في كل مرة نكتشف ان لقضايا حقوق الانسان وجوها ومعاني وتصنيفات جديدة. وان بعض تلك القضايا يعتبر مهماً وملحاً للغاية، ويستدعي التحرك والتدخل الحاسم، وان بعضها غير مهم على الاطلاق، يحسن تجاهله، إن لم يكن انكاره من اصوله وجذوره. اكتشفنا ذلك اخيراً عندما تعالى صوت فرنسا ـ حكومة وشعبا ـ بالاحتجاج على ما سمي باعتداءات حكومة الجزائر على مواطنيها البربر، لم تكتف فرنسا بالاحتجاج، بل شفعت احتجاجها بالتهديد بأنه لن تقف مكتوفة الايدي، وانها ستضطر للتدخل في الشأن الجزائري، حالم يتوقف او يهدأ مسلسل العنف، لقد اعاد ذلك الاعلان التهديدي الى الاذهان إعلان الحكومة الفرنسية سابقا برئاسة ميتران عن عزمها على التدخل في الجزائر اذا ما تشكلت حكومة على ضوء نتائج الانتخابات الديمقراطية التي فازت فيها جبهة الانقاذ. هكذا اعلنت فرنسا بصورة صاخبة، عن قلقها بشأن العنف الذي يجتاح البربر، اما عن العنف الذي كان يجتاح الشعب الجزائري بكامله ـ خلا البربر ـ فلم يكن يقلق فرنسا على الاطلاق واما تعثر المسار الديمقراطي فهو ايضا لم يقلقها، ولم تدع الى اصلاحه، أو تسريع خطاه، لانها تدرك جلياً ان اي انتخابات ديمقراطية حرة، لن تفرز تشكيلة حاكمة موالية لها لذا كان منطقياً ان تترك فرنسا شأن الحكم في الجزائر للجيش، يحكم من وراء الستار. وهو جيش كان كثير من جنرالاته الكبار، يعملون قبل الاستقلال، في صفوف الجيش الفرنسي المحتل، ويأتمرون بأمر فرنسا في قمع الشعب الجزائري. كشف المحتوى لقد تشارك الطرفان في حمل ذلك الوزر، كما تشاركا في عملية اخفاء آثار الجريمة، ولكن ها هي الخيوط بدأت تتكشف منذ الشهر الماضي، منذ ان قام الجنرال بول اوسارييس، قائد احدى وحدات المخابرات في الجيش الفرنسي، خلال حرب التحرير الجزائرية بنشر كتابه القطيع «خدمة سرية في الجزائر 1955 ـ 1957» Services Speciaux, Algeri 1955 - 1957 وهو الكتاب الذي اذاع فيه التفاصيل المرعبة المهولة لجرائم التعذيب والقتل الجماعي التي اقترفها هو شخصيا واقترفها رفاقه خلال عامين، بموافقة وتشجيع الحكومة الفرنسية في ذلك الحين، لاسيما وزير عدلها «فرانسوا ميتران» الذي قدر له لاحقا ان يتسلم منصب رئاسة الجمهوري. لايزال الجنرال اوساريسيس يعتقد ان عمليات تعذيب الفرنسيين كانت ضرورية وانها كانت جزءاً لا يتجزأ من مهمة فرنسا في «تحضير» وتغريب» و«فرنسة» الجزائر، ذلك ان مجاهدي الثورة الجزائرية كانوا بنظره «خونة» و«رجعيين» و«ارهابيين» بينما كانت عناصر الجيش الفرنسي تتصف بـ«البطولة» و«الشرف» و«العقلانية» وانها تصرفت بما كان الواقع يقتضيه فقد كان الطرف الثوري متفجراً ولم يكن يوجد وقت كافٍ للتحقيق مع المجاهدين الذين يواجهون جيش الاحتلال، وكانت السجون مكتظة ولم تكن تتسع للعناصر التي يتم اعتقالها كل يوم، ولذا لم يكن ثمة مفر من استخدام وسائل التعذيب، حيث ينهار معظم الناس ويبوحون بما في حوزتهم من اسرار، وهؤلاء يتم الاجهاز عليهم عادة بعد ذلك، رغم انهم ربما وعدوا بنيل العفو والعافية اذا ما استجابو واعترفوا واقروا بالذنب وباحوا بالاسرار ويبرر الجنرال اوساريسيس عملية اعدام هؤلاء، بأنه ضرورة للتخلص من اي دليل يدمغ الجيش الفرنسي بممارسة التعذيب! تنديد غير كافٍ لقد ندد السياسيون الفرنسيون في مجملهم بالكتاب، وكان في طليعة اولئك الذين نددوا بالكتاب وشجبوا محتوياته رئيس الجمهورية، جاك شيراك، الذي سارع فأوقع عقابا رمزياً بالمؤلف وذلك بتجريده من احد الاوسمة الفخرية، كما سارع رئيس الوزراء ليونيل جوسبان بادانة اولئك الذين ارتكبوا الفظائع المذكورة في الكتاب، وان كان قد عاد ووازن تلك الادانة، بتحية وجهها لجنود فرنسا ممن عملوا على «تحضير» الجزائر ونشر الديمقراطية فيها كما قال!.. وقام مجلس الوزراء الفرنسي على اثر ذلك فأوقع عقوبة رمزية اخرى بالمؤلف، تمثلت في طرده من صفوف الجيش الفرنسي، إذ كان اسم ذلك الجنرال «83 سنة» رغم تقاعده لا يزال موجودا على قوائم الاحتياط في الجيش، وبمقتضى طرده اخيراً، اصبح لا يحق له بعد اليوم ان يرتدي زي الجيش كان ذلك غاية ما تلقاه الجنرال من حكومته التي اسخطها كثيرا نشره لذلك الكتاب المخزي ولكن ماذا كان رأي لجان حقوق الانسان؟! ان لجان حقوق الانسان في فرنسا التي لا تكف عن التدخل في شئون الدول الاخرى قط، كان اقصى ما دعت اليه هو تقديم الجنرال للمحاكمة، ليس على الجرائم التي اعترف طواعية بارتكابها، وانما على مجرد تبريره لتلك الجرائم. لقد استفز الجنرال تلك اللجان بتبريره للجرائم، ولقد حق لها الحق ان تستفز ذلك ان الجنرال كان بالغ البرود والسماجة في تبريره لجرائمه حيث ذكر في اساس تبريراته تلك انه لا يعترف بقيمة الروح الانسانية «الفردية» بما في ذلك روحه هو ايضا، وان كل ما يهمه ـ كما قال ـ هي الروح العامة. وبالطبع فإن تعريفه «الروح العامة» يتطابق مع تعريفه «الروح الفرنسية» وكل من يشاقق الروح الفرنسية ولو كانت روحا عامة اخرى «جزائرية» فهي تستحق التنكيل، والقتل الجماعي، والابادة «الاستئصالية» . اتفاق التعمية هذا التبرير كان يمكن النطق به بالامس، قبل استقلال الجزائر، ولم يكن ليثير اي مشكلة حينها، حيث كانت الصحف الفرنسية تضيق بمثل تلك الاقوال. ولكن الجنرال غفل عن حقيقة ان ما كان يبيحه ظرف الزمان حينها، لا يباح اليوم. ومن ثم ازعج مواطنيه بالصراحة القاتلة التي تدفق بها في الكتاب، هذه الصراحة اعتبرت ذنبه الوحيد، هذا وان كانت «لوموند» «بتاريخ 8 مايو الحالي» علقت بسخرية قائلة ان الجنرال لم يرتكب اي جريمة، مشيرة الى قانون العفو الذي كان البرلمان الفرنسي قد اصدره في 1968 عن كل الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر! ان تلك الجرائم تنطبق عليها قوانين جرائم الحرب وهي قوانين دولية، ولا يمكن لدولة ان تسمح لجيشها بأن يرتكب جرائم حرب، او تشجيعه على اقتراف تلك الجرائم ثم تصدر قانونا بالعفو عنه بعد ذلك، فمثل ذلك القانون حتى لو اصدره برلمان لا يمكن ان يعلو على القانون الدولي، وان جاز للمشرعين الفرنسيين ان يحتجوا بعكس ذلك، فما رأيهم ـ وما رأي اسرائيل كذلك! ـ اذا اصدر البرلمان الالماني قانوناً بالعفو عن جرائم النازيين؟! لاشك ان الفرنسيين ـ وكذلك الاسرائيليين ـ سيحتجون ويرفضون صدور مثل ذلك القانون وذلك لانهم كانوا من ضمن ضحايا الاحتلال اوالمذابح النازية، ولا تزال فرنسا ـ وكذلك اسرائيل ـ تطاردان عناصر الجستابو النازي وتحاكمهم. وبالامس القريب حاكمت فرنسا مواطنها موريس يابون بعشر سنوات سجنا، بتهمة التعاون مع جيش الاحتلال الالماني!! ترى هل يسوغ للجزائر ايضا ان تطالب محاكمة ضباط وجنود الاحتلال الفرنسي ممن لا يستحون عن ان يعترفوا بل ويسوقوا اسخف تبريرات لتقتيلهم لابطال الجزائر ودعاة استقلالها، ولمذابحهم الاستئصالية لشعب الجزائر؟! وهل يسوغ للجزائر ان تصدر قانوناً آخر لملاحقة مواطنيها الذين تواطأوا مع جيش الاحتلال الفرنسي واشتركوا في ارتكاب موبقاته بحق الشعب الجزائري؟! اغلب الظن ان الجزائر لا تفكر ـ مجرد تفكير ـ في إصدار مثل ذلك القانون، وذلك لاسباب معروفة، منها ان حكومتها الاولى وقعت في 1962 وثيقة اتفاق سرية مع فرنسا، بعدم فتح ملف فظائع الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي دام لمدة مئة وثلاثين عاما، وقد ظل الطرفان ـ يحافظان على ذلك الميثاق، الى ان قام الجنرال اوساريسيس باحراجها مؤخرا بنشره لهذا الكتاب. ان كتاب اوساريسيس على ما فيه من وقاحة وخسة ومشاعر نازية صاعقة له حسنة يتيمة، وهي انه يصلح نقطة بداية لجر فرنسا للاعتراف بجرائرها في الجزائر، وهي جرائر لا يمكن التكفير عنها بمجرد الاعترف بها، او الاعتذار عنها، ولا حتى بتعويض ضحاياها، ولكن فرنسا مع ذلك لا تريد ان تمنح الجزائريين ولو مجرد كلمة الاعتراف او الاعتذار، وكأنها ما فعلت بهم شيئا منكراً ابداً، وهو امر يدحضه اصدارها لقانون للعفو عن ضباطها وجنودها الباطشين، وعن توقيعها لاتفاقة مؤامرة الصمت مع الحكومة الجزائرية الاولى وهي المؤامرة التي استمرت لفترة اربعة عقود من الزمان، وآن لها ان تنكشف الآن. وبمناسبة صدور كتاب الجنرال الفرنسي وبمناسبة الضجة الكبرى التي أثارها، وبمناسبة تصاعد الضغوط الفرنسية على الحكومة الجزائرية بشأن المشكل البربري فيمكن لحكومة بوتفليقة ان تشجع على كشف ملفات مجازر الجيش الفرنسي بالجزائر، لتحرج الكبرياء الفرنسي وتجرحه وتكسره، حتى يرتد للاعتراف بانتهاكه لحقوق انسان الجزائر. د. محمد وقيع الله