منذ إنطلاق شرارة الإنتفاضة في أعقاب تدنيس السفاح شارون للحرم القدسي وما نتج عنها من تصاعد في العمليات الاستشهادية وهناك حالة من الهلع والخوف تسيطر على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما دفع بالبعض منهم - وحسب ما ورد في التقارير الإسرائيلية نفسها إلى الهجرة خارج إسرائيل سواء للولايات المتحدة أو غيرها، هذه الهجرة التي تنامت بصورة متزايدة مؤخرا والتي قدرتها بعض الاحصائيات بأكثر من 30 ألف يهودي، أدت إلى تزايد المخاوف الإسرائيلية من تأثير ذلك على المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وخاصة في ظل وجود تقارير تفيد أن هناك نحو ثلث المجتمع الإسرائيلي يفكرون أيضا في ذلك، وبما يؤدي بمرور الوقت إلى حدوث تفكك وإنهيار شامل في هذا المجتمع، ومن هنا كانت بعض الإجراءات التي إتخذتها السلطات هناك ومنها مصادرة بعض وثائق السفر الخاصة بالمواطنين فما هي إمكانيات أن يحدث هذا الإنهيار مستقبلا؟ وهل تعني هذه الهجرة المضادة فشل الخطة الشارونية لتحقيق الأمن للإسرائيليين؟ قوانين سلوكية يقول د. قدري حفني الخبير في الشئون الاسرائيلية: بداية أريد أن أشير الى أن انتقال البشر من مكان إلى آخر أمر تحكمه قوانين سلوكية علمية يخضع لها البشر جميعا يستوى في ذلك اليهود والمسلمين والمسيحيين، وكذلك البريطانيون والروس والاسرائيليون وهكذا، وهذا عكس ما يروج له الصهاينة من أن اليهود لهم قوانينهم السلوكية الخاصة التي تحكم أفعالهم.. البشر ينتقلون من مكان الى آخر إما فرارا من الخوف وطلبا للأمن نظرا لوجود خطر كبير يتهددهم، أو فرارا من الفقر سعيا وراء الرزق والاشباع واذا طبقنا ذلك على المجتمع الاسرائيلي في الوقت الحالي فسنجد أن الاسرائيليين يشعرون حاليا بعدم الأمان والخوف يتملكهم في أعقاب العمليات الاستشهادية الناجحة التي نفذت منذ بدء الانتفاضة وحتى العملية الأخيرة التي أدت الى مقتل ما يزيد على العشرين اسرائيليا واصابة المئات منهم، ولذلك من الطبيعي أن يخافوا وأن يهاجر البعض منهم الى الخارج فهذا قانون طبيعي ولكن يزاد عليه ان الشعب الاسرائيلي أكثر حساسية، ولذلك كانت هذه الهجرة المعاكسة التي تردد الحديث عنها خلال الفترة الماضية. ويضيف: نعم شارون اخفق في تحقيق الأمن للمواطن الاسرائيلي، ولكن هل صحيح أن شارون كان يبحث فعلا عن الأمن هل كان في ذهنه موضوع الأمن وهو يذهب الى الحرم القدسي وسط الآلاف من الجنود الاسرائيليين وبمباركة ايهود باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية في ذلك الوقت؟.. إن شارون جنرال عسكري وخبرته طويلة في مجال العمل السياسي والعسكري ويدرك جيدا أن الأمن لا يتحقق الا بالسلام فلماذا اذن ذهب الى الحرم القدسي.. ولماذا قام ومازال يقوم بهذه الممارسات اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني.. شارون لم يكن يسعى للأمن من كل الخطوات التي اتخذها سواء قبل مجيئه الى السلطة بالذهاب الى الحرم القدسي أو بعد تسلمه دفة القيادة في اسرائيل بأن تمادى في قصف المدن الفلسطينية مستخدما الطائرات والدبابات والأسلحة والذخائر المحرم أغلبها دوليا شارون كان يسعى لتوحيد المجتمع الاسرائيلي حتى لو دفع الأمن ثمن ذلك، فهو يعرف جيدا أن السبيل الوحيد لتوحيد اسرائيل هو أن تعيش في تهديد مستمر، فهذه الدولة تدفقت عليها موجات كبيرة من المهاجرين من قوميات عدة بعضها ينتمى للشرق وأخرى للغرب وهذه القوميات العديدة في حالة الاستقرار والسلام والهدوء يتحول تفكيرها تلقائيا للمطالبة بامتيازات وحقوق من الحكومة الاسرائيلية ولكن في حالة وجود تهديد يتوحد المجتمع الإسرائيلي كله وهو ما يحدث حاليا حيث أشارت بعض استطلاعات الرأي أن حكومة شارون تحظى بشعبية جارفة خلال هذه الأيام. ويرى د. قدري أن المجتمع الإسرائيلي يتفكك تحت ضغوط السلام وقد حدث بعد أوسلو أن بدأت الجماعات المختلفة هناك في التناحر وظهرت جماعات السلام وغيرها، ولذلك لم يكن أمام السلطة في إسرائيل لكي توحد هذه الجماعات إلا التلويح بالعنف الذي سيقع عليهم ووجود عدو يهددهم ممثلا في الإنتفاضة ولذلك ذهب شارون إلى الحرم محاطا بالجنود الإسرائيليين ورغم تنبيهات الكثيرين له بأن ذلك سيؤدي إلى إندلاع العنف .. لقد أعلن باراك حين إنتخب رئيسا للحكومة الإسرائيلية أن هدفه توحيد إسرائيل ورفع شعار إسرائيل واحدة ولكنه فشل في تحقيق هذا الهدف لماذا؟ لأن مستوى العنف وقتها كان أقل من المطلوب فأسلم الراية لشارون الذي أدرك أنه لكي يحقق الوحدة القومية فعليه أن يرفع شعار الرد على العنف، أما شعار الوحدة القومية فهو من وجهة نظره يفكك المجتمع الإسرائيلي، العنف يجعل الكل يشعر بوجود الخطر وأنه قريب منه وأن عليهم التوحد لمواجهة هذا الخطر وهذا قانون سلوكي معروف. مصالح معينة ولكن إذا كان استمرار العنف هو ما يسعى له شارون من أجل توحيد المجتمع الإسرائيلي فما الذي حدث في أعقاب العملية الاستشهادية الأخيرة؟ ولماذا هرع الأوروبيون والأمريكان إلى المنطقة لاحتواء الموقف؟ يقول د. قدري: أوروبا والولايات المتحدة لكل منهما حساباته ووجودهما في المنطقة لاحتواء الموقف يخضع لأمور عدة ومصالح معينة وهذا أمر معروف ولكن المهم هنا هو ما الذي تغير في موقف شارون والشارع الإسرائيلي بعد هذه العملية فالملاحظ. أنه ورغم أن الشارع الإسرائيلي يعيش في خوف شديد فإنه وبدلا من أن يدعو للتهدئة راح يدعو إلى مزيد من العدوان وضرب الفلسطينيين وما كان يقال عن وجود جماعات سلام داخل المجتمع الإسرائيلي لم يعد له وجود.. إسرائيل مازالت تتصرف وفي ذهنها أن ميزان القوة في صالحها، وعموما لو تصورنا أن هجرة بعض اليهود من إسرائيل إلى الخارج هو نذير بنهاية إسرائيل فنحن هنا نضحك على أنفسنا، فالهجرة لم تتوقف من عام 48 سواء إلى داخل إسرائيل أو إلى خارجها. وفيما يتعلق بإمكانية أن يشهد المجتمع الإسرائيلي تفككا وإنهيارا مستقبلا يقول د. قدري لاشك أن المجتمع الإسرائيلي معرض للتفكك والإنهيار ولكن هذا لا يمنع أن نطرح على أنفسنا عدة تساؤلات حول السر في تماسك هذا المجتمع منذ عام 1948 وحتى الآن رغم وجود كل هذه الفئات والقوميات التي يتكون منها هذا المجتمع نحن إذا تأملنا حالة المجتمع الإسرائيلي ومنذ عام 48 ومن خلال المتابعة والقراءة التاريخية نجد أن هذا المجتمع شهد فترات تماسك وأخرى للتفكك، فمثلا شهد المجتمع الإسرائيلي منذ 48 وحتى 67 فترة تماسك شديدة، ثم حالة تفكك منذ عام 67 في أعقاب حرب يونيو وحتى نهاية 68، ثم عاد للتماسك من 69 لمواجهة حربي الاستنزاف، ومن عام 82 وحتى الآن هناك حالة من عدم التماسك فقد شهدت إسرائيل إضرابات لبعض العمال، ظهرت جماعات السلام، وتعددت المشاكل الصادرة يهود الفلاشا والمهاجرين من الإتحاد السوفييتي ولكن منذ أن جاء شارون إلى السلطة، فالملاحظ أن هذه الخلافات والمشاكل قد ذابت لأن هناك خطرا يتهددهم وهذا يحتاج إلى أن تجرى الدراسات وتطرح التساؤلات ويجتمع المفكرون لبحث ذلك وبحيث لا يتوقف دورنا عند الفرح والإبتهاج عند قيام أحد الفدائيين بتنفيذ عملية استشهادية وكأننا نريد فقط من وراء هذه العمليات أن نشعر بالراحة في حين أن المفروض أن نمارس العنف والمقاومة لنؤلم العدو والذي يحترم كثيرا لغة القوة. ظاهرة تاريخية ومن جانبه يرى د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الإنتفاضة لم تكن سببا مباشرا في تنامي ظاهرة الهجرة المضادة والمعاكسة من إسرائيل خلال الفترة الماضية، فمن وجهة نظره أن هذه الهجرة هي ظاهرة تاريخية وموجودة منذ الهجرات الصهيونية في بدايات القرن الماضي، ومعروف أن هناك نحو 30 ألف إسرائيلي على الأقل يذهبون سنويا إلى الولايات المتحدة إما للعمل أو الدراسة ويحصلوا على الجنسية الأمريكية وبعضهم يفضل الاستمرار هناك في حين يعود البعض الآخر. ولكنه مع ذلك يعود ويقول: قد يكون تنامي الظاهرة خلال الفترة الماضية وبعد إنطلاق الإنتفاضة يرجع إلى وجود عدد من الإسرائيليين الذين يرفضون النهج الذي يسير عليه اليمين المتطرف الذي يحكم حاليا، وقد يكون لديهم من الاعتدال ما يجعلهم يرفضون تلك الممارسات العدوانية التي تقوم بها حكومة شارون حاليا وبالتالي فضلوا أن يغادروا إسرائيل لفترة حتى تهدأ الأوضاع وتعود لسابق عهدها. وحول رأيه في إمكانية أن يشهد المجتمع الإسرائيلي تفككا وإنهيارا مستقبلا يقول د. محمد السيد سعيد: رغم أن الكثيرين يتوقعون ذلك وخاصة في ظل وجود كل هذا الكم من العرقيات والقوميات التي يتكون منها المجتمع الإسرائيلي ولكني مع ذلك لا أوافق على هذا الرأي لأن إنهيار أي مجتمع يتوقف على مستوى الإزدهار والنمو الاقتصادي الموجود فيه، فإذا كان المستوى متدنيا فهناك إمكانية للإنهيار والتفكك في ظل وجود عرقيات وقوميات.. أما بالنسبة لإسرائيل وفي ظل الإزدهار والنمو الاقتصادي حاليا فليس متوقعا حدوث ذلك وخاصة إذا إستطاعت إسرائيل التعايش مع السيطرة عليهم وبالشكل الذي تريده، ودون أن يخرج الأمر عن مجرد حدوث بعض التوتر بسبب إستمرار المقاومة. أي أن موضوع الإنهيار ليس واردا وخاصة أنه لا يوجد نموذج واحد حتى في المجتمعات الحديثة يدل على ذلك ، فالولايات المتحدة تتكون من عرقيات وقوميات أكثر وكذلك استراليا لم يحدث أن إنهارت أي منهما وتشهدان إزدهارا كبيرا. القاهرة ـ مكتب «البيان»: