العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والكيان الفلسطيني يجب مناقشتها كموضوع أساسي، وحتى لو أخذنا التقديرات التي ذكرناها في السابق بتوسع بأن حدوداً مفتوحة واندماجاً اقتصادياً ليسا مجديين لإسرائيل، بل يلحقان الضرر بها وبمصالحها الوطنية (من خلال تشجيع «عودة» زاحفة للفلسطينيين داخل دولة إسرائيل). ويمكن القول ان لإسرئيل مصلحة سياسية في منع بطالة واسعة في صفوف الفلسطينيين وخلق اقتصاد ثابت مستقر لهم بل وربما تحقيق الازدهار الاقتصادي لديهم، وإذا كان الأمر، كذلك فإنه من الأفضل لإسرائيل البحث عن أساليب لتحقيق هذا الأمر مثل إنشاء التجمعات الصناعية على حدود الكيان الفلسطيني أو نقل العمل داخل أراضيها بطريقة تضمن الازدهار الاقتصادي حتى عندما تكون الحدود مغلقة ضمن إطار مفهوم منفصل. وهذا الوضع يمكن أن تقبله إسرائيل فهو من جهة يمنع الحدود المغلقة ويشدد الرقابة على تحرك الفلسطينيين باتجاه إسرائيل، ويدخل الأقطار الأخرى المحيطة في المستقبل مما يؤدي إلى التطور الاقتصادي الذي يؤدي بدوره إلى تخفيف حدة التوترات السياسية ولربما يقضى على شوكة الكراهية. فالبطالة والكساد الاقتصادي ينشطان التطرف ويشكلان واقعاً للصراع ضد إسرائيل، وهذا المفهوم سواء أكان بفصل أو بدون فصل فهو مقبول لدى الجميع في إسرائيل تقريباً من اليمين واليسار وقد آن الآوان لدراسته بجدية. وتستوجب الدراسة معرفة النتائج المتوقعة لارتفاع مستوى الحياة في الكيان الفلسطيني عن غيره من التجمعات الأخرى، واستيضاح فاعلية جذب الكيان الفلسطيني المستقر لأعداد واسعة من الفلسطينيين القاطنين في الدول العربية، كما هو مثلاً حال ألوف الفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان في ظل أوضاع قاسية، ونظام الحكم في لبنان واللبنانيون يرحبون برحيل هؤلاء عن أرض لبنان. فإذا ارتفع مستوى الحياة في الكيان الفلسطيني ـ حتى كما هو مقبول في الأردن ـ فان هجرة نحو الغرب من شأنها أن تشمل الكثير من سكان فلسطين واعدادهم بالملايين. ومن المناسب هنا التذكير بأنه على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة في أراضي السلطة الفلسطينية إلا أنه وصلها في غضون الأعوام الخمسة الأولى لوصول عرفات إلى غزة حوالي مئتي ألف شخص، سواء أكان ذلك بموافقة إسرائيل أو بطريق الدخول غير القانوني. وعلى هذا الأساس وبتحقيق التطور الاقتصادي يمكن ان تصبح الهجرة إلى الكيان الفلسطيني ظاهرة بارزة تصل بسرعة فائقة إلى مئات الألوف وخلال مدة طويلة من الزمن إلى ملايين. فما دامت أموال النفط في الخليج قد جلبت أعداداً كبيرة من الفلسطينيين فأنه لا يوجد أي سبب للاعتقاد بأن الاعتبارات الاقتصادية ـ حتى لو كانت أقل أثارة في إغراءاتها ـ لن تؤدي إلى العودة لفلسطين وحتى لو لم يكن الأمر يتعلق في هذه المرحلة (بعودة فعلية) إلى المدن والقرى الأصلية. مخاطر العودة الزاحفة ينبغي على إسرائيل أن تسأل نفسها إذا كانت فعلاً مهتمة بسكان الضفة الغربية وقطاع غزة، هذه المسألة ستكون تأثيراتها ثانوية إذا كانت إسرائيل حازمة في رأيها حيال إدخال تعديلات فعلية على حدود 1967: أي إنشاء حزام أمني في منطقة غور الأردن وإيجاد تجمعات استيطانية في (يهودا والسامرة) (كتلة ارييل، جوش عتسيون وما إلى ذلك) والسيطرة على منطقة واسعة في القدس (بما في ذلك معاليه ادوميم وجفعات زئيف واخرى غيرها) وفي هذه الحالة ستنشأ بالتدريج في المناطق التي تبقى بحوزة الفلسطينيين خطوط ديموجرافية تتفجر بين حين وآخر في وجه إسرائيل إن عاجلاً أو آجلاً. وأن هذا الانفجار متوقع حتى بوجود الفصل فكيف إذا كانت الحدود مفتوحة. وفي حال تحقيق الازدهار الاقتصادي في الضفة الغربية ووجود حدود مفتوحة ستنشأ عملية هجرة واسعة من العالم العربي إلى الكيان الفلسطيني بموازاة (عودة زاحفة) إلى داخل إسرائيل، وفي حال وجود الفصل بالامكان إلى حد ما منع الخطر الثاني، غير أن تراكم الضغط الديموجرافي سيكون شديداً في مناطق الكيان الفلسطيني ـ وحتى بدون إجراءات تغييرات حدودية على حدود عام 1967 ستظهر هذه الضغوط مما يسارع في إيجاد أعباء على النظام البيئي والاقتصادي والسياسي لن يكون بالامكان تحملها: وفي الحالة المتوقعة إذا تم إدخال تعديلات على هذه الحدود فإن عملية الانفجار قد تسبقها وتظهر قبلها. والإشارة إلى هذا الخطر ليست مرهونة بالمحاولة الإسرائيلية التي لا تطاق من الناحية القيمية والسياسية لإفشال عملية التطور الاقتصادي داخل الكيان الفلسطيني. ومع ذلك فإنه من المناسب أن نسأل عما إذا كان ينبغي على إسرائيل الدخول في جهود مركزة مع الدخول في مجازفات خطيرة من أجل دفع اتجاه من شأنه أن يشكل خطراً عليها ويضعها أمام تحديات ديموجرافية وسياسية سيكون من الصعب مواجهتها.وإذا ما تم اتخاذ قرار إيجابي في هذا الشأن على الرغم من المخاطر التي تصيب المصالح المركزية الإسرائيلية فإن الأمر سوف يبرهن على تناقض يتمثل في أن إسرائيل أخذت على عاتقها مسئولية رفاه الفلسطينيين دونما أية حاجة موضوعية لذلك، بل أنها أيضاً عملت ضد مصلحتها وإلى درجة التشويه الكامل للاعتبارات التي توجه أولوياتها الوطنية، فالمجموعة السكانية البالغ عددها ثلاثة ملايين نسمة ذات تكاثر طبيعي بأعلى مما هو لديها. كما أن لها احتياجات تلزم التسوية إسرائيل بمواجهتها.وأحياناً على حساب مصالح مهمة لإسرائيل مثل المياه. ولذلك ينبغي التفكير ملياً قبل أن تقدم إسرائيل على مبادرة تمويل وحمل العبء السياسي والتاريخي لعملية ستؤدي دون شك إلى زيادة عدد هؤلاء السكان بما هو أكبر بكثير من معدل التكاثر الطبيعي. مواجهة الدولة الفلسطينية موضوع الفصل مرتبط بشكل وثيق بموضوع الدولة الفلسطينية، خاصة وأن المعارضين لأقامتها يخشون من أن تجعل سياسة الفصل قيامها أمراً واقعاً، ولمواجهة هذا الطرح من الأهمية بمكان مناقشة مسألة الدولة الفلسطينية ضمن تصور مناسب يتم فيه إعطاء قيمة خاصة للاعتراف التحليلي (عدا عن السياسي) لمدى قوة العملية التي تقود إلى دولة فلسطينية. وإزاء ما يتعلق بتعريف الكيان الفلسطيني (كدولة) تم خلال الأونة الأخيرة تكريس اهتمام كبير ووزن سياسي أكثر مما تستحق من أهمية على الصعيد العملي. وكل تحليل سياسي غير منحاز للواقع الذي تبلور منذ اتفاقيات اوسلو سوف يؤدي بالتأكيد وبالضرورة إلى استنتاج مفاده بأن دولة من هذا النوع ستكون تابعة سلباً أو إيجاباً للنتائج غير العكسية لهذه الاتفاقيات. ومن الناحية الواقعية أقيمت دولة في أوسلو والقاهرة وطابا بواسطة واضعي اتفاق اوسلو ونشأت بشكل جنيني بعض خصائص هذه الدولة، ولكنها من الناحية العامة باتت حقيقة واقعة وعملية استكمالها حتى سقف معين جارية ولا حاجة لمواجهتها. (وإسرائيل قادرة إلى حد كبير على التدخل والاملاء في عملية استكمال هذه الدولة) وبالطبع ليس هناك من ضرورة أو جدوى لتشويه موارد سياسية ثمينة في الصراع ضد حقيقة قيام هذه الدولة، بمعنى أنه لا فائدة من التفكير بالقيود التي ستفرض عليها والمقابل الذي بوسع إسرائيل المطالبة به لأجل القبول بها سياسياً، وفي ظروف معينة الاعتراف بها أيضاً. ومن الناحية الواقعية هناك اعتراف بهذا الواقع من صناع القرار في الحكومة الإسرائيلية التي شكلها اليمين عام 1996، أي أن نتانياهو ذاته قبل علناً في مايو 1997 مشروعاً للتسوية الدائمة ـ يعطي الفلسطينيين السيطرة على المناطق المأهولة في الضفة الغربية وبنسبة 40% بما يعني ضمناً القبول بقيام كيان اقليمي فلسطيني والإشارة بوضوح إلى أن واقع أمن إسرائيل يسمح بتحويل مناطق أخرى للسيطرة الفلسطينية. وبذلك تأثرت الخريطة (خريطة المصالح) التي أعدتها شعبة التخطيط في جيش الدفاع وتم اطلاع كلينتون عليها عام 1997 فخريطة نتانياهو قائمة على أساس التمسك الإسرائيلي بمناطق غور الأردن وصحراء يهودا وتوسيع القدس والممر المؤدي إليها وإضافة كتل استيطانية وضم مناطق أخرى غربي «السامرة ويهودا» حسب تسمياتهم المزعومة إلى إسرائيل. لقد جاء في مقالة نشرتها صحيفة «هاآرتس» بأنه بالامكان من خلال النظر إلى مشروع نتانياهو (ملاحظة وجود تغير جوهري في قلب عقيدة اليمين)، وتضيف أيضاً ان المشروع لا يسقط الدولة الفلسطينية من الاعتبار، ويشتمل على تنازلات عن المستوطنات البعيدة والمعزولة كما يحدد الحدود «وفقاً للاحتياجات الأمنية وليس بناء لتطلعات تاريخية أو عقائدية». وتستخلص المقالة أنه بالرغم من الأمور التي يثيرها المشروع للفلسطينيين إلا أنه يشكل مخرجاً عملياً من شأنه تشكيل قاعدة للمفاوضات حول الحل الدائم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن د.أحمد الطيبي اعترض على مشروع نتانياهو بينما التزم رجال السلطة الفلسطينية الحذر في تعقيباتهم عليه، قال الطيبي أن المشروع هو محاولة لتحقيق حلم نتانياهو بتحويل الضفة إلى كانتونات، بل وصف المشروع بأنه (عملية استمناء سياسي) وأن الرسالة التي توجهها إسرائيل للفلسطينيين تقول بأن المفاوضات لا جدوى منها أي أن على الفلسطينيين البحث عن طرق أخرى للحصول على حقوقهم. وأضاف بأن حكومة العمل (بيريز ورابين) كان لديها الاستعداد لإعادة 90% من مساحة الضفة للفلسطينيين. ويبدو بأنه في المواقف الجادة والحاسمة لا فرق في الواقع بين حزب العمل ونتانياهو. فشلومو بن عامي يقول: «الحركة التصحيحية ماتت، وتقوم بعملية الاحياء من خلال تقمص روح العمل، فهناك حديث عن مشروع آلون ونتانياهو يتحدث عن آلون زائد». وهذا تبرير وتقديس للانفصال عن المناطق، إنه يتبنى مبدأ الفصل فهو يعترف بدولة فلسطينية ويدعو هنا للاعتراف ويسميه (بورتوريكو) ـ وبذلك يبقى حزب العمل بدون عقيدة مميزة لأنها صودرت من قبل نتانياهو». ويتحدث برنامج حركة ميرتس الانتخابي عام 1999 هو الآخر فيقول «بتوقيعهم على اتفاق واي اعترفوا هم في الليكود أيضاً وسائر الكتل الائتلافية بتقسيم أرض إسرائيل. وظل اليمين الخلاصي فقط خارج دائرة الاجماع القومي بهذا الشأن». وفي نوفمبر 1996 أوضح بنيامين نتانياهو بأن هناك اتفاقاً قومياً يشمل قطاعاً واسعاً من الجمهورالإسرائيلي وهو من بينهم على إعطاء المجال للفلسطينيين (للاستقلال بدرجة لا يستهان بها). كما وصف القيود التي يمكن فرضها على هذا الكيان، الذي لا يريد أن يسميه دولة ـ فيما يتعلق بالمجالات الأمنية التي تجعل الصلاحيات العليا بيد إسرائيل وتمنع الفلسطينيين من التسلح أو تشكيل تهديدات ديموجرافية أمام إسرائيل وغيرها. أما شارون فقد أوضح في نوفمبر عام 1999 بأنه في الواقع قد قبل (بالكيان الفلسطيني) بسيادة محدودة شريطة مراقبة إسرائيل للحدود والتحكم بالمجال الجوي وفرض قيود مشددة جداً على التسليح. وفي حال قيام هذا (الكيان) باتفاق مع إسرائيل (وليس من جانب واحد) فهم أحرار في تسميته. وقد عقب وزير الدفاع موشي ارينز في مايو 1999 على موضوع استعداده لتسوية اقليمية فقال انه (لم يكن في يوم من الأيام صاحب فكرة أرض إسرائيل الكاملة) وإعاد إلى الأذهان تأييده للانسحاب من غزة أيام حكومة شامير. وعندما سئل عن رفضه للسيادة الفلسطينية على ضوء مخاوفه من إمكانية شمول عرب كثيرين في بطاقة الناخبين وانصراف الأردن عن المطالبة بالسيادة أجاب: «صحيح وهذا أمر بديهي، عدم وجود فراغ في السيادة وسوف نهتم بأن تكون سيطرة الفلسطينيين في هذه المناطق محدودة وخاصة عدم تمكين الجيش العراقي من الدخول إلى هذه المناطق. وفي أكتوبر عام 1996 أعرب باراك عن معارضته لدولة فلسطينية ذات سيادة اعتماداً على الاعتبارات نفسها إذ قال: ان الدولة الفلسطينية سوف تشكل تعقيدات بالنسبة لشروط الاتفاق ولن تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل إلا أنها سوف تفرز واقعاً انفصالياً، كما تنشأ عنها مشكلات أخرى أكثر تعقيداً، موضوع العاصمة مثلاً، فإذا كانت هناك دولة ذات سيادة بالكامل فان موضوع العاصمة يصبح أمراً معقداً جداً وينطوي على الكثير من الاشكالات، وإذا كانت هناك دولة ذات سيادة فأنه سيكون من الصعب مطالبتها بألا تملك صواريخ أرض جو، ولكن إذا أصبحت دولة من هذا النوع وبحوزتها بطاريات صواريخ حديثة وتنشرها على التلال فوق جنين أو تلك المحيطة بمنطقة اللطرون فانه لن يكون بمقدور أية طائرة في إسرائيل الإقلاع من المطارات الرئيسية لسلاح الجو والتي تكون مكشوفة من اللحظة التي ترتفع فيها إلى مستوى الأشجار، وهناك مسائل أخرى من مثل: أين يحلق سلاح جو هذه الدولة وأين تنتشر فرقها المدرعة؟ من هنا فإن موضوع دولتين لشعبين أمر ليس بهذه البساطة، أي أن دولتين فعليتيين غربي النهر مشكلة، وأن مطالبنا يجب أن تركز على كيان فلسطيني وهو أقل من الدولة. فيما بعد أعرب باراك عن أمله في قيام علاقة كونفيدرالية بين الكيان الفلسطيني والأردن، مما يجعل المشكلات السابقة قابلة للحل، كما أكد على ضرورة إصرار إسرائيل على عدم (التطبيق الكبير) لحق العودة إلى مناطق هذا الكيان، ومعروف أن أفكاره قد تغيرت بعد ذلك، وقبل بدولة فلسطينية ذات سيادة واسعة. أربعة مجالات جميع المتنافسين على زعامة الليكود وكتلة اليمين سلّموا بعملية التقسيم هذه قبل اتفاق اوسلو أو بعده، كما أنهم يبنون استراتيجيتهم السياسية على ما خلفه نتانياهو من ميراث على هذا الصعيد ـ بدءاً بالانسحاب من الخليل ومروراً باتفاق واي وحتى مشروع نتانياهو ومبدأ آلون زائد إجراءات نتانياهو بمشاركة شارون بدفع من مائير شطريت تتفق مع توجه ايهود أولمرت في مجال الاتفاق القومي وسط المنطقة السياسية، فالذي فعله نتانياهو عملياً هو منع كتلة اليمين بقيادة الليكود من طرح برنامج يختلف في خصائصه عن التسوية الاقليمية بعيدة المدى والاستعداد لتقسيم البلاد بين دولة يهودية وكيان فلسطيني سياسي. وحزب التجمع الوطني الذي طرح في انتخابات 1999 البرامج الواضحة لليمين التاريخي صار على هامش الساحة السياسية وزعيمه بيني بيجن انسحب من الكنيست موضحاً بأنه غير قادر على أن يكون ممثل جمهور بلا جمهور كبير من المؤيدين لخطه السياسي. وبالنسبة لإسرائيل لا يوجد خطر مضاف إلى ما أفرزه بطبيعة الحال اتفاق اوسلو، وحقيقة إنشاء كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت اسم (دولة) أمر خاضع لنجاح إسرائيل في املاء شروطها على هذا الكيان وهي في مجالات أربعة: الحدود والتي تختلف عن حدود عام 1967 بشكل كبير، والقيود المشددة فيما يتعلق بحياة هذا الكيان العسكرية والمدنية، والقيود المشددة أيضاً على اتصالات هذا الكيان وارتباطاته بأحلاف استراتيجية مع أطراف معادية لإسرائيل، وأخيراً تلك المتعلقة بالرفض المطلق لكل طلب فلسطيني يتعدى الحدود المرسومة لهذا الكيان ويدخل في مجال إسرائيل. وهذا الأمر حازم من جانب إسرائيل ومدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن إسرائيل ملزمة بفرض التخلي عن أية مطالب لهذا الكيان بدءاً بحق العودة (حتى ضمن غطاء شمل العائلات) أو المطالبة بحقوق العمل أو خدمات الرفاه والبيئة.ورفض إسرائيل القاطع لحق الفلسطينيين في إنشاء دولة يشكل نقطة من شأنها أن تكون أداة تكتيكية ناجعة، كما أنها تخفف على إسرائيل ضغط المساومة في أثناء المسيرة تجاه هذه المطالب، وربما أيضاً باعترافها الرسمي بهذه الدولة وكذلك أمر تنفيذ المطالب أو معظمها على الأقل. إن الخطر الأكبر المحدق بإسرائيل هو في المجال الديموجرافي بأبعاده القومية والسياسية، وهو اخطر بكثير من قضية الحدود المفتوحة وحركة التنقل بينها وبين أراضي السلطة الفلسطينية. والمخاطر الديموجرافية تتمثل في الدمج بين الاعتبارات على صعيد مستوى الحياة ونوعيتها من اجل المصحلة الشخصية للأفراد الذين يقومون بها من جهة وبين الأهداف القومية الفلسطينية التي تخدمها من الجهة الأخرى. وهناك ثلاثة أمور تجعل عملية مواجهة هذه القضية صعبة وهي: أولاً: مصالح اقتصادية مضمونة لجهات إسرائيلية. ثانيا: العوامل الرادعة لأية سلطة وخاصة الديموقراطية منها عن مواجهة الأخطار على المدى القريب والبعيد في الوقت الذي يكون فيه ثمن الموا جهة (الاقتصادي والسياسي) مطلوب. ثالثاً: الاعتبارات الانتخابية التي تمنع إلى حد ما القدرة على التصرف في هذا المجال، فالتأثيرات المتوازنة للانتخابات تشكل عاملاً مهماً في مواجهة هذه الأخطار جميعاً إذ أن صناع القرار مهتمون بالمؤثرات الانتخابية والمرهونة بأمرين هما حرية وحركة الفلسطينيين داخل إسرائيل، والعنف الذي يلحق الضرر بنوعية الحياة لدى الإسرائيليين. وسنبدأ هنا باستعراض المخاطر ومن ثم مناقشة المعوقات التي تحول دون التغلب عليها وأخيراً ضرورات التغيير في السياسات الحكومية كنتيجة لفهم الحكومة للأخطار واستعدادها للمواجهة قبل فوات الأوان. ونبدأ بتوضيح الاندماج ـ الذي سبق الحديث عنه ـ بين الاعتبارات الاقتصادية للفرد الفلسطيني وبين الاعتبار القومي للمجموع كله. والخطر عملياً يأتي من العنصر الأول، لكن توظيفه واستغلاله في إطار العنصر الثاني هو الذي يزيد من قسوة الأمور فيما يخص بقاء إسرائيل ضمن ميزاتها الحالية. في البداية لابد من بحث مسألة الاعتبارات العالمية لمستوى الحياة ومن ثم ابعادها وتداعياتها في هذه المنطقة وبالذات في اللقاء الإسرائيلي الفلسطيني. وفي الواقع العالمي ومع بداية القرن الواحد والعشرين هناك تقسيم حاد جداً بين أمريكا الشمالية وغرب أوروبا ووسطها وبعض الجزر المعدودة في العالم (اليابان واستراليا وإسرائيل) التي تحيا في رفاه ونوعية حياة متميزة، مع جانب آخر هو عدد من الدول مثل (شرق آسيا) التي تحقق عدداً من الإنجازات والتطورات الاقتصادية المهمة لكنها لم تحقق الرفاه كما حدث مع الدول السابقة، أما نوعية الحياة فأنها لم تصل إلى تحقيق الحريات الأساسية كما هو واقع الدول الغربية. وعلى الجانب الآخر ـ غير هذين التقسيمين ـ هناك أغلبية كبرى من الدول التي تعيش حالة فقدان الأمل بشكل مطلق فهي حتى في حالة تحقيق إنجازات اقتصادية هائلة لن تستطيع ردم الهوة التي تفصل بينها وبين دول العالم المتطور. ونموذج هذه الحالة هو قارة أفريقيا السوداء، وقد تمت تسمية هذه الدول (بدول العالم الثالث) وتضم العديد من الدول التي لها أمل في مواجهة التحديات المشار إليها سابقاً. وقد تم اشتقاق هذا التعريف خلال الحوارات العالمية من التعريف الفرنسي (السلسلة الثالثة) والتي تعني بسطاء الشعب. ان الفجوات بين الشعوب والتجمعات والطبقات والدول ليس بالأمر الجديد، كما أن مقياس عمق الفجوة ليس واضحاً بشكل فعلي وموضوعي بالقياس إلى الزمان والمكان والبنية النفسية السياسية التي ينتمي إليها أكثر مما ينتمي إلى عناصر مستوى الحياة. ووسائل الأتصال لا سيما التلفاز وهي التي تصل لاولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة هي التي أفرزت هذه الهوة، وخاصة الأمل في ردمها لدى مئات الملايين من المنازل في أرجاء الأرض، أي العالم الثالث. وهذا الأمل هو الذي دفع ملايين كثيرة في كل مكان لا امل فيه إلى الخروج من دائرة الحرمان المغلقة كما أنشأت خططاً واسعة في كثير من المناطق الحساسة في العالم. وهذه المشكلة هي الأكثر حدة ضمن المنهاج التاريخي وربما الأهم في مطلع القرن الواحد والعشرين. وهذه الهجرة تتجه من شمال أفريقيا وشرق أوروبا نحو عالم الرفاه في غرب أوروبا وأمريكا.