رفض صهيوني مطلق لشعار «عش ودع غيرك يعش»، 3 محاور اسرائيلية لتكريس سياسة الفصل في القدس هناك عملية ملزمة وذات خصائص مماثلة إلى حد الدهشة، تجري في القدس، في زمننا الحاضر، كما ان معاييرها المستقبلية الغريبة آخذة هي الأخرى في الظهور. أولاً واضح بأنه في البلاد كلها وكذلك في القدس لا يستطيع كلا التجمعين: الفلسطيني واليهودي إنشاء تآلف دائم فاعل بين الطرفين، وهنا أيضاً فإن مسألة الانتقال إلى تسويات هامشية وعلى المستوى الدقيق والصغير لاحتمالات التعايش بينهما (إذا كان ذلك ممكناً) ولكن من خلال كيانين منفصلين. وبعد فحص للعلاقات الجغرافية لفصل ممكن في القدس ولمصلحة التجمعين السكانين المختلطين والمتصلين بالموضع فإنه لن يكون من الصعب التوصل إلى الاستنتاج التناقضي، وسرعان ما يطالب اليهود هم أنفسهم بعملية الفصل بينما يطالب الفلسطينيون بالتعايش ضمن إطار مشترك. لقد ادركت القيادة الفلسطينية بأن مصلحتها في القدس الموحدة والمفتوحة. وأوضح خطاب لعرفات ألقاه في ستكهولم المطالبة بحرية التحرك في مدينة القدس كهدف رئيسي إلى جانب تقسيم السيادة. إذ قال: «ينبغي أن تظل مدينة القدس مفتوحة لجميع سكانها دونما استثناء أو تمييز والإبقاء عليها مقسمة بواسطة حواجز أو محاور». وقد ظهر النص العربي في الصحيفة الرسمية للسلطة الفلسطينية ـ صحيفة «الحياة الجديدة». أما أبو العلاء عندما زار الكنيست فقد تحدث وصاغ عملية مطالبة الفلسطينيين بالقدس باسلوب يفترض الإبقاء على المدينة غير مجزأة أي أنه طالب بعاصمة واحدة لدولتين (وليس عاصمتين لدولتين) في أعقاب الشعار القديم:«دولتان لشعبين». أكثر من الخيال لكن الإسرائيليين لم يستوعبوا بعد الاعتراف بأن مصلحتهم هي الانفصال ضمن اطارين منفصلين. كما أن الرسم والتخطيط الجغرافي المرغوب لدى إسرائيل والذي تم املاؤه على الفلسطينيين مبدئياً لن يكون بالطبع شبيهاً لما كان قائماً حتى عام 1967- ليس فقط راموت وجيلو وتلبيوت ومزراح ونافيه يعقوب وبسجات زئيف وأمثالها داخل مجال القدس المحلية تجعل الأمر مستحيلاً وإنما معاليه أدوميم وغفعات زئيف وسلسلة المستوطنات ومحاور النقل والحركة في لواء القدس الكبرى كانت قد افرزت منذ زمن حقائق وأمراً واقعاً على هذا الصعيد. ومواصلة السيطرة الديموجرافية اليهودية على منطقة جبل أبو غنيم والبوابة الشرقية وإيجاد تواصل بين الأحياء اليهودية والمستوطنات اليهودية القائمة في منطقة القدس الكبرى، كل هذه الأمور تجعل خيار العودة إلى حدود 1967 أكثر من الخيال- أي أنه كلما طالت المدة التي لا يترسخ فيها موضوع التسوية الدائمة كان بامكان إسرائيل (إذا أولت حكومتها الأمر أهمية وحظي بأغلبية من الرأي العام) تعميق هذا التوجه ومنع الوجود العربي المتواصل مع بعضه والمتكامل من الخروج بشكل واضح عن إطار المجالات المحددة والتجمع فيها لسنين طويلة. وهذا الإطار الأقليمي سينجم عنه واقع مزدوج فمن جهة سينضم جزء كبير من منطقة القدس الكبرى- داخل المجالات المحلية وخارجها إلى السيطرة الديمجرافية الإسرائيلية. ومن جهة أخرى ستنشأ كتلة كبيرة نسبياً في منطقة القدس الكبرى ومعظمها خارج المجال المحلي الذي تم ضمه لإسرائيل لكنه يشمل أيضاً نواة مهمة ضائعة من ناحية قدرة إسرائيل على تغيير التوازن الديموجرافي والسياسي فيها. يشار هنا إلى أن الخريطة رقم 4 والتي تشمل البنية الديموجرافية لأحياء القدس الشرقية وضواحيها والقرى العربية داخل إطار القدس الموسعة وتضم (قلنديا وشعفاط والشيخ جراح وباب الزاهرة والقدس القديمة (باستثناء الحي اليهودي) والطور وسلوان وعرب السواحرة وصور باهر والعيسوية (على الرغم من أن الأخيرة كانت مشمولة في جيب جبل المكبر قبل عام 1967). هاتان الكتلتان آخذتان بالتكامل والاندماج تدريجياً أكثر فأكثر على الرغم من عدم وجود أمر مشترك يجمع ساكنيهم. الكثيرون من العرب يحملون بطاقة هوية زرقاء لا يعني وجود مستقبل مشترك للطرفين أو تراث من التسامح على طريقة (عش واجعل الآخر يعيش). وكلما ازداد التجمعان تداخلاً كلاً في ذاته أو اندماجاً (برغبة أو باضطرار) بالجوانب المختلفة للصراع القومي الذي يزداد حدة، تعرقلت المفاوضات بين الطرفين وزاد التسرب التدريجي في وعي اليهود والاعتراف بأن عليهم الانفصال عن السكان العرب. لقد بدأت هذه العملية في اعقاب الانتفاضة وظهر الأمر واضحاً في تقليص الاتصالات بينهما في حينه، لكن الاونة الأخيرة شهدت ارتباطاً بموجة العنف التي اجتاحت القدس وعمت بأسرها المنطقة في أعقاب تطبيق اتفاقات اوسلو وكذلك المواجهات السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية التي ارتفعت حدة وتيرتها بوصول نتانياهو إلى السلطة عام 1996 مع أن جذور هذه المرحلة تعود في حقيقة الأمر إلى بداية التسعينيات عند السكان العرب واليهود في القدس أكثر من أي مكان آخر.. إزاء الفجوة بين ميزات وتفوق (العالم الأول- إسرائيل) وبين ضائقة (العالم الثالث- الفلسطينيين) والدليل على ذلك هو المحاولات البائسة من جانب الفلسطينيين للمحافظة على مكانة المواطنة في القدس (ذات السيادة الإٍسرائيلية) حتى لو اضطروا أو اختاروا عدم السكن فيها، وخط التماس بين العالمين يفصل الإطارين السياسيين القائمين في القدس، ليس فقط بين المنطقة المحلية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وبين المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية وإنما إلى حد كبير أيضاً بين الأحياء اليهودية والعربية في الجانب الإسرائيلي. الثقة المستحيلة من هنا فإن الظروف التي ستفرض في نهاية المطاف موضوع الفصل في القدس لا تقتصر على الاعتبارات الوطنية للشعبين، وإنما تتعداها إلى واقع حياة يتسم بعدم الثقة بين الفئتين والتي يبدو أنها غير قابلة لأن تكون عكسية، فعلى سبيل المثال لا تدخل سيارات الاسعاف الإسرائيلية إلى جزء من الأحياء العربية - وبالطبع ليس مخيم شعفاط للاجئين- بدون مرافقة شرطة حرس الحدود، وقد قررت مؤسسة نجمة داود الحمراء إتخاذ هذا الإجراء بعدما تعرضت تلك السيارات للرشق بالحجارة مراراً من قبل السكان الذين جاءت تلك السيارات لمساعدتهم. وحدث عدة مرات أن تم استدعاء هذه السيارات فقط من أجل رشقها بالحجارة. وقد تصرفت المؤسسة على هذا النحو بحكم من المحكمة العليا. وهناك أسباب عديدة لمهاجمة سيارات الأسعاف الإسرائيلية من قبل السكان العرب بحجة تأخرها في الوصول أو للاستفزاز الذي يحدثه وجود حرس الحدود أو إذا توفي احد المصابين، وبالطبع فإن المواجهات تسقط قتلى وجرحى، وصحيح ما قاله احد الصحافيين الإسرائيليين من أن قليلاً من الثقة والرغبة الجيدة لدى الطرفين يمكن أن يحل المشكلة، لكّن هذه العوامل غير متوفرة، كما أنه من المشكوك فيه أن تتطور وإذا ما نجحت تلك المحاولات لفترة قصيرة فإن انفجاراً يودي بحياة طبيب أو ممرض إسرائيلي يكون كافياً لانهيار الوضع كله. ويشعر السكان اليهود في القدس منذ الآن بتهديد لحرية تنقل العرب في شوارع المدينة وساحاتها، وهم منذ زمن لا يجرؤون على قيام اتصالات عبر الخط الهاتفي ويتحفظون بشكل متزايد على خدمات الرفاه وتقاسم الموارد مع هؤلاء السكان. فهم يدركون أن إسرائيل إذا استمرت في هذه التوجهات فإنها ستجد نفسها مسئولة عن تمويل عملية الزيادة والنمو الديموجرافي للعرب في القدس، وهو الأمر الذي يشكل خطراً على إسرائيل وأكثر من أي خطر آخر على الصعيد السياسي. ولكن عندما يزداد ويترسخ موضوع الفصل على طول الحدو د بالشكل الذي نتوقعه ونعنيه هنا فإن القدس الموحدة لن تصبح فقط بوابة الدخول إلى إسرائيل لكل من لا يرغب الإسرائيليون بدخوله إليها (لأسباب العنف والعودة الزاحفة واستغلال خدمات الرفاه) وإنما تكون خط الصلة الأنية والمباشرة بين فئتي السكان، وبما أن هذه الصلة لا يتوقع لها أن تتسم بالدفء والتسامح والعون المتبادل ولذلك سيشعر اليهود سكان القدس بأنهم وحدهم الذين يدفعون ثمن هذا الوهم إزاء وحدة المدينة في ظل السيادة الإسرائيلية، وحيث أن معظم المساحة المطلوبة لليهود في منطقة القدس الكبرى خاضعة بطبيعة الحال لسيطرة سياسية وديموجرافية إسرائيلية.. فلن تكون لها أية فعالية أو دعم سياسي واسع من قبل السكان اليهود في البلاد عامة والقدس خاصة للمحافظة على هذا الوهم، وسيتعمق الاتجاه بالتخلي عن الوهم أكثر فاكثر مع اتضاح حقيقة أن العرب لا سيما المتطرفين منهم هم الذين سيقاتلون ويضحون من أجل القدس، لكي يكون بمقدورهم أن يفعلوا باليهود ما يرفضونه وبناء انفسهم على حساب إسرائيل اقتصادياً وديموجرافياً وسياسياً. والجمهور اليهودي عامة ويهود القدس بشكل خاص من المتوقع أن يختبروا مواقفهم تجاه إعادة توحيد المدينة مع إزدياد عملية تجنيس عرب القدس والأمر يتعلق بحوالي مائتي ألف عربي فلسطيني يحملون هويات إسرائيلية خاصة بالقدس الشرقية وهم ليسوا مواطني اسرائيل، وحوالي الثلث منهم لا يقطنون في القدس وحتى قيام السلطة الفلسطينية وعقد معاهدة السلام مع الأردن كانت إسرائيل هي التي تحاول من دون جدوى إقناعهم بالحصول على الجنسية الإسرائيلية. لكن بعد ذلك ومع زوال الخوف من أن تمنعهم الجنسية الإسرائيلية من دخول الأردن تزايدت الظاهرة بشكل كبير، وفور إقامة السلطة الفلسطينية أعلنت مصادر من داخلها عن تقديراتها بأن حوالي عشرة الآف عربي مقدسي طالبوا بالحصول على الجنسية الإسرائيلية. وأنه لمن الصعب بلورة تقديرات حول مدى هذه الظاهرة حتى نهاية التسعينيات. ونقل صحافي على جانب كبير من الثقة تقديرات مصادر تتحدث عن خمسة عشر الف طلب موجود في وزارة الداخلية الإسرائيلية مع أن المتحدث بأسم الوزارة ذكر 2133 حالة بين أعوام 1996-1998 (نصف الطلبات تم رفضها) وحوالي الألفين تجنسوا عامي 1994-1996. ولقد نجحت مؤخراً المساعي المشتركة لكل من إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية في التقليص من حجم الظاهرة، فالسلطة الفلسطينية ترى في تجنيس أبناء شعبها المقدسيين خيانة تشكل خطراً على مطالبتها القدس، وقد أصدر مفتي السلطة الشيخ عكرمة صبري فتوى شرعية تحظر ذلك وحمل وعاظ وخطباء المسجد الأقصى على كل من يقدم على التجنيس، بل أن بعضهم تعرض لتهديدات مباشرة. أما إسرائيل التي لم تعد بحاجة إلى تجنيسهم فقد وضعت شرطاً مسبقاً لهؤلاء باسقاط الجنسية الأردنية، وهنا يبدو بأن الأردن قد نسق مواقفه مع السلطة الفلسطينية وتوقف عن منح التنازل، والأمر كله معلق لدى المحكمة العليا. والقضية بالأساس تتعلق بدعم كبير من السكان الذين يتصفون بنسبة تكاثر طبيعي مرتفعة جداً. أي أن تجنيسهم من شأنه تغيير أساس التوازن السياسي في إسرائيل وصورة القدس في الشطر الغربي من المدينة. من جهة أخرى فان تغيراً في سياسة السلطة الفلسطينية واستخداماً أكثر تطوراً للموارد الديمجرافية، التي أثبتت جدواها كأداة ناجعة في الصراع الوطني الفلسطيني من شأنه أن يفرض على إسرائيل دفع الثمن مقابل الوهم الذي يسمى (وحدة القدس) وهو ثمن قومي لا يطاق- وعندما يصل إلى وعي الجمهور الإسرائيلي الخطر المرتبط بهذه القضية (ربما في أعقاب حكم المحكمة العليا بشأن التجنيس) فمن الأرجح أن يعيد هذا الجمهور النظر في مواقفه الازدواجية - وهو الحكم نفسه أزاء سكان القدس اليهود- الذين على ما يبدو يفضلون مدينة مقسمة وفق احتياجات إسرائيل على أن تكون مدينة مختلطة يقوم الفلسطينيون بتجسيد طابعها إلى حد ما. إن الرأي العام الإسرائيلي في موضوع القدس يمتاز بسلسلة مثيرة من التصلب العقائدي حيال مكانة المدينة المنشودة وبواقعية أمام تقدير الواقع وبمرونة براغماتية فيما يخص التسويات المطلوبة، ومثلما هو الحال في حالات أخرى تترك هذه الازدواجية مساحة مرنة لسياسة إبداعية عندما تنضج الظروف لذلك، وجاء في استطلاع خاص بفحص مواقف الجمهور في نهاية يناير 1999 مطالبة الأغلبية بالقدس عاصمة أبدية وغير مقسمة لدولة إسرائيل وبنسبة 84.2% (وهو أمر متوقع). وأعرب 28% عن موافقتهم بأن تكون الأماكن المقدسة للمسلمين غير خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ويقبل الربع ممن شملهم الاستطلاع بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية إذا كان هذا يزيح أخر عقبة في وجه السلام الحقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين. وحوالي النصف (45%) يرون القدس مقسمة فعلياً لمدينتين (شرقية وغربية) ومن هذا النصف هناك من يعتقدون بأن المدينة مقسمة بطبيعة الحال و40% يقبلون تقسيمها في إطار التسوية التي ذكرناها. ثلاثة محاور هنا أيضاً وكما الحال في معظم الاستطلاعات يتبين ان الاستعداد للتسوية متأثر بعامل التدين اكثر من أي عامل آخر، فقد عارض 58% من الذين يصفون انفسهم بالعلمانيين إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وفي صفوف المقترعين لباراك عارضها 46% فقط. وتأسيساً على هذا التحليل فإن حقيقة الفصل تبدو كنتيجة واضحة كما أنها محور الجهد القومي والموارد القومية على ثلاثة أصعدة: ـ أولا: تكريس الجهود الإسرائيلية في الظروف السياسية الراهنة للتمسك بالمناطق الأقل سكاناً والأكثر أهمية في ضواحي القدس كجبل أبو غنيم والبوابة الشرقية، وهناك جهد مطلوب لربطها بتجمعات السكان اليهودية في القدس الكبرى خاصة غفعات زئيف ومع اليه أدوميم. ـ ثانياً: بذل الجهود للحيلولة دون قيام أي توسع جغرافي للأحياء العربية بما يتجاوز المخطط القائم لنواة المنطقة العربية، حتى وأن كان ذلك على حساب تخفيف الرقابة على البناء والتكثيف الداخلي ضمن الحدود الديمجرافية العربية. كما ينبغي على واضع التخطيطات والتصاميم الإسرائيلي التفكير منذ اليوم وفق مفاهيم خطوط الفصل التي ستقام مستقبلاً، والتخطيط لتجمعات ديمجرافية يهودية في الأماكن العربية قليلة السكان- والتي من المتوقع أن تكون موضع خلاف عندما تأتي المرحلة التي تنضج فيها الظروف السياسية التي تسمح (بل تلزم) بإيجاد الحاجز الفاصل. ـ ثالثاً: المتابعة والمراقبة اليقظة لمنع نشوء أية نواة استيطانية عربية في احياء يهودية، وبأي ثمن وحتى لو كان الدافع العربي في بدايته ليس قومياً وإنما لاجل نوعية الحياة، ولهذا الأمر مخاطر جمة إذا نشأت هذه التجمعات حول نواة لفلسطينيين اصحاب الجنسية الإسرائيلية يجلسون على خط التماس الديمغرافي. وبناء على هذه الخلفية فقد بات من الواضح أنه لا جدوى من هدر الموارد القومية على محاولات لاقامة نقاط استيطانية يهودية غير ذات وزن ديمغرافي في قلب تجمعات عربية. ولكن ربما تكون هناك حالات استثنائية لضرورات محددة تندمج ضمن تخطيط أوسع يسمح بفرع أو سلسلة ديمجرافية في المكان الذي يتطلب ربطاً طبيعياً لتجمعات يهودية. وفي مناقشتنا للبعد الانفصالي للنزاع فإننا أمام صراع أبدي على مستوى عالٍ جداً من تفجر أعمال العنف والحروب من جهة وأمام اخوة الشعوب الطبيعية من جهة أخرى. وتقوم المعادلة في العلاقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إما على أساس تعاون مشترك إشكالي لكنه فاعل أو مواجهة وأحتكاك وقضم مستمر ومن الواضح وجود إمكانية لتحديد مفترقات ثانوية في نزاعات أكثر تعقيداً بنوع من التعاون الخفي أو العلني لأنه حتى في حالات العلاقات المتقاربة توجد عناصر التوتر والمنافسة والتعارض في المصالح بل وعناصر مواجهة أيضاً. وفي العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية تحديداً يمكن التأكيد على أن مركز الثقل في المدى المنظور سيكون أقرب للمواجهة منه إلى التعاون. ومع أنه من المناسب التحفظ إزاء هذه القضية إلا أن قواعدها قائمة كما أنه ليس من الضروري أن تكون المواجهة عنيفة دائماً فقد تلوح بعض حالات التعاون البسيطة هنا وهناك لكن الأمر يتعلق بالمخطط الاستراتيجي وصاحب القرار على المستوى السياسي. ومع أن الرؤية على المدى البعيد (عشرات الأعوام) تستوجب افتراض إحتمالية معقولة لحدوث تغيير على مركز الثقل لكن التقديرات تسير إلى أن المواجهة والانفصال المتواصل ستظل تميز هذه العلاقة بين الطرفين، وفيها عنصر تطوير للجانب الفلسطيني (على الرغم من أن الميل يتجه للتقليل من أهميته والشواهد تشير إلى أن على الخبراء والسياسيين إعادة النظر في تقديراتهم له). وهذا العنصر مرتبط بمصير لاجئي عام 1948 وتمسكهم «بحق العودة» إلى قراهم ومدنهم الأصلية داخل الخط الأخضر، وكذلك بالتزام القيادة الفلسطينية التي تبلورت في منظمة التحرير حول عرفات لتحقيق هذه المطالب. ويجب دراسة هذه العوامل القسرية الأساسية في ظل الظروف التي نشأت بعد أتفاق اوسلو وذلك على خلفية تأثير السياسة الإسرائيلية على ميزان القوى الداخلية في المجتمع الفلسطيني، لقد خرج في العامين 1947 و1948 من داخل مناطق الهدنة حوالي ستمائة وخمسين الف لاجئ وعددهم اليوم مع ذرياتهم حوالي ثلاثة ملايين (المسئول عن ملف اللاجئين في المنظمة أسعد عبد الرحمن يقول ان عدد لاجئي 48 مع نازحي 1967 هو ستة ملايين- الرسالة 30/7/1997. أما التقديرات الفلسطينية فتقول بأن عدد لاجئي 1948 مع ذرياتهم يصل إلى أكثر من 4.5 مليون نسمة - القدس 29/3/98). فعلى العلى الرغم من من مرور خمسين سنة على الحدث إلا أن قسماً كبيراً منهم يشعر ويتصرف كمن أستؤصل من مكانه كما أنه لا يستقر ولا يتجذر في موقع سكناه الحالي، ولا في أي مكان آخر، حتى وأن كانوا يسكنون بين أبناء شعبهم بل وأحياناً في ظل عائلاتهم الواسعة على بعد بضعة كيلومترات من قراهم الأصلية- لم يتم استيعابهم بشكل عام بين السكان المستقرين في الضفة والقطاع. والضفة تحوي عدداً أقل من اللاجئين الذين يسكنون المخيمات فقد تم استيعاب أكثرهم اقتصادياً إلا أن مسألة الاستيعاب ليست اقتصادية في أساسها. الغواة الصعبة مشكلة اللاجئين هي النواة الصعبة والحقيقية وذات الخصوصية، بمعزل عن التفسيرات الجزئية لهذه الظاهرة مثل إبقائها عصية على الحل ومواجهة إسرائيل والرأي العام الغربي بها على الدوام. والحقيقة الحاسمة تقول أن هؤلاء اللاجئين ظلوا متمسكين بخصوصية أوضاعهم وعلامات الأحساس بالشتات والحنين والفاعلية السياسية على خلاف ما يفعله عشرات ملايين اللاجئين والمطرودين في العالم كله، والذين ينشئون لأنفسهم حياة جديدة (على الرغم من المشاكلات التي بقيت هناك). والحركة الوطنية الفلسطينية منذ ظهورها في الستينات وحتى اتفاق اوسلو برزت قياداتها من صفوف لاجئي عام 1948، وتجنيد المقاتلين كان من بينهم أيضاً، وحتى أن حديث القيادات بأسم الشعب الفلسطيني كان يختص بالدرجة الأولى بلاجئي 1948 والمطالبة بحق العودة. لقد ظهرت حركة الكفاح المسلح الفلسطيني قبل حرب يونيو وكان هدفها الأساسي ليس تحرير الضفة الغربية وإنما (فلسطين) كلها- وإسرائيل ادركت من جانبها إنه لا توجد أية قاعدة للتسوية مع هذه القيادة التي تواصل السعي لتقويض أركان الدولة اليهودية فقامت إسرائيل لأعوام طويلة للبحث عن شريك آخر في البداية شريك أردني ومن ثم شريك فلسطيني كي لا يضع مطالب لاجئي عام 1948 في صميم أهدافه السياسية- هذا ما تضمنه برنامج رابين الانتخابي عام 1989 وظل متمسكاً بهذا المبدأ كما هو معروف حتى عام 1993م. وضمن اتفاقيات أوسلو وما تلاها من اتفاقيات حدث تطور وتغير انقلابي في سياسة حكومة إسرائيل، فهي لم تتوصل فقط إلى اتفاق مع الزعامة السياسية الفلسطينية (والتي تمثل بشكل أساسي لاجئي 1948 ومطالبهم بحق العودة) وارتبط مصير حكومة إسرائيل السياسي بنجاح هذه الاتفاقية، ذلك أنها لم تصر على أن تتخلى القيادة الفلسطينية عن المطالبة بحق العودة، كما اعترفت بشرعية مناقشة هذه القضية استعداداً للتسوية الدائمة (تحت عنوان «لاجئين» بمفهوم خاص للاجئي 1948). وقبلت إسرائيل بالدعوات الواضحة من جانب القيادة الفلسطينية (لحق العودة) الواسع إلى داخل إسرائيل بالإضافة إلى تربية منهجية مبرمجة للأجيال الشابة للمطالبة بحيفا وعكا ويافا. والمقابل الوحيد الذي طلبته إسرائيل هو تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني الذي تم (بيعه وترويجه) على أنه تنازل فلسطيني أربع مرات في أتفاقات مختلفة، ففي عام 1996 تم تنفيذ إجراء أفسد معنى التغيير المطلوب كما لم يمس إطلاقاً بقضية المطالبة (بحق العودة)- يشار هنا إلى أن رئيس المجلس الوطني الفلسطيني قد أوضح لأعضاء المجلس بأن «الأمر ليس تعديلاً للبنود التي يطلب تعديلها». وقبل أشهر من انعقاد المجلس الوطني كان رئيس الوزراء شمعون بيريس قد توصل إلى صيغة تلخيص مع أبي مازن (بواسطة يونيل زينفر) بأن يجري إلغاء الميثاق لكن أبا مازن أعلن قبل يومين من الاجتماع أنه ليس بوسعه الالتزام بذلك.