لقد بدأت الحملة الاعلامية الدعائية لترحيل اليهود وتوطينهم في ارض فلسطين منذ التوقيع على وعد بلفور سنة 1917، وحصول الحركة الصهيونية على عهد من الانجليز يقضي باعطائهم منطقة فلسطين بعد مغادرتهم لها، وبالتالي تأسيس دولة اسرائيل عليها، وبهذا الوعد تكون الحركة الصهيونية وبتعاونها وتنسيقها الشامل مع لوبياتها المختلفة المتواجدة بشكل فعال والتي لها تأثيرها السياسي الكبير داخل المجتمعات الغربية مثل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، قد حققت قفزة كبيرة وانتصارا وتتويجا عظيمين، طال ما سعت اليهما، وطال ما عملت جاهدة بكل وسائلها المالية، السياسية والاعلامية، وخاصة بممارستها لسياسة عرف بها اليهود منذ قديم الزمان وهي سياسة الاستعطاف، والتبكي، اذ امكنها التعبير في مطالبتها لأرض سمتها الصهيونية بأرض الميعاد للم شمل اليهود عبر العالم في اطار كيان سياسي يمكن لليهودي الحقير والمحتقر في كل انحاء تواجده بالمعمورة، ان تكون له جنسية ودولة، وأرض يعيش فيها وينعم بخيراتها، ويتمتع بحياة سالمة محترمة، وهذا طبعا دون الالتفات لمصير الانسان العربي الفلسطيني صاحب الارض، والذي لم تنته نكبته وتجسد مصيره المجهول منذ التواجد البريطاني في المنطقة. وفي هذا الصدد، قامت الحركة الصهيونية، بمفهومها الواسع بالعمل على ترحيل عشرات الآلاف من اليهود عبر العالم نحو منطقة فلسطين، وقد اخذت هذه الحملة بعد سنة 1948 طابعا سياسيا دوليا مهما، واتسع مجالها الى حد ساهمت فيه بعض الدول العربية بطريقة مباشرة او غير مباشرة، وسارعت الولايات المتحدة الامريكية الى الاعتراف بدولة اسرائيل ووفرت لها الدعم المادي والمعنوي، ورسمت لها الاساليب السياسية والقانونية لقيامها وتجسيدها بصفة تامة وكاملة في ميدان الواقع السياسي. وقد شمل هذا الترحيل والتهجير يهوداً اوروبيين، والآلاف من اليهود الروس الذين توافدوا بطريقة كبيرة في الفترة الممتدة بين الخمسينيات لغاية نهاية الثمانينيات، فارين بذلك من نظام الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، كما شملت اليهود العرب من بعض الاقطار العربية، وفي هذا الاطار يمكننا ان نشير الى عملية بساط الريح التي تم من خلالها ترحيل حوالي 45 ألف يهودي يمني الى اسرائيل، كما عرف العديد من الافارقة السود خاصة الفلاشا الاثيوبيين عملية هجرة واسعة الى هذه المنطقة بحثا عن حياة افضل وهروبا من وضعيتهم شبه العبودية التي عاشوا فيها لفترات زمنية طويلة. لقد كانت الاغراءات المالية والمادية الخيالية والوعود والطموحات المتعددة المزيفة والكاذبة لنموذج حياة ينعم بالرفاهية والاستقرار والعدالة الاجتماعية للهجرة الى اسرائيل والعيش ضمن المجتمع الاسرائيلي، هو العامل الاساسي الذي ركزت عليه اسرائيل لجلب ذلك العدد الهائل من الجنسيات عبر العالم اليها، حتى يمكنها الامر من الوصول الى عدد ديمغرافي تواجه به العرب ويمكنها في نفس الوقت من ضمان تواجدها في المنطقة، والتأكد من عدم زوالها واندحارها، وبالتالي تحقيق الجزء الاول من المشروع الصهيوني والذي يتمثل في تأسيس دولة يهودية عبرية. ان الرفض العربي المستمر والمتواصل للوجود الصهيوني، وعدم الاعتراف بالدولة الاسرائيلية،. ثم الحروب الاربعة العربية الاسرائيلية في سنوات 1948، 1956، 1967، 1973، وكذلك الصمود الفلسطيني الباسل ضد الاحتلال الصهيوني، والانتفاضات، وهيمنة حالة عدم الاستقرار في المنطقة وزيادة تأزم الوضع الامني، ووصول الامور الى حد الانفجار الذي قد يودي بكل المنطقة الى مصير لا يحمد عقباه من جهة، ومن جهة اخرى عدم وفاء الحكومات الاسرائيلية المتعددة بوعودها وتعهداتها تجاه المهاجرين اليهود، واصطدام هؤلاء بحقيقة الواقع الاسرائيلي المر، وواقع الحياة الصعبة وغير المستقرة داخل المجتمع الاسرائيلي العنصري، الذي بنى وما زال يبني مقوماته الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية على اعتبارات عرقية وعنصرية ومصلحية تحول دون وصول اليهود الروس او العرب الى مناصب اجتماعية واقتصادية راقية كما يعامل اليهود الفلاشا أسوأ معاملة، فلا حقوق لديهم، ولا فرص عمل حقيقية ولا تعليم، ولا اعتبار شرعي او مدني، وحتى المنخرطين منهم في الجيش الاسرائيلي يوضعون في الصفوف الاولى اثناء الحروب الاسرائيلية مع العرب، ويقدمون لكل المهام الصعبة دون مقابل ترقية ولا عرفان. فالآمال المزخرفة التي عانقها هؤلاء المهاجرون اليهود باتت من الخيال، وبات تحقيقها سرابا ووهما لا غير، هذه الظروف قد خلقت وجرت في طياتها ظاهرة جديدة لم تعلن علنية بصفة رسمية، وإنما اتخذت شكلا سريا لما تكتسيه من عار، ولما يمكن ان تجلبه من احباط في معنويات اليهود، وسابقة في سجل دولة اسرائيل الاسود، وهي ظاهرة الهجرة المعاكسة او ما يمكن ان نصفه بهروب العديد من حاملي الجنسية الاسرائيلية الى خارج اسرائيل، كلما اتيحت لهم الفرصة، والبحث من جديد على مناطق من هذا العالم يمكنهم ان يلتمسوا فيها الحياة الكريمة والمحترمة كما يدعون. فاليهود ورغم التعتيم الاعلامي الصهيوني على هذه الظاهرة، وخاصة اولئك الذين يعانون تفرقة عنصرية وتهميشا داخل المجتمع الاسرائيلي، زيادة الى الوضع الامني الذي اصبحت تتأكد عدم استقراريته يوما بعد يوم، ما دام الشعب الفلسطيني يقهر ويدمر ويقتل يوميا، وأن مشروع تحقيق الامن للاسرائيليين، والذي يتبناه بشدة السفاح شارون، ليس الا حلما وهميا بعيدا عن الواقع الحقيقي، وخال من كل الاسس والقواعد الاجتماعية والحضارة الانسانية، فاليهود اذن يهاجرون ويفرون من اسرائيل، فمنهم من يعود الى بلده الاصلي، كبعض الروس والبولونيين، ومنهم من تسنح لهم الفرصة للذهاب الى امريكا او استراليا وبعض الاقطار الاخرى من العالم تاركين وراءهم اسرائيل والاراضي المحتلة بهدف العيش في مجتمع مدني ديمقراطي يضمن لهم اساليب الحياة العادلة، والحقوق الانسانية المشروعة، بعيدا عن العنصرية والطبقية والاعتبارات غير الانسانية التي يتميز بها المجتمع الاسرائيلي. ان استمرار الوضع السياسي الراهن في اسرائيل والبقاء على سياسة الحرب والحرق والقهر والاستنزاف ضد الشعب الفلسطيني، واتباع طريقة الاستيطان التعسفية، واهمال المطالب العربية الفلسطينية، وممارسة سياسة التهديد والحرب الشاملة ضد الدول العربية المواجهة، واعلان في العديد من المرات لحالات التأهب القصوى للجيش الاسرائيلي، والتركيز على السياسة العسكرية، وسياسة تحقيق الامن للشعب الاسرائيلي، ورد الفعل القوي في بعض الاحيان لكل جهات المقاومة المسلحة بمختلف اشكالها، ثم الاهمال الكلي او شبه الكلي من طرف الحكومة الاسرائيلية للمطالب الداخلية لبعض الطبقات اليهودية داخل اسرائيل، وزيادة الى تعميم الطبقية والعنصرية والمحسوبية في التعامل اليومي بين افراد اليهود انفسهم، هذا كله نضيفه الى حالة عدم الاستقرار الامني، وغموض مستقبل المنطقة، وتفشي ظاهرة الخوف والهلع، والحالات الكثيرة من الهيستريا والبارانويا داخل المجتمع الصهيوني في اسرائيل، الى جانب تأكد الفرد اليهودي يوما بعد يوم واقراره ان العيش في سلام دون مراعاة حقوق الفلسطينيين امر لا يتحقق ابدا، وبالتالي فسبيل الهجرة من اسرائيل الى خارجها قد اصبح امرا واردا والعديد من اليهود يهاجرون بحثا عن مجتمعات اخرى تقبلهم. فهل تستمر ظاهرة هجرة اليهود الى خارج اسرائيل حتى تصل الى درجة التعميم، وهل اذا تعممت هذه الظاهرة وخرجت من سريتها ستشكل ازمة نقص وتقليص لعدد اليهود في الدولة الاسرائيلية، وبالتالي تعرض اسرائيل واليهود بصفة عامة الى خطر الضعف والزوال، او هل ستتمكن الحكومة الاسرائيلية من توقيف هذا النزيف بتغيير سياستها الامنية الخارجية تجاه الشعب الفلسطيني والعرب، وايجاد الحلول الحقيقية والناجحة لتعميم الامن والسلام في المنطقة من جهة ومن جهة اخرى اصلاح سياستها الداخلية برسمها لقواعد وأسس حياتية، اجتماعية مدنية وحضرية، والابتعاد عن سياسة الكذب والخيانة التي عرفت بها الصهيونية منذ قديم الزمان ولو اتجاه اليهود انفسهم، وهل ستغير دولة اسرائيل سياستها العنصرية والطبقية في معاملتها لليهود العرب ويهود الفلاشا وحتى يهود أوروبا الشرقية. فالخيار اذن في يد الحكومة الاسرائيلية، والمصير مصير حاسم واشكالية البقاء والزوال لهذا الكيان امر وارد. بقلم: كمال ديب ـ كاتب جزائري