دخلت فيها أسماء كانت محسوبة على المعارضة. أما من حيث ما يقوله البعض من أن هذه الحكومة قد اشتبكت مع ظرف الانتفاضة الصعب فهذا صحيح إلى حد ما ولكن ليس للحد الذي يمكن أن نصف فيه هذه الأوضاع بالخطيرة، فهي بالفعل كانت ظروفا استثنائية ولكنها ليست ظروفاً خطيرة وهناك فرق كبير. أبو غنيمة: أنا ارثي لحظ حكومة الأستاذ علي أبو الراغب فقد جاءت في ظروف زاخرة بالازمات والاحتقانات فورثت جميع هذه الاحتقانات، خصوصا الوضع الاقتصادي الذي وصفه من كان في السابق وضعا في غرفة الانعاش وورثت حالة طرد قادة حماس من الأردن وورثت اضطرار الحكومة بركوب موجة معاهدة وادي عربة والظهور بمظهر المدافع بهذه المعاهدة وورثت مشاكل البطالة وزيادة معدلات الفقر وتراجع النمو الاقتصادي. والاهم من ذلك أن العديد من وزرائها يشاركون في حكومة تضطر إلى تنفيذ قرارات وتبني سياسات تصطدم مع خلفياتهم السياسية والنضالية. وعلى سبيل المثال فان دولة علي أبو الراغب وفارس النابلسي وصالح ارشيدات وهؤلاء على سبيل المثال هؤلاء كانوا أعضاء في التجمع الديمقراطي العربي وتبنوا عقد مؤتمر تحت شعار مواجهة الهيمنة الأمريكية والاحتلال الصهيوني وهم الآن في حكومة تمنع قيام مسيرة أو مظاهرة لمواجهة النفوذ الأمريكي والتعاطف مع الشعب الفلسطيني. والشيخ عبد الرحيم العكور نفسه يشارك في حكومة انهالت ضربا على من كانوا قادته أو زملائه في جماعة الإخوان المسلمين منذ فترة بسيطة، وهذه مفارقة لا يمكن إغفالها. وهذه أمثلة وغيرهم كثر، يضطرون إلى السكوت عن سياسات تتناقض مع ماكان يؤمنون به قبل دخولهم للوزارة. أما الأستاذ فارس النابلسي فقد كان أحد أعضاء الدفاع عن قادة حركة حماس، وهو الآن في حكومة ما زالت تصر على رفض عودة قادة حماس، والدكتور محمد الحلايقة كان من نشطاء حركة فتح في مصر ورئيس اتحاد طلبة فلسطين في لندن ويؤمن بالنضال المسلح، وهو نفسه الآن وزيراً في الحكومة التي ترتبط مع الصهاينة في معاهدة وادي عربة. ـ هل من الممكن أن نبرر لهم بالقول انهم يتعاملون بفن الممكن؟ بمعنى آخر لو اتيحت لك الظروف واصبحت وزيرا كيف يمكن أن تتصرف؟ ـ أبو غنيمة: عندما يتعلق الأمر بالوطن وقضايا الأمة لا يحق لأي شخص أن تتناقض ممارساته في الحكومة التي يشارك فيها مع قناعاته الشخصية، فأنا عندما اتحدث عن انهم رجال بحق فلا يعني هذا أنني أجد لهم ما يبرر لهم وجودهم في الحكومة وقد بعثت لمعظمهم وفي اكثر من مرة رسائل تتعلق بذلك. ـ هل علقوا على هذه الرسائل؟ ـ أبو غنيمة: في الحقيقة لم يردوا على هذه الرسائل. ثلاثة جوانب ـ د. سليمان: يجب أن نعترف أن الحكومة الحالية حاولت تحسين العلاقة على المستوى العربي، وعلى المستوى الإسلامي أيضا، وكذلك على مستوى العلاقات الأردنية الفلسطينية وقامت بجهد جيد في تحسين هذه العلاقة. وربما أيضا يمكن القول أنها حاولت أن تعطي نفسها صفة حكومة اتفاق وطني إلى حد ما، وفي حدود معينة ولفترة زمنية محدودة إلا أن الظروف السياسية في المنطقة حالت دون نجاح العديد من برامجها. وعلى الصعيد الداخلي يجب أن نأخذ ثلاثة جوانب: الأول الجانب السياسي ومن ثم الاقتصادي والجانب الاجتماعي، وبالرغم من أن هذه الجوانب كانت متأصلة ومرتبطة مع بعضها البعض إلا أن الحكومة مثلما تحدثت في السابق فان ميزان القوى المفروض عليها، مثل الدخول في منظمة التجارة العالمية ضمن شروط غير إيجابية ولم يكن الطرف الأردني ناجحاً بدرجة عالية فيها وأنا هنا اتحدث كما قال لي بعض المسئولين في منظمة التجارة العالمية، أما النقطة الأخرى فهي موضوع الشراكة الأوروبية فهي أيضا فرضت شروطاً على الأردن اقل إيجابية من الشروط التي فرضت على دول عربية أخرى مثل دول المغرب العربي. أما ما يسمى ببرنامج التصحيح الاقتصادي المفروض أيضا من البنك الدولي باعتراف مسئولين سابقين كانوا ربما من أهم المسئولين الذين يتحملون مسئولية هذا البرنامج أما الآن فهم يتنصلون منه. حيث انه لم يعط نتائج إيجابية. يجب أن لا نأخذ هذه الأمور ببساطة فحزمة القوانين الاقتصادية هي أهم ما يميز المرحلة أيضا ومحاولة إعطاء رأس المال الأجنبي امتيازات كبيرة على رأس المال المحلي والعربي افقد الحكومة الكثير من المصداقية. أما على مستوى الحريات وحقوق المواطنة، وعلى سبيل المثال الحقوق السياسية فلم تكن هذه الحكومة افضل من الحكومات السابقة في هذا المجال سواء على مستوى المسيرات وخاصة ما يتعلق بكبت الحريات والتعبير عن مشاعر المواطنين، تجاه الانتفاضة وكل مشاريع القوانين التي مررت على المستوى الاقتصادي وحتى على مستوى حزمة الأمان الاجتماعي اعتقد انه لم تكن بالصورة الإيجابية التي كان الناس يتوقعون منها. ـ هناك من يرى أن الاقتصاد الأردني يعاني سياسيا وليس اقتصاديا؟ ـ الحمد: إلى حد ما يمكن قول ذلك، وهو مؤشر سلبي بالتأكيد. ثمة جانبان مهمان في تناول الموضوع، الاول يتعلق بالتشريعات المتعلقة بالاقتصاد والتي اقترحتها الحكومة، حيث كانت الحكومة غير متريثة في تقديمها وإقرارها في مجلس النواب المنحل، خاصة وانها بحاجة لكثير من الحوار والاستيعاب، فمن المعلوم ان هذه التغييرات استجدت على التشريع الاقتصادي الاردني ما استلزم مرحلة زمنية لاستيعابها اجتماعيا واقتصاديا بصورة جيدة وفق زمن افتراضي معقول. كما انه كان لا بد من التركيز على العلاقات الأردنية العربية اقتصاديا على حساب العلاقات الأردنية الإسرائيلية، لان العلاقة مع إسرائيل خلقت اشكالية مع الدول العربية التي تأخذ موقفاً مناهضا للتطبيع مع إسرائيل، وبالتالي قامت مشكلة شبهة المصانع والشركات الإسرائيلية وغيرها. ومازلنا نسمع الكثير من الكلام من قبل الاكاديميين والاقتصاديين وبعض الرسميين العرب حول هذا الموضوع. وفي المحصلة كان يتوجب على الحكومة ألا تسمح لإسرائيل بالعمل على اراضي الاردن، مقابل اثارة بعض الاشكالات الاقتصادية مع القطاعات العربية، لان مستقبلنا مع رأس المال العربي الذي هو بالتأكيد اكبر واهم واكثر انتماء، كما لا نجد للاردن مصلحة مع العدو الإسرائيلي في الجوانب الاقتصادية تفوق أي مصلحة عربية اخرى، فيما تجمعنا كل المصالح العربية. من جهة أخرى فإن طبيعة الانفتاح على الآخر كانت كذلك تتسم بالتعجل من حيث زاوية الانفتاح، وقبل ان تؤسس بنى تحتية كافية لما سبق، حيث يتم تخفيف الأخطاء التي نقع فيها في المفاوضات والاتفاقيات ونخفف من ضغط الآخر علينا. صنوان متلازمان ـ الحياري: نحن نعاني من الطرفين، أولا عملية الفصل بينهما من الصعوبة بمكان فالاقتصاد والسياسة صنوان متلازمان، ونحن نعاني في البلاد من السياسة التي تؤثر مباشرة في الأوضاع الاقتصادية وهذه قضية ملحوظة وواضحة ولا تحتاج إلى أحد ليكتشفها، واضيف إلى ذلك ما صاحب فترة عمل الحكومة الحالية من التراجعات التي تحدثنا عنها. أضف إلى كل ذلك أنني اعتقد أن الفريق الوزاري الذي يعمل في الحكومة غير قادر على مواجهة الصعاب المقبلة ويحتاج إلى فريق وزاري قوي ووطني ويمثل كافة الاتجاهات السياسية في البلد وكافة الرؤى الموجودة على الساحة، وفي النهاية نحن لا يمكن أن نكون باحثين عن اخطاء بقدر كوننا باحثين عن مصلحة وطن. ـ سنيد: أنا مع هذا الطرح بصورة كلية فلم يبن الاقتصاد الأردني بصورة حقيقية، ولم يكن هناك قرار في الحقيقة لتنميته على جميع المستويات حتى يدعم الاستقرار في البلد، وقد عاشت الأردن على المساعدات طويلا وما يتعرض له حاليا ما هو إلا جرة حساب حيث يجري معاقبته من الدول التي كانت تساعده، أريد فقط أن أؤكد انه بالرغم من أن لدينا وزارة زراعة إلا انه الشاهد يؤكد خطورة الأوضاع الزراعية في المملكة، وعلى هذا قس. أبو غنيمة: لا شك أن الأزمة ليست في أشخاص أعضاء الحكومة وتاريخهم العملي يشهد لهم بالنجاح الطويل، ورئيس الوزراء نفسه من انجح الاقتصاديين في البلد وله مشاريع ناجحة جدا. ذلك أن الأمر لايتعلق بممارسات أو سياسات اقتصادية وإنما له تشعبات سياسية وارتباطات وضغوط من دول كثيرة، فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة تضغط في كثير من الملفات الاقتصادية. وهي الأسباب ذاتها التي دفعت إلى عدم نجاح الحكومة في مساعيها للنهوض بالاقتصاد الاردني، بل أن الأوضاع الاقتصادية ساءت عن ذي قبل. عولمة القرار ـ د. سليمان: الاقتصاد الأردني اقتصاد تابع وغير معتمد على الذات، وبالتالي هناك محاولات من رأس المال العالمي لعولمة السيادة على القرار الاقتصادي ومن ثم عولمة السيادة على القرار السياسي. والأردن جزء من هذه العملية وهو ليس وحده، بل أن كل الأقطار العربية تعاني من هذه المسألة بالإضافة بالطبع إلى الدول النامية. هناك محاولة لعولمة الموارد الطبيعية وبالتالي عولمة القرار الاقتصادي الذي يؤدي إلى عولمة القرار السياسي. ورغم أني لا ادافع عن هذه الحكومة إلا انه أي ايجابيات أو سلبيات لا يكون للحكومات المعنية في دولنا التابعة دور كبير فيها وإنما هي حكومات منفذة وليست راسمة للقرار. وبشكل عام لا نستطيع أن نقول انه حتى هامش الحرية في هذا المجال كبير أي أننا نشاهد الدول العربية أو غيرها عندما يأتي وزير دفاع أو غيره من الدول الكبرى يغير اشياء كثيرة من مواقف هذه الدول. الموقف العربي من الانتفاضة أيضا رغم أن الموقف العربي الشعبي واضح إلا أن مواقف كثير من الأنظمة العربية تتحدد على ضوء ضغوطات وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية. ـ ما هي أهم الإنجازات التي استطاعت الحكومة الحالية القيام بها خلال سنة من تسلمها إدارة البلاد؟ ـ الحمد: كما قلت في السابق حاولت الحكومة أن تحل عقد بعض الملفات العالقة ففشلت في بعضها ولكنها أيضا نجحت في أخرى، وقد نجحت إلى حد ما في اطفاء حرائق الازمات التي كانت في السابق، وان كانت لم تحلها بشكل مرض، خاصة ما يتعلق منها بالازمة الاقتصادية، وما يتعلق بالعلاقة بالمعارضة السياسية، وموضع وجود حركة حماس في البلاد. ـ هل تريد القول أن العديد من الملفات استطاعت الحكومة الحالية اغلاقها؟ ـ الحمد: أن معظم الملفات ما زالت مفتوحة تنتظر الحل، ولكن هذه الحكومة لم تتوقف عن المحاولة على تفاوت وتباين في الجهد والكفاءة. وان اكبر المحاولات واكثرها عناية من قبل الحكومة كانت في الناحية الاقتصادية، وتركزت المحاولات على محورين اساسيين، الأول: تطوير مناخ الاستثمار القانوني والتشريعي في الأردن والذي كان ثقيلا من حيث السرعة والكثافة، حيث إن الأردن بحجمه وامكانياته وقدرته لا يتحمل كل هذا التغيير حتى يتم امتصاصه بشكل جيد، واخراج نتائج واقعية بصورة معقولة في فترة زمنية قصيرة نسبيا. والثاني: كان الانفتاح على الآخر مثل تفعيل اتفاقات الشراكة مع اوروبا، وعضوية منظمة التجارة العالمية واللتان افرزتا تحديات جديدة، اضافة الى التوسع في موضوع المناطق الحرة، وفتح ملفات جديدة تتعلق بمنطقة العقبة الخاصة كفكرة ظن البعض أنها حل سحري لمشكلة الاستثمار والاقتصاد الوطني،والتي مازال الجميع ينتظر نتائجها وانعكاساتها. إلا أن النظر من زاوية استراتيجية شاملة تعمل على تطوير البنية الاقتصادية الأردنية الشاملة يشير الى اننا مازلنا في مربع التنظير والهيكلة الذاتية اكثر من التحرك إلى الإمام، وهذا ما تسبب باستمرار ضعف التنمية الاقتصادية، اما على صعيد الملفات الاخرى، فمازالت تنتظر الرؤية الناضجة لانجازها، ولا تزال الحكومة بحاجة لتوسيع دائرة الاستشارة للعقول الاردنية الحكومية وغيرها حتى تتمكن من انجاز مهامها في هذه الملفات بما يحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويقوي توجهات التنمية الاقتصادية المستدامة. الحياري: لقد عولنا على الحكومة الشيء الكثير باعتبار الاقتصاد متراجع وكنا نأمل على الأقل وقف التراجع، إلا أن استمرار نفس الوجه يخلق حالة صعبة على الناس وحقيقة لا أريد أن اتحدث نيابة عن الحكومة. ـ هل أنت راض عن انجازات الحكومة؟ ـ الحياري: لا أنا لست راض عنها ولا عن انجازاتها، ولدي أسبابي وأنا كنائب أنا اتطلع إلى توجه الحكومة في خطواتها إلى الاتجاه الصحيح ولكني حتى الآن لا أرى أن الحكومة تتجه في هذه الاتجاه، على سبيل المثال موضوع الإصلاح الإداري الذي يتطلب أن يكون هناك ثورة على آليات العمل في الحكومات المتعاقبة، بحيث يبدأ وضع مفاهيم جديدة واسلوب جديد في العمل. ومن أهم الخطوات التي بدأت الحكومة في العمل بها في هذا الموضوع أنها شكلت لجنة عليا لمكافحة الفساد، إلا أنني اؤمن أن الحكومة لم تكن جادة في هذا الطرح، فلو كنت على سبيل المثال مسئولا واود أن الاحق الفساد واجتثه من جذوره فعلا فإنني سأشكل لجنة لمكافحة الفساد بعيدة عن تأثيري أو تأثير أي شخص في مواقع السلطة التنفيذية وإلا كيف يمكن لها أن تراقب أعمال هذه السلطة إذا كان أعضاء اللجنة هم أصلا من السلطة التنفيذية. أما أن يبقى رئيس اللجنة أحد وزراء الحكومة وأعضاء معه أعضاء في الحكومة فهؤلاء يراقبون من؟ انهم جاءوا من اجل مراقبة أداء الحكومة، ولو جاء هؤلاء أمر من كبار الموظفين أن أوقفوا البحث في ملف معين فانهم سينصاعون لهذا الأمر بالتأكيد فهم مجرد موظفين، ومن هذا الباب قلنا حتى تنجح لجنة مكافحة الفساد يجب أن لا يكون لرئيس الحكومة أو السلطة التنفيذية أي خيط فيها لان هذه اللجنة جاءت من اجل مكافحة الفساد في هذه السلطة. وأقول مرة أخرى، ما دام مجلس النواب أي مجلس نواب لا يقوم بهذه المهمة وهو الجهة المسئولة دستوريا عن المراقبة والمناط به الرقابة على أداء الحكومة، وما دام مستنكفا عن أداء مهمته فمن المتوقع أن تكون الجهات الرقابية كلها ضعيفة. أما من حيث الاختلاف بين هذه الحكومة والحكومات المتعاقبة الأخرى ففي أمور قليلة جدا يمكن الإشارة إليها، فالحكومة الحالية لأنها جاءت تحت عنوان أنها حكومة اقتصادية فهذا ما يعطيها طابعاً مختلفاً أما البيانات الوزارية كلها فإنها بيانات وزارية جميلة وذات لغة فصحى عميقة ولا ينقصها البلاغة ولا يوجد فيها اخطاء قواعدية أو املائية. فالكل يتحدث عن مكافحة الفساد والفقر والبطالة ولكن للاسف الشديد فان النهج اللاحق للبيان الوزاري يكون في العادة بعيدا جدا عن مضامين الموضوعة. ـ سنيد: من حيث «العلاقات العربية والقمة» فقد استطاعت الحكومة ان تخفف من حدة التوتر المتصاعد في العلاقات مع العراق، وحاولت ان تبقى على العلاقة معه رغم الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الاردن من امريكا. ولم تستطع ان تتقدم في العلاقات مع سوريا بسبب الاختلاف في تقييم الطرفين للعملية السلمية ونتائجها، وبغير ذلك لم يحدث ما من شأنه ان يطور العلاقات العربية بشكل اكبر مما هي عليه الان، والتي يمكن وصفها بأنها عادية. ونجحت الحكومة في ان تتلافى تدهور العلاقات العربية في القمة التي انعقدت في عمان، ساعدها في ذلك الوضع الحرج في كل الساحة الفلسطينية.أ ما عن الوضع في العراق، فبخلاف الحكومة السابقة، لجأت حكومة ابو الراغب الى اعادة الوضع مع العراق الى درجة اقل حده مما آلت اليه الامور بين البلدين سابقا، حيث وصلت الى درجة ان العراق اخذ يفكر جديا في حرمان الاردن من المنحة النفطية والسعر التفضيلي الذي يحظى به من النفط العراقي بسبب المعاملة العراقية الخاصة التي يحظى بها. وقام رئيس الوزراء بأول زيارة رسمية عربية الى العراق منذ الحصار عام 1991، وتبع ذلك وفود رسمية وشعبية، وتوسط الاردن لانهاء الخلاف بين العراق والكويت كون الملك رئيس القمة إلا أن النتائج حتى الآن لم تسجل أية نجاحات. على أن الحكومة الحالية كانت استمرارا لما قبلها في عدم العمل بجدية لتطوير الحياة العامة في الاردن، وذلك بإزالة العقبة اكبر اساسها الممثلة بقانون الصوت الواحد والذي ادى الى تراجع الاردن سياسيا، ووضع حد للمشاركة الشعبية رغم ورود ذلك في كتاب التكليف. كما ان الحكومة لم تراع الحالة السيئة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وانعكاسها المباشر على الشارع الاردني وسعت الى تطويق هذا الشارع باستخدام العنف، وافتعال ازمات مثل قضية لجنة مقاومة التطبيع النقابية المعلقة، واتسمت الحكومة بسرعة تراجعها عن قراراتها بسبب انها تعاني عدم الانسجام. أما من حيث تطوير الوضع الاقتصادي فقد حققت الحكومة اهم فشل لها في هذا الجانب الذي برز اختيار الرئيس علي ابو الراغب بناء على قدرته فيه لرئاسة الحكومة حيث كان رئيس اللجنة المالية في البرلمان وهو رئيس المجلس الاقتصادي الذي انشأه الملك في نهاية حكومة الروابدة، وصاحب فكرة تحويل العقبة لمدينة خاصة. وفي عهد هذه الحكومة فقد الاردن السوق العراقي تقريبا، وذلك لتحفظ العراق على الصناعة الاردنية التي تدخل فيها مواد خام اسرائيلية او تنتج عن مصانع مشتركة ووجد العراق طريقة مع السوريين والمصريين في هذا الجانب، وعندما خسر الاردن العقود العراقية لم يربح في المقابل السوق الاسرائيلية التي لا تزيد نسبة الصادرات الاردنية لها سنويا على 30 مليون دولار ووضع الاسرائيليون العراقيل في وجه وصول المنتجات الزراعية الاردنية الى السوق الفلسطيني. وتأثرت الصادرات الاردنية الزراعية الى الدول العربية بسبب الخوف من ان يكون الاردن وضع نفسه جسراً لادخال الصناعة الاسرائيلية الى السوق العربي، وفي المقابل واجهت اتفاقية التجارة الحرة مع الامريكان العراقيل ولا تزال الى هذه اللحظة لم تنجز ولم تؤت ثمارها، وفشلت الحكومة في جذب الاستثمار رغم الترويج لمشروعها في تحويل العقبة الى منطقة تجارية حيث لا يزال مستوى المشاركة فيها متواضعا بالمقارنة مع حجم التوقعات، ويمكن القول ان البيروقراطية والفساد يشكلان اهم اسباب الركود الاقتصادي الحالي، حيث لم يشهد الاردن جدية في مواجهة الفساد، وتقديم الفاسدين للمحاكمات. لا أثر للحكومة ولا يزال الوطن الاردني لا يشعر بأي اثر للحكومة الاقتصادية التي بنى على يدها بتحسين للوضع الاقتصادي الصعب، ولا تزال العمالة الاردنية غير قادرة على الدخول للاسواق العربية كالسابق. أما فيما يتعلق بملف الانتفاضة الفلسطينية فقد تعاملت الحكومة معها من خلال ثوابت العملية السلمية، واتخذت موقع المحايد منذ بداية الاحداث، وحاولت ان تطرح حالا سياسيا للوضع المتفجر في فلسطين وذلك بالتعاون مع الدول الأخرى التي لها معاهدة ونتج عن ذلك المبادرة الاردنية المصرية. وعمدت إلى فرض حالة امنية على الشارع الاردني وذلك حتى يدعم الهدوء في الشارع المبادرة الدبلوماسية آنفة الذكر ولم تسفر الانتفاضة عن أي تغيير في العلاقات الاسرائيلية الاردنية حيث لا تزال السفارات قائمة بين البلدين، الا ان حرارة هذه العلاقات حاليا تأثرت بسبب وجود الانتفاضة. طبعا هذا الامر وضع الحكومة في تصادم مباشر مع الشعب الأردني الذي يطالب بطرد السفير الاسرائيلي، وتجميد المعاهدة الاردنية المصرية وإعادة مبعدي حماس الى الأردن. الحكومة امتداد لواقع حكومي كان تقريبا منذ السبعين والى الان يسير بنفس الاتجاه، حيث تظهر الحكومة على انها صاحبة القرار كرأس جبل الثلج اما بقية الجبل فتختفي بالماء. فلا يمكن القول أن حكومة أبو الراغب جاءت إلى الحكم في ظروف أشبه بالصفحة البيضاء فكل حكومة مقبلة تتأثر بما ورثته من اخطار الحكومات السابقة، ومن الملفات المعلقة ومن القضايا التي تعتبر ثوابت وتؤثر على الية القرار. وفي هذا الشأن اقول انه قد يظهر في بعض اللحظات صراع بين اطراف صناعة القرار السياسي في الاردن كونه يأتي من جهات متعددة، وقد ترى اختلافا مع الحكومة من قبل بعض الجهات الا انه في النهاية الكل يتبع لقرار واحد. على أنى أريد الإشارة السريعة إلى غياب دور الشعب في صناعة القرار، أو على الأقل التأثير على صناعته، كون الشعب الاردني لا يزال الى هذه اللحظة غير مسيس وليس مؤثرا حزبيا، ولا تشكل الاحزاب سوى نسبة ضئيلة من عدد السكان. ـ أبو غنيمة: في الحقيقة اتمنى أن أجد ولو ملفا واحداً نجحت هذه الحكومة فيه، ففي موضوع الديمقراطية سجلت تراجعات مهمة، وفي ملف محاربة الفساد قالت الحكومة في بيانها الشيء الكثير، ولكن لم تستطع أن تقدم لنا فاسدا واحدا. نحن لا نرى ما يمكن أن يقال. ـ أنت لست راض عنها ايضا؟ ـ أبو غنيمة: بالفعل، وأنا أرى انه كان أولى على الحكومة بدلا عن التعديل تقديم استقالتها لإنقاذ مايمكن إنقاذه من سمعتهم وسمعة ابائهم. على أنني يمكن القول وأنا مرتاح الضمير وبدون تحيز أن حكومة أبو الراغب بصورة عامة اقل سلبية من التي سبقتها فالحكومة السابقة كانت متخصصة في افتعال الاحتقانات والازمات، أما حكومة الأستاذ أبو الراغب لا تحاول أن تبحث عن المشاكل والصدامات ولكنها تضطر إليها أحيانا أما الحكومة السابقة فهي التي كانت تتفنن في افراز الاحتقانات. تناقض ـ ولكن إلا تعتقد أن هذا الكلام يتناقض مع ما قيل حول أن الحكومات الأردنية ليست صانعة قرار وإنما منفذة له.. إذن حكومة الروابدة ليست المسئولة عما جرى في البلاد أثناء إدارتها للبلاد؟ ـ أبو غنيمة: لا اعتقد أننا في الأردن قد شهدنا في يوم من الأيام طروحاتها خاصة، ولذلك لا يوجد أي فرق، فالحكومات تأتي وتذهب ولا تدري كيف تم الامر، أما بالنسبة لموضوع الممارسات فالحكومات تنفذ قرارات ولكن الفرق في طريقة التنفيذ، فهناك حكومات تنفذ القرارات المعروضة عليها بأسلوب جيد أو سهل ولا يثير أي احتقانات، وتطمئن أصحاب القرار إلى أن ما يريدونه قد تم ولكن دون إثارة الجماهير واستفزازها. وهناك أمثلة كثيرة. ـ د. سليمان، كاقتصادي هل أنت مع الذي طرحه الأستاذ الحمد من أن الحكومة اخطأت في كمية التشريعات التي تم تطويرها؟ ـ د. سليمان: أنا لست مع سن هذه المجموعة الكبيرة من القوانين أصلا، وحتى أن بعض هذه القوانين من متطلبات المرحلة، بمعنى انه كان المطلوب تمريرها حتى أن معظمها أخذ في مجلس النواب صفة الاستعجال. وهذه المطالب جاءت بدعوة من العولمة التي يجري فرضها في إطار نظام القطب الواحد. وهذه القوانين لصالح رأس المال العالمي أو لصالح بصورة اكثر دقة القسم المسيطر على رأس المال العالمي ولم يستفد رأس المال منها، وحتى عمليات الخصخصة التي تجري هنا وهناك، وهي خصخصة غير نابعة من متطلبات الاقتصاد الوطني وإنما هي نابعة من مجمل ميزان القوى الدولي ولصالح رأس المال الأجنبي ولصالح آليات عملية العولمة والشركات الكبرى متعددة الجنسيات، والتي ليس من السهل تحديد هويتها ولكن المؤشرات تؤكد أن هناك مساهمة كبيرة لرأس المال الصهيوني بنسبة مهمة فيها تمنحه دور المايسترو في عملية الاستثمار. ـ وماذا عن الإنجازات التي تمت في عهد هذه الحكومة، رغم انك ترى أنها انجازات العولمة أن جاز التعبير؟ ـ د. سليمان: أنا انظر إلى موضوع الإنجازات على أساس انه شيء نسبي، لأنه يتحدث عن الإنجازات في ضوء المدة الزمنية القصيرة من ناحية وفي ضوء الضغوطات الكبيرة على البلد من ناحية أخرى، سواء كانت ضغوطات سياسية أو اقتصادية، ودعني أشير هنا إلى أن حكومة أبو الراغب استطاعت تحسين العلاقة على المستوى العربي، سواء مع العراق أو مع دول عربية أخرى وكذلك أيضا في إطار العلاقة الأردنية الفلسطينية لكن مع ذلك احب أن أؤكد على تراجع العلاقة الاقتصادية والميزان التجاري مع العراق رغم كونه ليس في صالح الأردن. ففي البداية كان التوجه تحسين العلاقة ربما نجحت سياسيا لكن العلاقات الاقتصادية تراجعت على انه بشكل عام أن الأردن من الناحية المعنوية استطاع اختراق الحصار وتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى تصويب العلاقة الأردنية الفلسطينية، أما على الصعيد الداخلي فان هامش الديمقراطية فقد بقي محافظا عليه إلا انه لم يتحسن كثيرا، في حين يؤخذ على الحكومة أنها لم تستطع التوفيق بين ما كانت تطرحه و ما نفذته خصوصا الرئيس أبو الراغب باعتباره نقابي سابق، حيث لم يتمكن من تطوير العلاقة مع أحزاب المعارضة والنقابات. ـ كيف تنظر إلى العلاقة التي قامت بين الحكومة و مجلس النواب المنحل؟ كلام صريح ـ الحياري: سأكون صريحا إلى ابعد الحدود ولكن أرجو نشر هذا الذي سأقوله، أن ما لدينا مجلس امة يتكون من مجلسين مجلس النواب ومجلس الأعيان، أما أنا فاصف الحال كالتالي: أن مجلس الأعيان هو مجلس الملك مستشارين الملك أما مجلس النواب الذي كان فهو مجلس الحكومة، فقد كنا طيعين بيد الحكومة ولا أرى بحكم التجربة وبعد أن انقضت تجربتي النيابية هذه أن هناك قانوناً مر في المجلس واقر ولم تكن للحكومة يد فيه بمعنى أن المشروع الذي تريد السلطة التنفيذية أن تسيره فانه يسير في المجلس بصورة سريعة، وقد خضت تجارب عديدة في هذا الإطار فعندما كنت اجلس مع بعض النواب لمناقشة القانون خارج القبة اسمع كلاما وعندما ندخل تحت القبة اسمع كلاما مختلفا، فالتصويت للاسف يتحول بطريقة أخرى وهذه حالات متكررة لدينا. لذلك أرى أن العلاقة بين الحكومة والنواب علاقة حميمة جدا ولن تجد أي حكومة سواء الحالية أو اللاحقة اطوع من مجلس النواب المنحل. هذا من حيث النظرة الشاملة لمجلس النواب المنحل على أنى سأكون قد ظلمت الكثيرين إذا ما قلت في الإجماع، فمجلس النواب الأردني يضم ثمانين نائبا لكل نائب توجه خصوصا وان المجلس يفتقد للرؤية السياسية أو البرامجية المحددة. وهذا الوضع فيه من السلبيات والايجابيات على أنه في العموم ما دام يخلو من وجهات نظر حزبية فستبقى سمة الخدماتية هي السمة الغالبة عليه. واقولها بأمانة أنني لو كنت مع حزب في مجلس النواب الحالي عندما طرح استجوابا