في الصراع الحضاري الجوهري الممتد بين العرب وإسرائيل، وهو صراع حتمي للبقاء والوجود، ينبغي أن تبنى التقديرات السياسية والاستراتيجية على المعلومات الدقيقة وعلى الحقائق الميدانية في الأرض المحتلة، وأن نرصد المتغيرات المؤقتة في معدلات الاستعمار المستمر والهجرة المضادة في إسرائيل منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر 2000 دون مبالغة في انعكاساتها على استراتيجية التوسع الصهيوني في فلسطين ومخطط «الترويكا» أو الكونفيدرالية الثلاثية التي تضم إسرائيل والأردن ودويلة فلسطينية منزوعة السلاح لا تملك المقومات الأساسية للدولة من سيادة وطنية على إقليمها المتكامل، وعلى حدودها وفضائها الجوي، ومياهها ومعابرها. ولنبدأ بالأرقام واضحة الدلالة. ففي يوليو 2000 وصل تعداد إسرائيل إلى 454،842،5 نسمة يعيش أغلبهم في مساحة بلغت 20770 كيلومترا مربعا تمثل 78% من أرض فلسطين التي شملها قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة عام 1947 والذي أعطى إسرائيل 53% فقط من هذه الأرض. وينتشر 171 ألف يهودي في 231 مستعمرة ومزرعة في الضفة الغربية لنهر الأردن، 172 ألف يهودي في 29 مستعمرة في القدس الشرقية، 20 ألف يهودي في 42 مستعمرة في المرتفعات السورية (الجولان)، ثم 6500 يهودي في 24 مستعمرة في قطاع غزة. وتشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى أن معدل النمو السكاني بلغ 1.67%، كما وصل معدل الهجرة الصافي بعد حذف الهجرة المضادة إلى 3.63 مهاجرين في الألف، وزاد متوسط العمر إلى 79 سنة، مثلما زاد معدل الخصوبة إلى 2.6 طفل لكل امرأة. ويشكل اليهود 80.1% من السكان، وبينهم 32.1% من مواليد أوروبا والأمريكتين، 20.8% من مواليد إسرائيل، 14.6% ولدوا في إفريقيا، 12.6% ولدوا في آسيا، وقد اقتصرت حالات الهجرة المضادة من إسرائيل إلى الخارج في غالبيتها على اليهود المسنين من مواليد الدول الأوروبية والأمريكية إلى جانب أقلية ضئيلة للغاية من مواليد إسرائيل. ويشكل العرب داخل الخط الأخضر، الذي يحدد رقعة الدولة الصهيونية قبل يونيو 1967 ، غالبية السكان الآخرين وهم 19.9% إجمالا. وكان الناتج المحلي الإجمالي عام 1999 حوالي 102 مليار دولار، مما ساعد إسرائيل على احتلال المركز 23 عالميا في مؤشرات التنمية البشرية. وقد أتاح تطور الاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الغربية، وبخاصة الأمريكية منها، استيعاب 750 ألف مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي السابق في المدة من 1989 إلى 1999 مما قفز بعدد المهاجرين الروس في إسرائيل إلى مليون نسمة. ولا يوجد مواطن إسرائيلي تحت خط الفقر، وتقدم الدولة إعانات بطالة لنحو 9.1% من قوة العمل التي تناهز حاليا 2.8 مليون فرد. وفي حين ارتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 1.9% عام 1999 إلى 3.6% في العام التالي، فإن الانتفاضة الثانية ستنعكس بالسلب قطعا على هذا المعدل المنتظر أن ينخفض إلى قيمة سالبة في يوليو المقبل. مؤشرات الهجرة منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 حتى عام 1988 هاجر إليها 850،1 ألف يهودي منهم 567 ألف من أصول عربية، تحركهم العقيدة الصهيونية التي تدعو إلى قيام دولة عنصرية لليهود في فلسطين. وخلال الفترة من اجتياح لبنان عام 1982 إلى عام 1988 تناقصت معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تدريجيا حتى اقتربت من الصفر في عام 1988. وفي العام التالي بدأت هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، ونمت في التسعينيات مع انحلال الاتحاد السوفييتي وسقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية حتى أن مئتي ألف يهودي هاجروا إلى إسرائيل عام 1990 وحده واستقر منهم 8830 مهاجر في مستوطنات فلسطين المحتلة عام 1967. وقد ساعد على هذه الهجرة تزايد القبول العربي والدولي لإسرائيل بعد مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، وإبرام اتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين في سبتمبر 1993، ثم معاهدة وادي عربة للسلام الأردني الإسرائيلي في أكتوبر 1994. لقد أقامت 153 دولة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل حتى الآن، ومن بينها 85 دولة في عقد التسعينيات وحده، وتضم موريتانيا، كما فتحت إسرائيل مكاتب تمثيل تجاري واتصال في تونس والمغرب وعمان وقطر. ومولت إسرائيل استيعاب المهاجرين بفضل المنح الأمريكية الحكومية التي تتجاوز 3.5 مليارات دولارات سنويا إلى جانب إعانات المنظمات الصهيونية العالمية واليهودية الأمريكية. وقد استمرت إسرائيل في إنشاء مستعمرات جديدة، وتطوير المستعمرات القائمة بعد إبرام اتفاقيتي أوسلو 1، وأوسلو 2، ويستمر توسيع المستوطنات الحالية خلال فترة الانتفاضة الثانية على الرغم من تقرير لجنة تقصي الحقائق برئاسة السيناتور الأمريكي السابق جورج ميتشيل، وفي استهانة واضحة بالمبادرة المصرية الأردنية التي بنيت على وقف الاستعمار الصهيوني في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس المحتلة. واستهانت إسرائيل بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن ضرورة صيانة حقوق الشعوب الخاضعة للاحتلال وحماية المدنيين فيها، وضرورة عودة اللاجئين إلى ديارهم، كما تجاهلت إسرائيل المطلب المصري باعتبار المستعمرات اليهودية في فلسطين المحتلة جرائم حرب وفقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وطبقا للفقرة التاسعة والأربعين من اتفاقية جنيف الرابعة. ولقد صنفت المحكمة الجنائية الدولية عمليات طرد السكان الأصليين من أراضيهم ونقل سلطات الاحتلال لمواطنيها إلى أراضي الغير بأنها جرائم حرب خطيرة. ولم يحترم إيهود باراك ويرفض آرييل شارون الالتزام باتفاق شرم الشيخ المبرم في 5 سبتمبر 1999، والذي صدق عليه الكنيست الإسرائيلي، فيما يختص بوقف إنشاء مستعمرات استيطانية جديدة. وأصر كلاهما على الاحتفاظ بكتل متماسكة من المستعمرات في الضفة الغربية لنهر الأردن تحت السيادة الإسرائيلية في أية تسوية سياسية قادمة، كما امتنعا عن صرف العلاوة الشهرية التي كان اسحاق رابين قد قررها لكل أسرة إسرائيلية تترك مسكنها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لتنتقل إلى وحدة سكنية في إسرائيل داخل الخط الأخضر، وتوسع الرجلان في الاستيلاء على أراضي الضفة الغربية ليصل ما تم انتزاعه من مساحتها إلى نحو 20% منها في مايو الماضي، كما صادرا نحو 130 فدانا من أراضي القدس الشرقية. الهجرة المضادة حدث تراجع فعلي في ايرادات الدولة العبرية بفعل الانتفاضة الثانية، وبخاصة في قطاعات السياحة، والتجارة الخارجية مع بعض الدول العربية والاسلامية، والخدمات كما زاد الانفاق العام في مجال الأمن الداخلي فقد اعتمدت اسرائيل 350 مليون دولار في مايو الماضي لزيادة الدعم الحكومي للمستوطنات الى جانب 660 مليون دولار لتلبية مطالب الجيش والمخابرات والشرطة لمواجهة الانتفاضة الفلسطينية. واذا كانت خسائر اسرائيل خلال ثمانية شهور من سبتمبر 2000 الى مايو الماضي قد تجاوزت مليار دولار أمريكي، فإن التأثير الأخطر للانتفاضة هو ضرب الإحساس بالاستقرار الأمني لدى المستعمرين في الضفة الغربية وغزة بل ولدى بعض يهود اسرائيل في المناطق التي تعرضت لعمليات استشهادية باسلة من جانب رجال المقاومة الاسلامية في إطار (حرب البراغيث) التي بدأت حماس والجهاد في شنها ضد العدو الصهيوني باستخدام المتفجرات. وتشير دراسة حديثة أجرتها مجلة شئون المجتمع، التي تصدرها نقابة المعلمين الاسرائيليين، في مارس الماضي بين الشباب في شريحة العمر من 14 الى 18 سنة ممن ينتمون الى 66 مستعمرة في الضفة الغربية تشير الى أن 31% منهم يريدون ترك مستعمراتهم والذهاب الى اسرائيل داخل الخط الأخضر، كما أن 87% منهم واثقون من قيام الدولة الفلسطينية وعودة أغلب أراضي الضفة الغربية لها في المستقبل القريب. وتوقع 82% من هؤلاء الشباب إخلاء عدد من مستعمرات الضفة الغربية، كما ينتظر 63% تقسيم القدس في التسوية السياسية المرتقبة. ومن المهم أن نسجل هنا أن 42% من المستعمرين هم أطفال تحت سن 14 مما يجعل احساسهم بفقدان الأمن في ظل الانتفاضة أكثر عمقا وتأثيرا اليوم وغدا، وبخاصة لأن أغلب المستعمرين من الاشكيناز ذوي الأصول الغربية، وكانت نسبتهم 69% في يناير 2000، ومنهم من يتطلع الى الهجرة الى أوروبا، وبخاصة الى المانيا التي زاد عدد اليهود فيها من ثلاثين ألف يهودي عام 1990 الى أكثر من مئة ألف يهودي حاليا، وهي تخطط لاستقبال عشرة آلاف يهودي مهاجر سنويا أغلبهم من أوروبا الشرقية. وأشار استطلاع حديث لمركز (داحف) في شهر مايو الماضي بين صفوف اليهود البالغين في مستوطنات الضفة الغربية وفي اسرائيل داخل الخط الأخضر الى أن 57% منهم لا يوافقون على توسيع المستوطنات كما يريد شارون، كما يوافق 55% منهم على الاخلاء الجزئي أو التام للمستوطنات في اطار اتفاق سلام مع الفلسطينيين، ولكن 16% فقط منهم يريدون العودة الى داخل اسرائيل أو الهجرة الى الخارج اذا استمرت الانتفاضة، واعتبر 24% منهم أن مخطط شارون الأمني يواجه احتمالات الفشل. وتشير احصاءات مركز (جافي) الى أن حجم الهجرة الداخلية من مستعمرات الضفة الغربية الى داخل اسرائيل قد اقترب من ألف مستعمر خلال الشهور الستة الأولى من الانتفاضة، أما حجم الهجرة المضادة من اسرائيل الى الخارج فلم يتجاوز في تلك الفترة عشرة آلاف يهودي، وثلثهم من المسنين الاشكيناز الذين اتجهوا الى أوروبا وأمريكا الشمالية نتيجة اقتناعهم بأن اتفاق السلام المنتظر مع الفلسطينيين لن ينهي الصراع العربي الاسرائيلي بل هو بمثابة هدنة مؤقتة بين الطرفين. الرؤية المستقبلية يعتقد شارون أن وقف اطلاق النار في فلسطين المحتلة الذي وصل اليه جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الأمريكية يوم 13 يونيو الجاري، وتقلص أنشطة الانتفاضة الفلسطينية، ولهفة السلطة الفلسطينية للتفاوض مع الحكومة الاسرائيلية كلها عوامل تهدئة لمشاعر الخوف والقلق بين المستعمرين اليهود، مثلما تساعد على استئناف استقبال المهاجرين اليهود الجدد وبخاصة من أوروبا الشرقية. وتركز الدعايات الصهيونية على مخطط إنشاء الكتل الاستيطانية المترابطة، وإمكان التخلي عن بعض المستعمرات المكشوفة دفاعيا أمام المقاومة الفلسطينية، والاتجاه بمشروعات التعمير الى النقب الأوسط وبخاصة بعد اقامة قاعدة عسكرية أمريكية كبرى فيه في السنوات القليلة المقبلة. ويستفيد شارون جيدا من المنطق الأمريكي الذي يرى أن منع تصعيد التوتر العسكري أهم من إحياء محادثات السلام، ويراوغ في عودة الأوضاع داخل فلسطين المحتلة الى ما كانت عليه قبل الانتفاضة الثانية ويرفض اجراءات بناء الثقة التي تنصب على تنفيذ اتفاق شرم الشيخ عام 1999 وبخاصة فيما يتصل بالمرحلتين الثانية والثالثة لاعادة انتشار القوات الاسرائيلية في الضفة الغربية لنهر الأردن. ولن تشكل الهجرة المضادة خطرا على اسرائيل إذا أجهضت الانتفاضة الثانية، وتعثرت التسوية السياسية في فلسطين، وبقي التراخي العربي في مقاطعة اسرائيل، ودعم المقاومة الفلسطينية على حاله!!! بقلم: اللواء أ.ح صلاح الدين سليم محمد ـ الأستاذ الـزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا