اصبحت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قادرة على اقناع اسرائيل بالعودة عن خيار العنف نحو طاولة المفاوضات وتؤكد خبرة الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني منذ بدايته وحتى الآن، ان المقاومة الفلسطينية استطاعت اجهاض هدف اسرائيل الاساسي وهو إلغاء الشعب الفلسطيني من على الخريطة السياسية وتهجيره من ارضه حسبما توحيه النصوص التوراتية من ان الحياة هي فقط لـ «شعب الله المختار». اختارت اسرائيل آلية العنف لتحقيق هذا الهدف لأنها لم تعترف اصلا بوجود الشعب الفلسطيني الا في بداية التسعينيات، عندما اوصلتها المقاومة الفلسطينية لمرحلة الآلام الموجعة في الانتفاضة الاولى (87 ـ 93). فوجئت اسرائيل بحائط صد فلسطيني قوي فحاولت الهروب بقيادة باراك وشارون نحو خيار العنف مرة اخرى لتحقيق اذعان الفلسطينيين للسلام الاسرائيلي. وتوضح التطورات على الارض كثافة عنف القوة الاسرائيلية في مواجهة الفلسطينيين على عكس ما كان عليه الحال في الانتفاضة الاولى. في الثانية قامت الوحدة الوطنية الفلسطينية (السلطة والمراجع الشعبية) بدور بارز في زيادة جدار المقاومة ارتفاعا. ان الانتفاضة الثانية، في تحليل مسيرتها اليومية، امتلكت مجموعة من القدرات الكامنة والحقائق والمكتسبات الشعبية على الارض يمكن ان تجعلها تستمر لفترة اطول على نظيرتها الاولى، ومن اهمها كتلة بشرية قوامها 3 ملايين فلسطيني في الضفة وغزة وما يقترب من مليون داخل اسرائيل. وتؤكد حصيلة اعمال الانتفاضة الثانية وبخاصة عقب وصولها لإيلام اسرائيل بشكل فاعل ومؤثر مع مصرع 108 اسرائيليين في مقابل استشهاد اكثر من 500 فلسطيني بنسبة (1:5)، مما يدفع الكثيرين حاليا في اسرائيل الى طلب الرحيل عن الضفة وغزة. وقد غادر 40% من قطعان المستوطنين هذه المستوطنات، وتدهورت شعبية شارون وفقا لاستطلاعات للرأي اجرتها «هارتس» الى اقل من 54% وفضلا عن القوة الذاتية الدافعة للمقاومة يمتلك الفلسطينيون دعما عربيا واسلاميا واقتصاديا وسياسيا متزايدا واتصالات مكوكية على اعلى المستويات الدولية لتأمين الاجواء الدولية والاقليمية لحماية الشعب الفلسطيني والعودة الى مائدة المباحثات مرة اخرى ومن النقطة التي توقفت عندها. لقد اوقعت الانتفاضة حكومة شارون في فخ كبير من التناقضات، فالصهيونية ادركت حدود القوة العسكرية القصوى دون القدرة على فرض الاستسلام وبعد ان ترددت في طلب التدخل الامريكي المتباطيء ـ أضحت تريد من الادارة الامريكية تعويضها سياسيا عن مظاهر «عجز القوة» وهي ترغب بأن يكون المسئولون الامريكيون ناطقين بلسان «المطبخ الصغير» الاسرائيلي الذي يقرر عن العالم اجمع ما ينبغي للسلطة الفلسطينية اولا، وللعرب اجمعين، ان يفعلوه. ومع ذلك فإن الخشية من التدخل الامريكي تدفع الكثيرين في اسرائيل خاصة في اليمين الاسرائيلي، الى ابداء التحفظ على اقل تقدير، رغبة في الانفراد بالفلسطينيين. وتطول قائمة المفارقات الامريكية ـ الاسرائيلية. غير ان المفارقة المضحكة ـ المبكية الآن هي: ان اسرائيل حركت العالم بأسره للضغط على رئيس السلطة الفلسطينية من اجل اعلان وقف اطلاق النار بعد محطة العملية الاستشهادية في ملهى الدلافين التي قلبتها الصهيونية الى اتهامات تضليلية للفلسطينيين ولكن الاوروبيين الذين صدقوا الرغبة الاسرائيلية في وقف اطلاق النار من جانب واحد ذهبوا الى حد ارسال «فرق مراقبة» للوقوف على مدى صدق التزام عرفات بإعلان وقف اطلاق النار. غير ان هذه الجدية لم تعجب اسرائيل. فقد رأى الجيش الاسرائيلي في الخطوات الاوروبية اندفاعا نحو التدويل، فأمرت اسرائيل الاوروبيين بإغلاق «مراكز مراقبتهم». وكشفت وسائل الاعلام الاسرائيلية بعض المواقف المتدهورة في الحياة الاسرائيلية ذلك ان المستوطنين الذين يخرجون في مظاهرات داعين للحرب و«للانتصار على عرفات» يبدي ثلث شبابهم، حسب الاستطلاعات رغبة في الهجرة من المستوطنات. كما ان الشارع الاسرائيلي المؤيد تماما لخطوات وتدابير حكومة شارون المتشددة ضد الفلسطينيين يبدي حاليا اعلى درجات الخوف على حياته، ليس فقط على الوجود الشخصي، وإنما على الوجود الكامل للكيان الصهيوني مما اضطره لاظهار «حكمة الشيخوخة» وهو لذلك يراهن على المسعى الامريكي الراهن، الذي جاء منقذا بالمخابرات الامريكية التي اختبرت لتكون اداة لتفاهم على وقف اطلاق النار لتحقيق الامن لاسرائيل وترحيل الحل العادل الى مرحلة لاحقة على اعتبار ان السلطة تظن ان المخابرات الامريكية اقل تأثرا بالصهيونية والأهم ان شارون ليس من الغباء ليتصور ان بإمكانه تطبيق مبدأ المعازل العنصرية، التي عمل بها البيض في جنوب افريقيا، على المناطق الفلسطينية المحتلة بالعودة الى ما بعد عام 1967. اسرائيل خائفة لمعرفة هواجس الجمهور الاسرائيلي من مساق الانتفاضة نشرت صحيفة معاريف بتاريخ 8/6/2001 استطلاعا سألت فيه عن اربع قضايا منفصلة. وضعت لتغدو ما يشبه «معيار الخوف» القومي. وتظهر المعطيات ان حوالي نصف الجمهور وقع بما يمكن تسميته بالخوف العميق، فيما ان هناك حوالي الثلث لا يشعر بأي خوف. والباقي يترددون بين القطبين. ويظهر تحليل المعطيات انه ليس هناك فارق كبير في مدى الخوف لدى الجماعات السكانية المختلفة، وأن الخوف قائم في جميع الشرائح، الفقيرة والغنية، المثقفة وغير المثقفة، الاشكنازية والشرقية. وعلى ما يبدو ثمة صلة مباشرة بين مدى وبين حقيقة ان حوالي خمس الجمهور الاسرائيلي يفكر على الصعيد العائلي بالهجرة من اسرائيل، وان حوالي الثلث يتحدثون في الهجرة مع اطارهم الاجتماعي الاوسع. وهناك 17% يعترفون بأنهم يفكرون بالهجرة. وهذا الرقم لا يبدو كبيرا، ولكن في استطلاع اجري قبل عام كان 8% فقط يعترفون، بأنهم او افراد من عائلاتهم يفكرون بالهجرة. وهذه تبدو بعيدة عن ان تكون ظاهرة لافتة. غير انها اليوم اكبر مما كانت عليه في الماضي. الاستجواب ـ هل تخاف في هذه الايام على امنك الشخصي وأمن عائلتك؟ ـ اكثر من السابق 63% ـ اقل من السابق 3% ـ الدرجة ذاتها 33% ـ هل اخترت مؤخرا ان كان عليك ألا تذهب الى المجمعات التجارية والاسواق؟ ـ نعم 58%. ـ لا 40%. ـ هل امتنعت في الآونة الأخيرة عن زيارة المجمعات التجارية او الاماكن العامة؟ ـ نعم 44% ـ لا 30% ـ هل انت خائف في هذه الايام على مستقبل اسرائيل؟ ـ نعم 67% ـ لا 30% وان الشريط الاخباري التالي يعطي صورة للنتائج الايجابية للانتفاضة وهو يعبر عن نفسه. الا ان ذلك لا ينبغي ان يقودنا الى ان العرب وصلوا الى تحقيق اهدافهم وقامت فلسطين. المتاعب الاسرائيلية لا تعني انهيار الكيان الصهيوني، المسألة كبيرة جدا، والمجتمع الاسرائيلي علمي عسكري بدعمه مال الشركات الكبرى والدولة العظمى الوحيدة في العالم. يخشون زيارة اسرائيل لوحظ ارتفاع في موجة الغاء المشاركات في النشاطات الصيفية للوكالة اليهودية، خاصة في اعقاب قرار رئيس الحركة اريك يوفيه عدم ارسال انصاره الى اسرائيل بسبب الوضع الامني وفيما يلي ملخص لموجة الغاء النشاطات مثلما نشرتها صحيفة «معاريف». ـ ألغت الجاليات اليهودية في سان فرانسيسكو، سان داييجو، لوس انجلوس وأوكلاند في الشاطيء الغربي من الولايات المتحدة مخيما صيفيا كان من المفروض ان يقام بمشاركة 600 من ابناء الشبيبة. حركة الشبيبة المحافظة: خفضت المسجلين للنشاطات الصيفية في اسرائيل من بين 700 نصفهم ألغوا مشاركتهم. وقد تتم الغاءات اخرى. جاء من حركة الشبيبة الارثوذكسية الحديثة في الولايات المتحدة انه سيصل 80 فقط من بين 500 أبناء الشبيبة الذين سجلوا للنشاطات الصيفية. تخلف من حركة يهودا هتسعير لمنظمة هداسا 800 من بين 1100 مسجل، مشاركتهم في النشاطات الصفية للوكالة. في حركة الشبيبة للمراكز الجماهيرية اليهودية في الولايات المتحدة بقي فقط 100 من بين 600 من ابناء الشبيبة سجلوا للمخيمات الصيفية في اسرائيل، الجالية اليهودية في المكسيك الغت تماما مشاركة ابناء الشبيبة في المخيمات الصيفية. وسيصل من الارجنتين وفنزويلا عدد قليل جدا من ابناء الشبيبة. في بريطانيا ألغى نصف ابناء الشبيبة مشاركتهم. ألغت شركات طيران اجنبية جدول رحلاتها لأن الطواقم يخشون من النوم في اسرائيل. وقد انتقدت اسرائيل مبيتهم في قبرص. (معاريف 1/6/2001). 125 قتيلا اسرائيليا قتل 125 اسرائيليا وأصيب 750 اخرون خلال احداث الانتفاضة من نهاية سبتمبر 2000. وهذا العدد يشمل قتلى عملية تل ابيب، وكذلك 13 عربيا اسرائيليا قتلوا في اضطرابات اكتوبر بنيران الشرطة. (يديعوت اهرونوت 3/6/2001). بقلم: نعيم قداح ـ سفير سوري سابق بالأمم المتحدة