عندما يقوم مجلس الامن يوم الاربعاء القادم بترشيح امين عام الامم المتحدة كوفي عنان لفترة ثانية مدتها خمسة أعوام، كما هو متوقع على نطاق واسع، فإن هذه الخطوة غير المسبوقة ستكون بمثابة اعتراف بإنجازات الدبلوماسي غاني المولد. وبإعلانه الموافقة على ترشيح عنان قبل نصف العام من انتهاء فترة ولايته الحالية، سوف يعزز مجلس الامن من مركز عنان القيادي وسلطاته في تنفيذ برامج الامم المتحدة. وكانت الترشيحات لهذا المنصب، الذي يعتبر أعلى منصب في الامم المتحدة، تتم عادة قبل حوالي شهرين من انتهاء الولاية. ومن المتوقع أن تصدق الجمعية العامة التي تضم 189 دولة بصورة تلقائية على ترشيح عنان الجمعة المقبل، وذلك بعد موافقة الدول دائمة العضوية في المجلس وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا على ضرورة بقائه على رأس هذا الجهاز العالمي. وقد حظي عنان «63 عاما» بمساندة أقوى الدول الاعضاء في الامم المتحدة من خلال بعض الانجازات البارزة التي كان آخرها حملة التوعية حول كارثة مرض نقص المناعة المكتسبة(الايدز). كما قام بزيارات مستمرة لعواصم العالم المختلفة، وقضي أوقاتا بعيدا عن مقر الامم المتحدة في نيويورك أكثر ممن سبقوه في تولي هذا المنصب. وأدت الموافقة المبكرة لمجلس الامن الذي يضم 15 دولة على قطع الطريق على أي منافسين محتملين لعنان. ويذكر أن العادة جرت على أن يتم تناوب منصب الامين العام للامم المتحدة بصورة دورية بين قارات العالم الخمس حيث كان من المتوقع أن يؤول إلى قارة آسيا بعد تولى اثنين من الافارقة، هم عنان وبطرس بطرس غالى، المنصب خلال الاعوام العشرة الماضية. وقد بهر الامين العام للمنظمة الدولية زعماء العالم في اجتماع الالفية الذي عقدته الامم المتحدة في العام الماضي من خلال البرامج التي ساعد في وضعها لاحياء المنظمة التي كانت تئن تحت وطأة البيروقراطية والتي كانت قد فقدت سمعتها بعد سنوات من التخبط وعدم الفعالية. واعتبر الدبلوماسيون موافقته على التدخل العسكري للحيلولة دون وقوع الكوارث الانسانية بمثابة تصرف شجاع في أعقاب قصف يوغسلافيا بقيادة حلف شمال الاطلسي (الناتو) عام 1999 لارغام زعماء صربيا على الاذعان للارادة الدولية وإنهاء القمع الوحشي للانفصاليين الالبان في كوسوفو. كما أقام عنان علاقة خالية من المشاكل مع واشنطن، أكبر المانحين للمساعدات لبرامج الامم المتحدة، وهو ما فشل فيه سلفه بطرس غالى الامر الذي أدى إلى منع الولايات المتحدة تأييدها عنه لتولي المنصب لفترة ثانية. وقد ولد عنان في غانا في 8 أبريل 1938 وغادرها للدراسة في كلية ماكالسيتر في سانت بول، بولاية منيسوتا، وفي معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في بوسطن. والتحق بالامم المتحدة في عام 1962 كمسئول اداري ومالي بمنظمة الصحة العالمية في جنيف، كما تولى مناصب أخرى في جهاز الامم المتحدة. ويعد عنان أول أمين عام يتولى المنصب من داخل صفوف الامم المتحدة. وكانت مناصبه المختلفة في مقر الامم المتحدة في نيويورك في معظمها في مجالات الادارة، والشئون المالية والموارد البشرية. وفي عام 1990 تم تكليفه بمهمة خاصة تتمثل في ترحيل أكثر من 900 موظف دولي بعد غزو العراق للكويت. وعمل في إدارة عمليات حفظ السلام بالامم المتحدة، ثم رأس هذه الادارة في الفترة من 1994 إلى 1996. وأثناء تلك الفترة، وقفت قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة موقف المتفرج عندما ارتكبت حكومة الهوتو في رواندا المذبحة التي تعرض لها حوالي 800 ألف شخص معظمهم من التوتسي الذين يعارضون قيادة الهوتو للبلاد، ولم يتم تحميل عنان مسئولية عجز الامم المتحدة عن اتخاذ أي إجراء. وفي تحقيق أمر هو نفسه بإجرائه وتم نشره في عام 1999، تم توزيع اللوم عن المذبحة على منظمة الامم المتحدة ككل. وقليلون هم الذين انتقدوا عنان. وحتى هؤلاء الذين انتقدوه لم يجاهروا بانتقاداتهم. وعلى هذا فقد حظي بالاشادة والمديح أكثر من أي ممن سبقوه في المنصب، ويعتبره بعض المؤيدين أفضل امين عام منذ قيام المنظمة في عام 1945. وعنان بصوته الهادئ وأخلاقه الودودة يتمتع أيضا باتصالات ممتازة مع وسائل الاعلام ويعد من الوجوه التي يرحب الجميع بها في حفلات الاستقبال الليلية التي تقام في مدينة نيويورك. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، تحت عنوان «سجل السيد عنان الفائز» في مارس الماضي أن عنان يستحق فترة رئاسة ثانية. وأشادت به لما قام به من تدعيم «للادارة والمصداقية المعنوية» للامم المتحدة وإصلاح علاقاتها مع واشنطن «التي كانت مهلهلة في وقت من الاوقات». وقد أيده الاتحاد الاوروبي صراحة. وخلعت بكين على عنان وصف «صديق الصين»، كما أيدت الدول الافريقية ترشيح عنان في مارس الماضي. وحينذاك دعا عنان إلى مؤتمر صحفي ليؤكد قبوله لفترة ثانية قال فيه إنه كرس معظم حياته المهنية «لتعزيز قيم وعمل الامم المتحدة، التي أؤمن تماما أنها تجسد أسمى طموحات الانسانية». د.ب.ا