فجر اول قس مسيحي يخوض انتخابات مجلس الشعب المصري جدلا واسعاً حول اشتغال رجال الدين بالعمل الحزبي والسياسي، ورأى أنه لا يوجد ما يمنع من دخول معترك العمل السياسي رغم اعتقاده بضرورة ان يمارس الدين في المسجد أو الكنيسة. واكد القمص صليب متى ساويرس كاهن كنيسة مارجرجس بشبرا والذي يخوض الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب ان القساوسة والكهنة ليس ممنوعين من خوض الانتخابات بل هم الذين يمنعون انفسهم من دخولها! وقال في حوار مع «البيان» ان القضايا المصيرية واحدة، ولا فرق أو خلاف بين المسلمين والاقباط باعتبارهم اشقاء في جماعة وطنية واحدة. وكشف القمص بولس باسيلي عن قيام الشبان المسلمين في حي شبرا بقيادة حملته الانتخابية ومنهما رجال الاعمال بخلق طبقة من ارزقية الانتخابات، بسبب ضعف الاحزاب. تاليا نص الحوار: في البداية سألناه عن الضجة التي صحبت تصريح البابا شنودة بطريرك الكرازة المرقسية له بدخول الانتخابات وعما اذا كانت هناك موانع سابقة امام دخول رجال الدين المسيحي للانتخابات العامة وان كان هو استثناء من هذه الموانع فأجاب: ـ لم تكن هناك أي موانع أمام رجال الدين المسيحي في دخول الانتخابات ولكن لم يتقدم أحد لدخولها حتى نقول انه قدم تم منعه من دخولها كما أن القمص بولس باسيلي دخل مجلس الشعب في انتخابات عام 1971. ـ لكن ألا ترى أن المسافة طويلة جدا بين عامي 1971 وعام 2001 خاصة أن البعض اعتقد بتصريح البابا لكم بدخول الانتخابات أنك أول رجل دين مسيحي يخوض الانتخابات؟! ـ نعم المسافة طويلة ولكن خلالها لم يتقدم أحد بطلب التصريح له بدخول الانتخابات، أما أنا فتقدمت للبابا فوافق وبارك ترشيحي لذلك أنا لم أكن استثناء، كما أنني سبق وأن خضت انتخابات عام 95 ولكنني لم أوفق فيها. ـ لكنك لم تدخل الانتخابات الأخيرة في عام 2000؟ ـ كانت هناك ظروف صحية تمنعني من دخولها. ـ هل يمكن أن يمتنع البابا عن السماح لأحد رجال الدين المسيحي من دخول الانتخابات؟ ـ هذه يسأل فيها البابا ولكن أريد أن أقول انه لا يستطيع أحد رجال الدين المسيحي خوض الانتخابات دون أذن من البابا والبابا لديه قناعة بأن كل الناس يجب أن تشارك في العمل السياسي والعمل العام . ـ ماذا يحمل برنامجك الانتخابي لناخبيك؟ ـ بالنسبة للقضايا العامة فأنا أعتقد أن هناك تشريعات تحتاج لاعادة النظر فيها للتخفيف من معاناة المواطنين وأرى أن أعضاء مجلس الشعب يجب أن يتحركوا في اتجاه البحث في هذه التشريعات والتي عمل بها في مصر منذ أزمان طويلة وذلك لاعادة النظر فيها بما يتماشي والتغيرات الجارية في المجتمع ومن ذلك قانون الجمعيات الاهلية وقانون تنظيم أعمال السجون الذي تعمل به مصر منذ عام 1956 ولم يتم الاقتراب منه طوال هذه السنين. وبالنسبة لدائرتي في شبرا فأنا أسعى لاقامة ناد كبير لشباب المنطقة ومدرسة صناعية لتخريج مهارات تتناسب مع متطلباتها ومقتضيات العصر وتطوير بعض المناطق العشوائية بها. ـ منذ متى وأنت تشارك في العمل الاجتماعي والسياسي؟ ـ أنا أول من أقمت مأدبة افطار في مصر كلها في أكتوبر عام 69 وكانت تجمعا كبيرا للمسلمين والمسيحيين ثم انتقلت الى مصر كلها كما انني دخلت الانتخابات من قبل أن أكون كاهنا ومنذ أن كنت أرتدي القميص والبنطلون حيث كنت عضوا في الاتحاد الاشتراكي وأمين شياخة في تنظيماته الثلاثة ورئيس لجنة الشئون الدينية على مستوى قسم شبرا به وكنت عضوا بمنظمة الشباب كما أنني شاركت في حرب الاستنزاف. ـ وهل تنتمي الآن لأي حزب سياسي؟ ـ لا أنا أدخل هذه الانتخابات مستقلا وأرى أن النظرة يجب أن تكون للمصريين بصفة عامة بصرف النظر عن أي انتماءات سياسية أو عقائدية. ـ وهل ترى أن هناك تعارضا بين عمل رجل الدين والانتماء السياسي؟ ـ لا.. لا أرى هذا التعارض فرجل الدين عمله في الأساس سياسي وأنه يكون الأقدر على معرفة مشاكل الناس وفهمها والسعي لحلها ذلك أنهم يعبرون له عن هذه المشكلات بكل صراحة وشفافية وهو يقوم بحلها دون مقابل أو مأرب وهو يعرف كيف يحل مشاكل الشعب الروحية والجسدية ايضا فماذا يحدث لو انه تصدى لحل مشاكل الشعب بشكل عام. ـ ومارأيك في الدعوة للفصل بين الدين والسياسة؟ ـ أنا أرى أن الدين يكون في الكنيسة أو المسجد ولكن رجل الدين هو واحد من الشعب ويؤدي خدمة عامة ولا يوجد مانع في أن يخوض رجال الدين المعترك السياسي لأن السياسة هي أيضا خدمة عامة وكما قلت لك فرجال الدين أقدر على معرفة متطلبا ت الناس دون نفاق أو تملق. ـ وكيف ترى مشاركة الأقباط في الحياة السياسية؟ ـ الحقيقة أن هذا الأمر كان أحد دوافعي لخوض الانتخابات ذلك أن المسيحيين متهمون بالسلبية في المشاركة السياسية وأنا أردت أن أوصل رسالة بأن أحد رجال الدين المسيحي يخوض الانتخابات وانه لا توجد مشكلة في ذلك. ـ وماذا عن الدوافع الأخرى لخوضك الانتخابات؟ ـ من دوافعي الأخرى ايضا الاشراف القضائي على الانتخابات الاخيرة بعكس انتخابات عام 95 وهو ما جعل الانتخابات الاخيرة نزيهة في رأيي الى جانب أنني أردت أن أقدم ردا عمليا على دعاوى اضطهاد الأقباط التي تثار في الخارج. لكن رغم الاشراف القضائي على الانتخابات الاخيرة الا أن هناك مآخذ كثيرة على العملية الانتخابية تحول دون اطلاق صفة النزاهة عليها! حتى لو لم يكن النجاح بنسبة مئة في المئة في هذه الانتخابات فإنها كانت خطوة جيدة على الطريق السليم. ـ وماذا عن تجربتك في انتخابات مجلس الشعب عام 95؟ ـ الحقيقة أنها كانت تجربة مريرة وكنت الأول على 18 مرشحا وخضت جولة الاعادة وأخبروني في البداية بأنني نجحت ثم عادوا وأعلنوا رسوبي في الانتخابات. ـ كيف ترى الحياة السياسية في مصر الآن؟ ـ الحقيقة أن الأحزاب السياسية تحتاج الى تنشيط نفسها وأن يكون لها دورها الفعال بين الجماهير. لكن هذه الأحزاب تواجه باجراءات تحاصرها داخل مقارها. الأحزاب تستطيع أن تتفاعل مع الناس بأشكال عديدة وأنا اعتقد أن الدولة تشجع أي عمل جيد بشرط ألا يخرج عن الشرعية. ـ ظاهرة الأموال كان لها تأثير واضح في الانتخابات العامة التي جرت في مصر في الفترة الاخيرة.. كيف تقيم هذه الظاهرة؟ ـ للأسف أن بعض رجال الأعمال الذين دخلوا الانتخابات بصفة عامة أساءوا استخدام الأموال فيها حتى أنهم خلقوا طبقة نسميها (أرزقية الانتخابات) ولكن نحمد الله أن هذه الطبقة غير موجودة في دائرتنا بشبرا. ـ وهل صادفت أي عقبات في فترة ترشيحك في الانتخابات المقبلة خاصة وانك مرشح مستقل ولست مرشحا للحزب الوطني؟ ـ الحقيقة أن العقبات جاءت من المرشحين المنافسين عن طريق الطعون التي يتم تقديمها ضدي. ـ وعلى أي أساس تقدم هذه الطعون؟ ـ على أساس (الصفة) لأن المقعد الذي تتنافس عليه هو مقعد العمال. ـ هل يحمل مشروعك الانتخابي أفكارا عن قضايا عربية؟ ـ بالتأكيد فأنا أرى أن الشعب الفلسطيني يحتاج دعما كبيرا في ظل المعاناة التي يعيشها تحت العدوان الاسرائيلي المستمر وأعتقد أن الدول العربية تحتاج لأن يكون لها دور فاعل في مساعدة الشعب الفلسطيني، لكنني أرى أيضا أن القضية الفلسطينية ليست وحدها هي كل قضية العرب فهناك أيضا الحصار المفروض على الشعب العراقي وأنا عضو في الوفد الشعبي المصري لمناصرة العراق وكنت في أول طائرة مصرية تنزل بالعراق وأرى ضرورة العمل لرفع الحصار عن الشعب العراقي وأن يعمل العرب على تشكيل قوة ضغط ولوبي داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية لاثارة قضاياهم و حقوقهم في مواجهة اللوبي اليهودي. ـ بين الحين والآخر يثير البعض حملات ضد مصر بدعوى اضطهاد الأقباط فيها كيف ترى هذه الحملات؟ ـ أود أن أؤكد لك في البداية أن الأقباط في الخارج ليسوا وراء هذه الحملات وانما وراء أهداف ودوافع سياسية لجهات أجنبية تستهدف بث الفرقة بين الشعب المصري. أما الأقباط في المهجر والمصريون بشكل عام فهم وطنيون وكون أن هناك حملات اعلامية ضد مصر فلا أعتقد أن مصريا يهاجر ويكدح يمكن أن يدفع مليما واحدا في اعلانات ضد بلاده وهذا ما يؤكد أن هناك قوى لا تريد الخير في مصر ولأهلها ولعلك تلاحظ أن هذه الحملات تسبق دائما زيارة الرئيس مبارك للولايات المتحدة بمايعني محاولات ضغط لإثنائه عن دعم القضايا العربية، وكل هذا لا يمنع أن هناك قلة قليلة جدا من المصريين تساير هذه الحملات. ـ وما رأيك في لجنة الحريات الدينية التي زارت مصر مؤخرا؟ ـ نحن نرفض أي تدخل خارجي في شئون مصر وأن كان هناك قضايا خلافية فنحن قادرون على حلها بين بعضنا البعض والقضايا المصرية لا يستثنى فيها مسلم ومسيحي فكلنا نعيش في ظروف اجتماعية واقتصادية واحدة. ـ لكن البابا شنودة تراجع عن اعلانه عدم مقابلة هذه اللجنة؟ ـ هذا الأمر يسأل فيه البابا نفسه، لكن رأيي الشخصي هو اننا في مصر شعب مضياف ولا نخشى من مقابلة أحد ونرفض عرض مشكلاتنا على أحد وأنا أذكر أن الانبا مرقص سئل مرة ماذا يريد أن يبلغ للرئيس بوش: فقال لمن سألوه قولوا للرئيس بوش عندما يأتيك الرئيس مبارك فأشكره على ما يتمتع به الأقباط في مصر. ـ كيف استقبل المسلمون والمسيحيون بالدائرة هذا الترشيح؟ ـ الحقيقة أن حملتي الانتخابية يقودها مسلمون بالدائرة وعلى رأسهم الحاج عمر ويتم كل ذلك بدون حساسيات وأعتقد أن تعاطف المسلمين معي بالدائرة أكثر من تعاطفهم مع أي مرشح آخر. فالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين عندنا جيدة وأنا أذكر انني في أحداث الزاوية الحمراء وكانت قريبة جدا منا في اوائل الثمانينيات أكدت للجميع أنني مسئول عن كل مسلم ومسيحي بالمنطقة وأن المسلمين كذلك مسئولون عنا ووقفنا جميعا يدا واحدة حتى لا تصل الأحداث الينا. ـ وهل تتلقى دعما من الكنيسة أو الجمعيات الأهلية التي ترأسها؟ ـ الجمعيات والكنيسة لا يتدخلون في السياسة وأنا لا أدير معركتي الانتخابية من الجمعية أو الكنيسة ولكن من مقر انتخابي خاص بي مثلي مثل أي مرشح آخر. ـ وكيف ترى المنافسة في هذه الانتخابات؟ ـ هناك 17 مرشحا على مقعد العمال الذي خلا بوفاة الأستاذ يوسف حموده وكلنا أخوة متحابين. ـ هل يمكن أن تنضم لأي حزب اذا قدر لك الفوز في الانتخابات ودخول مجلس الشعب؟ ـ أعتقد أن هذا الأمر يمكن تركه لما بعد الانتخابات ولكن أنا أرى أن جميع الأحزاب تعمل لخدمة مصر. ـ لكن بعض المرشحين الناجحين في الانتخابات الاخيرة سارعوا للانضمام للحزب الوطني بعد فوزهم رغم ان الناخبين اختاروهم على أساس انهم مستقلون.. الا ترى أن هذا الأمر يتنافى ولو أخلاقيا مع التزام المرشحين؟ ـ في معظم الأحيان الناخب المصري لا يختار المرشح لكونه يتبع حزب كذا أو كذا من الأحزاب لكنه يختاره لشخصه والدليل سقوط رموز لأحزاب كبيرة في الانتخابات الأخيرة وأعتقد أن الامر الذي تتحدث عنه يؤكد اننا الآن في مصر لم نصل بالهوية الحزبية الى ما كانت عليه قبل ثورة يوليو حيث كانوا يقولون ان حزب الوفد لو رشح حجرا لانتخبه الناس وأعتقد أن هذا ناتج عن العصور الشمولية التي عشنا فيها. ـ أنت عشت في عصور سياسية ثلاثة.. كيف ترى الفارق بينها؟ ـ أنا من جيل ثورة يوليو 1952 وأعتقد أن لكل نظام حكم ايجابياته وسلبياته ورغم سلبيات الثورة فلا يمكن إنكار انجازات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر على المستويات الداخلية والعربية والاقليمية والدولية وكذلك الأمر بالنسبة للرئيس السادات والرئيس مبارك تسلم البلاد في ظروف صعبة فأعاد تنظيمها مرة أخرى ونذكر له انجازاته في الداخل والخارج واعادته مصر للصف العربي مرة أخرى. القاهرة ـ حوار محيى الدين سعيد: