خسائرهم فادحة، وآثار الانتفاضة تضرب في كل مكان في اسرائيل، ودماء شهدائنا لم تذهب هدراً وتضحيات الشعب الفلسطيني وآلامه تقابلها في الطرف الآخر طعنات ينزف منها الجسد الصهيوني.. ورغم كل الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي فآثار الأزمة تطحن هذا المجتمع الذي قام ليصبح مجرد ثكنة عسكرية تحمل اسم الدولة، والذي لا يستطيع أن يصمد في حرب استنزاف طويلة مهما كانت موازين القوى في صالحه.. هكذا خسر معركة الاستنزاف التي استمرت ثلاث سنوات على الجبهة المصرية عقب حرب 67، وهكذا لحقه العار في جنوب لبنان، وهكذا أوجعته الانتفاضة ومازالت قادرة على هزيمته إذا لم تنجح المؤامرة لإجهاضها. لقد كانت خسائر الفلسطينيين كبيرة، ولكن خسائر اسرائيل أيضا كانت هائلة. وعندما يصل عدد القتلى في صفوفهم الى ما يقارب ربع شهداء الانتفاضة رغم استخدام ترسانة الحرب الاسرائيلية والأسلحة المحرمة.. فهذا إنجاز كبير أرغم أمريكا على التحرك بعد أن وصلت قنابل الانتفاضة الى قلب تل أبيب. أما الخسائر الاقتصادية فقد وصلت الى مليارات الدولارات. والسياحة انخفضت بنسبة 58%، والصادرات الزراعية لأوروبا فقدت 32% من معدلاتها، والبطالة ارتفعت، وشركات الطيران أوقفت رحلاتها، ومعدل النمو المنتظر في الاقتصاد الاسرائيلي هذا العام هبط الى 2% بعد أن كانوا يأملون في أن يكون أكثر من ضعف ذلك. وقد انعكس كل ذلك على الاحساس بالأمن لدى الاسرائيليين. وأصبح ثلثهم يفكر في الهجرة للخارج، وبدأ الكثير من المستوطنين يرحلون عن المستعمرات الاستيطانية، وانخفضت معدلات اليهود القادمين لاسرائيل بمعدل 32.5% وفقا لتقديرات مدير الوكالة اليهودية. لكن كل هذه الآثار لن تعني شيئا كبيرا إذا نجحت المؤامرة لوقف الانتفاضة. وهم يدركون ذلك، ولهذا كان الحرص على وقف الانتفاضة بأي ثمن، ولهذا تحركت أمريكا لتتم «جرجرة» القيادة الفلسطينية الى مفاوضات يقولون أنها لابد أن تكون بلا شروط. إنهم يريدون استعادة «الهدوء» الذي يمكن شارون من تنفيذ مخططاته لإحضار مليون مهاجر جديد خلال السنوات العشر المقبلة، والاحتفاظ بـ 80% من المستوطنات الاستعمارية في الضفة، والسيطرة التامة على القدس الكبرى التي أصبحت تضم 15% من أرض الضفة، وإتمام الاستيلاء على مصادر المياه.. بينما المفاوضات تستمر حتى وصول آخر رجل في المليون مهاجر يهودي ليمارسوا الاحتلال والقهر، وربما إجبار المزيد من الفلسطينيين على النزوح خارج الوطن .. وهذا هو المعنى من إصرار شارون على أن حرب 48 لم تنته بعد. هل نسمح بهذه الجريمة ونوقف الانتفاضة، أم تستمر المقاومة وتتصاعد الانتفاضة بكل ما تتطلبه من تضحيات فلسطينية ومن دعم عربي مادي وسياسي بلا حدود.. هذا هو السؤال؟ جلال عارف