رغم الضغوطات الشديدة التي تعرضت لها هيئة الاذاعة البريطانية من قبل حكومة الكيان الصهيوني واللوبيات اليهودية المنتشرة في مختلف العواصم، إلا ان الـ (بي. بي. سي) خيبت ظن كل هؤلاء وأصرّت على بث البرنامج المصور «المتهم»، الذي يوجه اتهاما مباشرا لرئيس الوزراء الصهيوني ارييل شارون حول مسئوليته عن مذابح صبرا وشاتيلا التي ارتكبت في سبتمبر عام 1982م ابان الاجتياح الصهيوني لبيروت واخراج المقاتلين الفلسطينيين منها. إدانة شارون ليست جديدة، بل سبق وان أدين من قبل لجنة كاهان «الاسرائيلية» خريف العام 1982م، حيث حملته اللجنة المسئولية الشخصية غير المباشرة، عن الفظائع التي ارتكبت في مخيمي صبرا وشاتيلا والتي راح ضحيتها أكثر من ألف من المدنيين العزل. يذكرني برنامج «المتهم» ببرنامج وثائقي آخر سبق لنفس الهيئة بثه بعد مجزرتي صبرا وشاتيلا تحت عنوان «أخبر العالم بما حدث»، حيث كانت الكاميرا تنتقل بين جثث الضحايا الذين قضى بعضهم بالرصاص فيما قتل الآخرون بالسواطير والسكاكين، في أشبه ما يكون بحرب ابادة شاملة، أو هو كذلك بالضبط. وقتها ذهل العالم من تلك المجازر التي توزعت مسئوليتها بين قوات الاحتلال الصهيوني وبين القوات اللبنانية، الذراع العسكرية لحزب الكتائب والتي كان يتزعمها آنذاك ايلي حبيقة الذي كان يحب تكرار مقولة «كنت جنديا في معركة» وكأن قتل المدنيين وهم نيام بعد حصار مخيماتهم هي ساحة معركة! المهم في أمر المجازر الشارونية انها تتكرر اليوم بصورة قد تكون أكثر بشاعة. فهو يستخدم أكثر أنواع الأسلحة الأمريكية فتكا بالمدنيين، ويحاول تصوير الوضع المأساوي في الأراضي المحتلة بأنه حرب يشنها الفلسطينيون على جيشه ومستوطنيه، دون مراجعة للوقائع الدافعة التي تفيد بأنه وجيشه ومستوطنيه ليسوا سوى قوات احتلال يحق لمن يرزح تحت وطأتها أن يقاوم بكافة الوسائل لتحرير أرضه. هذه الوقائع سقطت أيضا من الاعلام الرسمي العربي الذي راح يردد مفردات جديدة ابتكرتها آلة الاعلام الأمريكية والصهيونية. فالمقاومة تحولت إلى عنف، والارهاب الصهيوني تحول إلى «ردات فعل» على «العنف الفلسطيني» والشهداء تحولوا إلى «قتلى».. إلى آخر قائمة المفردات التي يراد لنا ترديدها كالببغاوات لمسح الحقيقة من الذاكرة العربية. هذا الاعلام وبصورته الراهنة الباهتة والذي يخصص أغلب نشراته التي تبث فضائيا لتسجيل النشاط الرسمي بشكل يثير التقزز أكثر مما يوصل رسالة، ويعيد أسطوانة مشروخة ومتكررة منذ عقود ... هذا الاعلام ليس سوى واجهة للموقف الرسمي العربي العاجز عن القيام بأي فعل حقيقي. لكن العزاء في أولئك الأطفال الأبطال الذين يواجهون بأجسادهم الطرية قذائف الاحتلال ورصاصه. رضي الموسوي