استعرضت ندوة مركز دراسات الوحدة العربية، التي عقدت مؤخرا بمدينة فاس المغربية تحت عنوان «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي جديد»، وشارك فيها اكثر من مئة مثقف عربي يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، العديد من البحوث والدراسات من بينها بحوث العميد الركن الدكتور هيثم الكيلاني الخبير بالامانة العامة لجامعة الدول العربية ومعاون رئيس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية رئيس تحرير مجلة «قضايا فكرية» والصحفي والسياسي الراحل عادل حسين الامين العام لحزب العمل المصرفي وسعدون حمادي رئيس المجلس الوطني العراقي والمفكر د. أحمد صدقي الدجاني، ود. عبدالعزيز الدوري الاستاذ بالجامعة الاردنية ود. ناصيف حتى. ويرى الدكتور هيثم الكيلاني أن الاستقلال الوطني والقومي في الوقت الراهن يواجه مجموعة من التحديات الرئيسية تعرضه للحد من حريته أو للانتقاص من قدراته أو لحرفه قليلا أو كثيرا عن اتخاذ القرار المناسب لمصلحة الدولة القطرية أو لخدمة أهداف الأمة العربية. أربعة تحديات ويشير الخبير العسكري بصفة خاصة إلى أربعة تحديات هي: العسكري الأجنبي والهيمنة الأجنبية وبخاصة الأمريكية، انكشاف الأمن الاقتصادي العربي، تجذر الاستعمار الصهيوني وترسخ كيانه، وغلابة القطرية على القومية، ويتوقف الكيلاني بصورة تفصيلية أمام مشكلتين رئيسيتين تؤثران في مدى الاستقلال الوطني وتجسدان بعض بنود برنامج العمل لما هو مطلوب تحقيقه لتأسيس المشروع الحضاري النهضوي العربي، تتمثل المشكلة الأولى في ذلك الوجود العسكري الأجنبي في منطقة الخليج العربي، وقد أصبح هذا الوجود تعاقديا ثنائيا اثر حرب الخليج الثانية، وينشط هذا الوجود ويتحرك من أجل هدفين: أولهما معلن وهو حصار العراق، وثانيهما غير معلن وهو تأمين النفط من منابعه الى مصابه وخطوط نقله حتى خارج المنطقة. واذا افترضنا انتهاء الهدف الاول، فإن الهدف الثاني وهو نفط الخليج سيبقى عاملا دائما أو شبه دائم، ويعني هذا احتمال وجود عسكري أجنبي بشكل من الاشكال سواء في مياه الخليج أو على أطراف أراضيه. وتتمثل المشكلة الثانية في ميزان القوى في المنطقة العربية، وهو ميزان لا يرتبط بالوزن العسكري فحسب وانما بجميع أنواع الاثقال التي تؤلف قوة الدولة وقوة المجموعة العربية، وتستقر في الكفة الثانية القوة المعادية للأمة العربية وفي مقدمتها اسرائيل، ويمثل الاستعمار الصهيوني وترسخ كيانه أهم التحديات التي تنتصب أمام الاستقلال الوطني والقومي ولا نبتعد عن الحقيقة حين نقول أن ماضينا القريب كان صراعا ومثله حاضرنا وان مستقبلنا سيبقى صراعا ضد الصهيونية وكيانها وانصارها. وفي مواجهة هذه التحديات يقترح الدكتور الكيلاني عددا من الحلول ويقول: تبدو الديمقراطية هي المفتاح الذي يشرع لنا الدرب الى المحافظة على أعلى درجة ممكنة من الاستقلال الوطني والقومي ومن القدرة على اتخاذ القرار المناسب لمصلحة الأمة، ومن خلال الديمقراطية يمكن مواجهة المشكلات الناجمة عن التحديات الكبرى وايجاد الحلول لها وبخاصة مشكلات التنمية والتكامل الاقتصادي والمصالحة القومية بين الأنظمة الحاكمة ومعالجة الصراع العربي الصهيوني بأصوله وفروعه. ومن أجل تحقيق التوازن والتفاعل مع المتغيرات الاقليمية والدولية لابد من ان يتم على المستوى القومي الاتفاق على تحديد مصادر تهديد الاستقلال الوطني والقومي والتخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعبئة الطاقات للأمن القومي العربي ويرى الدكتور الكيلاني أن ثمة ميزتان يتفوق فيهما الوطن العربي على اسرائيل هما: العمق الاستراتيجي والكم البشري، ولكن هاتين الميزتين لم تسخدما بصورة كافية وعملية في جميع مراحل الصراع ويعني هذا أن بعض مبادئ الحرب لم تطبق بشكل عملي من اجل نصرة الطرف العربي، ويبدو أن الوضع العربي الراهن لايزال حتى اليوم غير مؤهل لتطبيق تلك المباديء، يضاف الى ذلك أن ظروف النظام العالمي الحالي، وما طرأ عليه من تغيرات وبخاصة ذلك الدعم المتنوع غير المحدود والذي تساند به الولايات المتحدة اسرائيل. ويخلص بحث الدكتور الكيلاني الى خلاصتين مهمتين، أولاهما: ان حسم الصراع بالوسيلة العسكرية غير ممكن في الوقت الراهن وبخاصة في اطار الظروف والعوامل العربية والاقليمية والدولية. وثانيهما أن ميزان القوى الحالي الذي تجري في ظله عملية التسوية لا يمكن ان ينتج تسوية متوازنة تحقق للمواطن العربي وبخاصة الفلسطيني حقوقه. ولهذا فإن الحل في المرحلة الراهنة يكمن في المقاومة الشعبية وذلك بمقاطعة اسرائيل شعبيا في مختلف المجلات وفي كل مكان عربي بدون استثناء، ويرفض أي شكل من أشكال التطبيع جميعها ومن أجل الانتقال الى الديمقراطية سياسيا واجتماعيا وثقافيا بما يكفل حقوق المواطنين وحرياتهم ويحيطها بالضمانات الدستورية والقانونية. مظالم النظام الدولي المفكر الراحل وأمين عام حزب العمل عادل حسين تقدم إلى الندوة ببحث قبل رحيله انطلق من أن الاستقلال هو المبدأ الحاكم والجامع لامكانية النهضة فمظالم النظام الدولي بدأت منذ ما يزيد على قرون خمسة والصورة الاجمالية تدل على أن المظالم تتفاقم ولا تقل بالمعنى النسبى والمطلق خاصة مع انتشار العولمة في العقود الأخيرة. ويقول عادل حسين قصدنا من النظام الدولي انه نظام السيطرة الغربية الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على مقدرات العالم، وما يقال عن العولمة الاقتصادية الآن لا يختلف في مقاصده عن الاهداف التقليدية للاستعمار بحديث عن حرية التجارة وما يصاحبها من حركة رأس المال بطريقة مخطط لها أن تكون غير متكافئة، اذ يطلب منا فتح أسواقنا بلا حساب بينما يفتحون هم أسواقهم بحساب دقيق مع كل ما يترتب على ذلك من نهب لثرواتنا وفرض للتخلف التكنولوجي والاقتصادي.. ولكن مهما كانت المصاعب فإن ما يراد فرضه الآن باسم العولمة يقضى على اية آمال في نهضتنا، وعلى نحو أنكى وأشد فما جرى في القرون والعقود الماضية. واذا كانت مناهضة الاستعمار شرطا بديهيا للنهضة في فكرنا السياسي السابق فإن مناهضة العولمة في فكرنا السياسي المعاصر يجب أن تكون أكثر بداهة. ووفقا لهذا الطرح فإن مفهوم عادل حسين لمسألة الاستقلال لا يتوقف عند ابعاده السياسية والاقتصادية فقط بل يتجاوزها الى الاستقلال الثقافي، والأخير بالذات كما يرى جلال أمين كان وراء تحول عادل حسين من الماركسية الى الاسلام ولهذا فإن عادل حسين يرى ان الاستقلال الوطني والقومي لا يكتمل الا بالاستقلال الثقافي، فالنموذج الحضاري الاسلامي يقوم على ركائز مناقضة للنموذج الحضاري الغربي كما أن جلاء المستعمرين من الأرض يظل ناقصا ما لم يتبعه جلاؤهم من العقول. الدوافع وفي بحث يتناول بالرصد والتحليل آفاق الوحدة العربية يقول الدكتور سعدون حمادي رئيس المجلس الوطني بالعراق (لنبدأ أولا بميثاق الجامعة العربية الذي يقوم على مبدأ العمل الطوعي بين الأنظمة العربية بصورة متدرجة للتقارب والعمل المشترك في مختلف مجالات البناء الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي والعسكري فهو عمل طوعي بين أنظمة الدولة القطرية، وهو متدرج يبدأ بالجزء على أمل الوصول الى الكل، وكان اختيار هذا المنهج ملائما للوضع الموجود. فعندما تكون نقطة البداية هي الأنظمة وليس الجماهير، وعندما يكون العمل بين نخبة سياسية متباينة في قربها وبعدها عن هدف الوحدة. وعندما تكون القضية المطروحة هي التعاون وليس اقامة كيان سياسي موحد، عندما تكون الصيغة التي تم اختيارها تحصيل حاصل لتلك المعطيات. وهكذا كان، فقد مضت مدة تجاوزت الآن أكثر من نصف قرن على قيام هذه المؤسسة، حدث خلالها عمل هو دون الطموح بكثير ودون ما كان ممكنا من دون شك، ولكن مهما كان فقد حصل شئ ما ولعل أهم ما انجز خلال هذه الفترة هو الهيكل القانوني نفسه الذي وان كان مجرد هيكل عظمي الا انه يكتسب أهمية. ومن صفات هذا المسار انه يسمح بالتعاون الثنائي حسب الحاجة والامكانية، كما يسمح بالنشاط التعاوني المناطقي كما هو جار في الخليج الآن. ويضيف سعدون حمادي قائلا: (إن مؤسسات الجامعة المتخصصة تشهد شيئا من الاستمرارية وربما شيئا من التفعيل في مجالات عملها. اذن هناك جواب ضمني أو صريح على سؤال كيف تتحقق الوحدة؟ الا وهو السير في طريق التعاون الطوعي خطوة تلو الأخرى. فالعملية بحد ذاتها اذا ما أستمرت يمكن أن تخلق أوضاعا جديدة ومصالح جديدة تؤدي الى شكل من أشكال التوحيد، ولكن هل الدول القطرية العربية بأوضاعها الراهنة تسير بالفعل في اتجاه الوحدة العربية الشاملة؟ يقول سعدون حمادي: الدولة القطرية عموما بنظامها وفئاتها السياسية الحاكمة تقف ضد الوحدة وتعمل على تقوية وضع التجزئة، والبعض منها يذهب لأبعد من ذلك بالتعاون مع القوى الخارجية لمنع قيام الوحدة ويستخدم الوسائل التي توفرها الدولة الحديثة كالقوى العسكرية والمخابرات والاعلام والمال للحد من الاتجاه نحو الوحدة. ويرصد المفكر الفلسطيني أحمد صدقي الدجاني في بحثه المشاريع النهضوية العربية السابقة وأسباب اخفاقها وينطلق من أن المشروع النهضوي العربي كان دائما في مواجهة المشروع الحضاري الغربي ذي التوجه الاستعماري. ويرى الدجاني أن المشروع الحضاري لأمة هو ثمرة تفاعل أبنائها مع واقعهم وسعيهم لتطوير هذا الواقع بلوغا لأهداف قاموا ببلورتها ووضعوا تحقيقها جهاد ونضال وكفاح، وتشهد حوارا متصلا في المجتمع بين مختلف تياراته الفكرية وشرائحه الاجتماعية وتتعلق هذه الأهداف بحياة الناس وأحلامها في ضوء ما يعيشونه ويعانونه ويأملونه. وكانت شعارات المشروع النهضوي العربي منذ بداية القرن العشرين تعبر عن أهدافه ومراميه، فشعار الجلاء وشعار الاستقلال التام كانا تعبيرا عن هدف تحرير الوطن العربي من الاحتلال الاستعماري الغربي، وشعار الوحدة يدل على توحيد أقطار الوطن العربي الكبير وهذه الوحدة مطلوب أن تكون فورية أحيانا عند البعض ومدروسة أحيانا عند آخرين، ثم متدرجة تتحقق من خلال إيجاد الحقائق الوجودية، وهي أحيانا وحدة صف وأحيانا وحدة هدف ودائما تقترن بهدف التحرير. التحدي الأكبر ويحلل الدجاني المشروع الحضاري الغربي الذي مثل بسيفه الاستعماري أكبر تحد للمشروع النهضوي العربي ويقول: هناك إقتناع راسخ لدى قوى النهوض في أمتنا العربية بأن السبيل لانتصارنا على المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الصهيوني هو بتحقيق المشروع الحضاري العربي بأهدافه كلها فمواجهتنا لقوى الهيمنة الدولية وللصهيونية طرفي التحالف الاستعماري الصهيوني ذات طابع حضاري وتتطلب رؤية حضارية، ومن هناك تأتي أهمية تتبع ما بلغ إليه العمل لتحقيق كل من هذه الأهداف في المرحلة الراهنة. لقد أكدت الأحداث على أهمية تكثيف الجهود لتحقيق هدف الديمقراطية والشورى وكرامة الإنسان، فغيابها أورث الدول العربية ضعفا وسبب كوارث من أشدها ما شهدته الجزائر. ومن منظور تاريخي يرى الدكتور عبد العزيز الدوري أستاذ التاريخ بالجامعة الأردنية أن أهم مشروعين نهضويين في العالم العربي هما مشروع محمد على في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومشروع جمال عبد الناصر في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي مواجهة التهديد الغربي ثم الحملة الفرنسية على مصر جاء مشروع محمد على الذي يمكن اعتباره أول مشروع نهضوي تمثل في إنشاء جيش حديث من حيث التدريب والسلاح بالإستعانة بخبراء أجانب وإنشاء مدارس عسكرية وفي محاولة وضع قاعدة علمية واقتصادية له من إنشاء مصانع حديثة مع تطوير الزراعة وإدخال مزروعات حديثة بعد الغاء نظام الإلتزام مع سيطرة على الإنتاج الزراعي لخدمة الدولة وركز محمد على في سياسته الاقتصادية على تأسيس صناعة حديثة مع تطوير بعض الحرف القديمة لإنتاج سلع أساسية من احتكار الدولة للتجارة إلى إنشاء مدارس حديثة لكافة المستويات وترك المدارس التراثية لحالته إلى إرسال بعثات مدنية وعسكرية. مسوح ليبرالية أما عن المشروعات الفكرية التي أخذت مسوحا ليبرالية في العالم العربي فيقول الدوري: يمكن الإشارة إلى الوجهة النهضوية الليبرالية التي تأخذ بالرأسمالية وتقول بالديمقراطية والنظام البرلماني وتعدد الأحزاب، ولكن الديمقراطية البرلمانية في البلاد العربية اقترنت في مرحلتها الأولى بالهيمنة العربية مع قدر من الفرض والتكيف مما ولد رد فعل ضدها وأدى إلى إنهيارها في بعض البلاد العربية ولعلها استفادت بعض النفوذ في الفترة الأخيرة وفي الاتجاه الليبرالي تأكيد على العلم وإعجاب بالثقافة الغربية ودعوة إلى الأخذ بها، وبين ممثلي هذا الاتجاه من هاجم جوانب تراثية مثل الخلافة لينفي أية قاعدة شرعية لها، ومن أكد أن مستقبل الثقافة العربية في أن تكون غربية، ومن نقل بعض الفكر الغربي مثل الدارونية واليوناني مثل فكر أرسطو. ويرى الباحث أن أهم مشروع نهضوي عربي هو ما جاءت به ثورة يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، فقد إتجهت الثورة إبتداء إلى تحقيق الاستقلال وإلى إقامة العدالة الاجتماعية وأعلنت في مبادئها الستة أولوية القضاء على الاستعمار وأعوانه وعلى الاقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم. ويرصد د. ناصيف حتى في بحثه مشهداً عربياً يدعو للإحباط واليأس في بداية قرن جديد إلا أنه يسلط الضوء على عناصر بازغة جديدة يمكن إذا خلصت النوايا وتكاتفت الإرادات أن تحاصر ما يدعو لليأس والاحباط في المشهد العربي الراهن وفي بداية بحثه ينبهنا ناصيف حتى إلى أن المشهد الذي استقر منذ التسعينات قوامه ما يلي: ـ هويات مأزومة للدولة التي لم تستكمل عملية بنائها المؤسسي والوطني مثل السودان والجزائر حيث تشهد الفكرة القومية تراجعا نتيجة لاضطراب المشاريع الفكرية والسياسية. ـ تبلور نظام جغرافي مفتوح الحدود السياسية والقيمية وبقدر ما تلاشت (عروبة) العلاقات العربية بقدر ما جرى تحويل هذه العلاقات وأمركة مجالات أساسيه منها بحيث تظهر قوة التأثير الأمريكي المباشر وغير المباشر في هذا الشأن. ـ أسهمت أزمة الخليج الثانية ثم عملية السلام التي انطلقت في مدريد في فتح الباب لبلورة مشاريع ترتيبات إقليمية جديدة أو خرائط جديدة في الشرق الأوسط يجمع بينها كلها أنها تعتبر بديلا عن الجغرافيا القومية. ـ أما التغيرات الإيجابية التي يقول (ناصيف حتى) أنها أخذت تستقر في النظام العربي وتشكل عناصر اساسية في عملية الاحياء القومي منها بداية تبلور مجتمع مدني عربي بمفاهيمه وأولوية واهتماماته ومرجعياته ومصالحه وقد تخطى هذا المجتمع حدود مجتمعات الدولة الوطنية ومن مؤشراته إزدياد كثافة التفاعلات غير الرسمية وتنوعها وإنتشار المنظمات القطاعية غير الحكومية على الصعيد العربي أو التي تجتمع في إطار عربي والتي تنشط في ميادين مختلفة موحدة شبكة من الرؤى والمصالح المشتركة عبر الدولة الوطنية ثم التنامي الكبير لدور الفضائيات العربية والصحف العربية المهاجرة جغرافيا وتقوم كل من هاتين الوسيلتين بتحسين الرأي العام العربي حول القضايا العربية وفي إرساء حوار عربي واسع فكري وثقافي وسياسي تحول الجغرافيا والسياسات الوطنية عادة دونه. كما استقر مناخ عربي على الصعيد الرسمي يدفع بإتجاه التعاون الاقتصادي التدريجي والقطاعي، ويشكل إنطلاق منطقة التجارة الحرة العربية زخما هاما في هذا المجال رغم المعوقات والقيود التي تواجهها هذه العملية، كما يشكل التزايد السريع لإتفاقيات التجارة الحرة الثنائية بين الدول العربية دفعا بهذا الإتجاه. التنمية المستقلة يعرف د. يوسف الصايغ الباحث والمفكر الفلسطيني في بحثه مفهوم التنمية المستقلة فيقول: من أجل تحديد المقصود بمصطلح التنمية المستقلة بمزيد من الدقة لابد من استعراض مواصفات هذا المصطلح والاشتراطات المتصلة به ويتضح فورا هنا أن استقلالية التنمية لا تعني بالضرورة بل لا يمكنها أن تعني الاكتفاء الذاتي للمجتمع في قدرته على توفير الرؤية والقدرات الفكرية والمهارات البشرية والمواد المادية والتقانية اللازمة جميعها لاطلاق مسار التنمية، فإذا نظرنا بالتدقيق إلى معطيات وقدرات وأوضاع أي مجتمع حقق مستوى عاليا من التنمية، فإننا لا يمكن أن نقول بثقة إن هذا المجتمع تمكن بقدراته ومعطياته وأوضاعه الذاتية وبها وحدها من تحقيق إنجازه التنموي مستقلا. وإذن فاستخدام مصطلح استقلالية التنمية ينبغي ألا يفهم بحرفية مطلقة، فليس هناك مجتمع أو بلد يقدر على تحقيق تنمية مستقلة بالمعني المطلق من هنا كان تفضيلي استخدام مصطلح التنمية بالاعتماد على الذات أو الذاتية كبديل لمصطلح التنمية المستقلة، ومن أجل المزيد من التحديد يضيف يوسف صايغ إن التنمية بالاعتماد على الذات توجب التأكد من سلامة الأولويات المتوخاة في التنمية، وفي هذا السياق عليها أن تسعى في المقام الأول إلى تلبية الحاجات الأساسية الإنسانية للمواطنين، ويشمل هذا توفير الطعام والسكن واللباس وفرص العمل وخدمات التعليم والرعاية الصحية، ضمن الحدود الممكنة والمعقولة. كما أنه يشمل حشد المتاح من الموارد والعمل على تنظيم إتاحته سواء منها الموارد المادية أو المالية أو المهارات البشرية، وينبغي أن نشدد هنا على أهمية اعتصار الموارد الذاتية قبل اللجوء إلى المعونات والقروض والاستثمارات الأجنبية بما يترتب على التمويل الخارجي من مخاطر جسيمة سياسية واقتصادية نتيجة لحالة إرتهان المصالح والإرادة الوطنية والقومية لمصالح وإرادة الدول (القوى التي يتم اللجوء إليها لتوفير التمويل بمختلف أشكاله). ويعرض الدكتور يوسف صايغ لمجموعة الضغوط التي تواجهها التنمية المستقلة في الدول العربية فيقول تتشكل حركة الضغوط العالمية في الجوهر كناتج لديناميات المجتمعات الصناعية المتقدمة وللقدرات التقانية والاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تمتلكها ولشبكة علاقاتها المالية والتجارية والاعلامية بالعالم أجمع ولحرية الإنتقال غير المسبوقة بالنسبة للمال والتقانة والسلع والخدمات والأفكار والإعلام بين بلدان الشمال والجنوب أما قلب حركة الضغوط فيقع في قلب مجموعة الدول الكبرى السبع أي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وقد صدرت من الولايات المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أكثر الدعوات تأكيدا وتشديدا لنقبل فكرة النظام العالمي الجديد والانسجام معها وهي دعوات تحث العالم إن لم نقل تأمره لصياغة سياسات اقتصادية وتنموية تتسق مع توجهات المقولات أو الموجبات التي ينطوي عليها النظام العالمي الجديد.. وفيما يختص باستيراد مدخلات خدمية هامة للاقتصاد فإن البلدان النامية من عربية وغير عربية ستتلقى آثارا مؤذية بسبب كثرة وتعقيد القواعد التي يقترن بها الاتجار بالخدمات ومن ناحية أخرى فإن نصوص الإتفاقية التي تحكم ما يتصل بحركة الملكية الفكرية تبين أن البلدان النامية لن تستطيع الاستمرار بالإفادة من حقوق الملكية الفكرية للبلدان الأخرى. وإذا كانت العولمة تضع على رأس مهامها تحرير التجارة العالمية فإن أثرها سيكون وخيما على البلدان العربية المستوردة للسلع والخد مات التي تنتجها البلدان الصناعية المتقدمة وشركاتها المتعدية الجنسية والعابرة للحدود، فالبلدان النامية كما يقول د. صايغ ذات مستويات معيشية منخفضة، ولذلك فهي أحوج ما تكون لأن يظل اقتصادها في الأساس ذا توجه ذاتي أو داخلي، أي يتمحور أساسا حول مصلحة مواطنيها ويوجب هذا أن تركز البلدان العربية على إنتاج السلع والخدمات التي تلبي الحاجات الأساسية لشعوبها وبالتالي فإن هذه البلدان لا تستطيع النجاه من تأثير سياسات البلدان الصناعية المتقدمة والشركات المتعددة الجنسية الذي من شأنه أن يعمل على أن يتمحور الاقتصاد العربي حول الاقتصادات المتقدمة ويخدم أغراض قواها الإنتاجية والتسويقية بالدرجة الأولى وينتقد د. صايغ ساخرا من الالحاح على إندماج اقتصاديات الدول العربية بالاقتصاد الرأسمالي العالمي ويعلق قائلا: وهنا نجد سكوتا تاما لدى الداعين للإندماج فيما بين العالمي عن ضرورة بل إلحاحية تحقق إندماج فيما بين الإقتصاديات العربية كأولوية ضرورية قبل الإندماج بالاقتصاد العالمي وجني ما يمكن من مكاسب لإقتصاد قومي على أننا لا نعثر في الأدبيات الصادرة عن البنك الدولي أو البلدان الصناعية المتصلة بالموضوع الحالي أية إشارة إلى وجوب تشجيع الإندماج الاقتصادي العربي كأمر ضروري بل وحيوي لجعل إندماج الاقتصاد العربي بالاقتصاد العالمي أكثر جدوى للطرف العربي وأقدر على تمكين العرب من بلوغ وضع تفاوضي أفضل. د. نصر محمد عارف الاستاذ بجامعة زايد «الإمارات» عدد في بحثه عوائق التنمية المستقلة وعلى رأسها العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الكبرى على الدول النامية والتي قد تؤدي إلى تدمير القدرة الاقتصادية أو الوجود نفسه كما في حالة العراق حيث تؤدي العقوبات إلى إنهيار الجهاز المناعي لإقتصاد الدول المستهدفة فلا تستطيع الاحلال أو الاستبدال في أدوات الإنتاج أو في الخدمة العامة، كما تؤدي إلى إحداث خلل ضخم في الهيكل الاقتصادي مما يؤدي إلى حدوث متوالية من الإنهيارات في الإقتصاد القومي فقد تفقده تراكم قرنين من الزمان كما في حالة العراق. ويسلط الدكتور نصر الضوء على ظاهرة تعدد جهات الاستقطاب وشد الاطراف التي تشتت عملية التنمية المستقلة ويقول: لعل أخطر ما يواجه تنمية الوطن العربي تنمية مستقلة تحقق ذاته في مستقبلة وتجعل نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية متناغمة مع هويته هو تعدد بؤر الاستقطاب وقوى شد الأطراف، فمن العولمة والقرية العالمية إلى الشرق أوسطية إلى البحر متوسطية إلى تجمع الساحل والصحراء الافريقي إلى الولايات المتحدة الأفريقية.. الخ وقد غاب عنها جميعا التجمع العربي أو الجامعة العربية أو السوق العربية المشتركة، بل أصبح من السلامة تجنب الإشارة إلى أي فكرة تشير إلى تجمع العالم العربي. ومن ثم فإن النتيجة الحالية والمستقبلية لهذه التجمعات أو هذه البؤر هي تعميق الصراع الاجتماعي وتضخيم عناصر الإنشطار المجتمعي إلى ثنائيات متضادة و هي نفس حالة الصراع التي صاحبت واستمرت مع حالة التبعية التي أجهضت عملية التنمية طوال العقود السابقة. ويخلص د. نصر إلى القول بأن عملية التنمية المستقلة تستلزم ببساطة توفر شرطين أساسيين هما: النمو الذاتي القائم على عملية تجدد جواني للمجتمع طبقا لدلالات مفهوم التنمية والشرط الثاني الاستقلال في تحديد منطلقات التنمية ونموذجها ووجهتها وغاياتها وبهذين الشرطين التجدد الذاتي والاستقلال يمكن تأسيس نموذج يتفاعل بصورة حرة مع العالم. وحدد د. اسماعيل صبري وزير التخطيط المصري الاسبق مفهوم التنمية المستقلة قائلاً انها نقيض التبعية ونظرية التبعية تقول: ان العالم قلب وتخوم أو مراكز وأطراف. والمركز يضم الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات بما يملكه من آليات السيطرة يهيمن على الأطراف أو على الدول النامية ويخضعها لإرادته ومصالحه والطريق إلى التنمية المستقلة يبدأ بفك الإرتباط القمعي بين المركز والأطراف، والتبعية لها صور كثيرة منها المعونات الأجنبية والقروض والاستثمارات وغيرها وإستخدام المعونة ينشئ ربطا سريا بين مستخدمي المعونة ومانحيها وتوجيه أولى إنفاق الجزء الأكبر منها للشراء من سوق الدولة المانحة ودفع مرتبات الخبراء الذين يتعاونون في إستخدام المعونة ومن استفاد من المعونة يطمع في مزيد منها من نفس الدولة أو من أخرى مثيلة لها، أما الاستثمار الأجنبي فهو بطبيعة الحال رهن بما يرى فيه المستثمر ما يحقق له أكبر ربح ممكن، وكلما زاد اعتماد الحكومة على الاستثمار الاجنبي تعاظم دور الاجانب في تشكيل الاقتصاد الوطني. وهناك ما هو أخطر، هناك (التبعية التكنولوجية )فمعظم أقطارنا تتبنى سياسة استيراد التكنولوجيا أو نقلها وفي واقع الامر ليس فيما تفعل شيء من ذلك فالآلة والمصنع يرد مصحوبا بكراسة معلومات شبيهة بما يحصل عليه المرء منا عند شراء سيارة فهو يشرح كيف يحرك الآلة وعلى أي زر يضغط إن مشتري المصنع في أحسن الأحوال يتعلم تقنية تشغيل ولكنه لا يحصل بأية حال على هندسة الآلات، ومعنى التكنولوجيا الحقيقي هو التركيب الهندسي المبني على معرفة نظريته وطبيعته التي صممت الآلات في ضوئها. ويطرح الدكتور إسماعيل صبري شروطا مشتركة للتنمية المستقلة تناسب البلدان العربية رغم اختلاف أنظمتها فيقول: من الأمور المشتركة الحرص على تحقيق الاعتماد على النفس أي القوي الذاتية للمجتمع حرصا على استقلال الإرادة الوطنية المعبر عنها ديمقراطيا في تشكيل تطور المجتمع، وتربيته سياسيا من خلال الممارسة مضافة إلى التعليم والثقافة وصحة البدن والعقل قادرة على التعامل مع التكنولوجيا المتطورة وعلى رفع مستوى إنتاجية العمل بإستمرار وهي أهم عمدة قوة الإقتصاد والمجتمع، ويقتضي الاعتماد على النفس تشجيع البحث العلمي وتوفير أدواته بهدف بناء قاعدة وطنية للعلم والتكنولوجيا لوضع حد للتبعية التكنولوجية. مشروع العدالة الاجتماعية وفي بحث بعنوان (العدالة الاجتماعية) يقول الدكتور جلال أمين استاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لا يمكن أن نفصل بين ما حدث من تدهور في توزيع الدخل وانحسار شعارات العدالة الاجتماعية في العالم العربي منذ أوائل السبعينات وما حدث من تطورات تكنولوجية واقتصادية في العالم الرأسمالي، فما شهده توزيع الدخل وشعارات العدالة الاجتماعية من تدهور في العالم العربي كان وثيق الصلة بسياسة الانفتاح الاقتصادي في دولة بعد أخرى وظاهرة الانفتاح الاقتصادي في بلادنا وغيرها من بلاد العالم الثالث ليست في حقيقة الأمر إلا الوجه الآخر لإتساع نشاط الشركات متعدية الجنسيات، هذه الشركات تضغط لفتح الأبواب أمام نشاطها المتزايد لإتساع وخروج هذه الشركات باستثماراتها إلى خارج دولها الأم ينطوي على تصدير العمالة إلى خارج هذه الدول فترتفع معدلات البطالة ودخول هذه الشركات ودول العالم الثالث يؤدي إلى تدهور توزيع الدخل في هذه الدول لما يعنيه من سحب الدولة ليدها من التدخل في الاقتصاد ومن فرض الحماية لعمالها وصناعاتها. ويطرح الدكتور جلال أمين مقترحا بعناصر مشروع عربي للعدالة الاجتماعية وعلى رأسه مطالبة الدولة بضرورة التدخل لتقديم الحماية للفقراء ولاعادة توزيع الدخل، وتفعيل الحركة التعاونية التي تعرضت لضربة قاصمة على يد الأفكار الماركسية فمن الممكن أن تلعب هذه الحركة الآن دورا في التخفيف من أعباء الفقراء، فقد شهد التاريخ الاجتماعي المصري أكبر قدر من النشاط في ميدان العمل التعاوني والأهلي في أوائل القرن العشرين وشهد إنشاء أول جامعة مصرية بتبرعات أهلية وإنشاء العديد من المدارس والمستشفيات والملاجئ بنفس الطريقة، ومن حسن حظنا أن ثقافتنا العربية والإسلامية تحمل تاريخا عريقا لمؤسسات ومبادئ بالغة الرقي من الناحية الأخلاقية والإنسانية ويمكن أن تساهم مساهمة فعالة في تحقيق أعلى درجة من العدالة الاجتماعية لو بذلنا الجهد الكافي لبث الحياة فيها. القاهرة ـ فتحي عامر: