قال الاديب الجزائري المعروف رشيد بوجدرة ان احداث منطقة القبائل الاخيرة في الجزائر جاءت كرد فعل على تردي الاوضاع الاجتماعية والنفسية للشباب مشيراً الى انها تدفع بزخم جديد لوتيرة العمل من اجل نهضة اجتماعية وسياسية في الجزائر. وادان بوجدرة في حوار صريح مع «البيان» ما اسماه تجاوزات السلطة في تعاملها مع هذه الاحداث، لكنه دعا لاستغلال الفرصة المتاحة امام الجميع لبلورة بديل سياسي وثقافي ودعم مسار التقويم الذي يحرر طاقات العمل المبدع في سبيل الخروج من الازمة متعددة الاوجه في الجزائر حالياً. ودعا الكاتب الكبير الصحافة الجزائرية للعب دور تربوي في اتجاه زرع ثقافة السلم عوضاً عن اثارة القلق والخوف في النفوس. وفيما يلي الحوار مع الاديب بوجدرة: ـ ما هي اسباب الغياب النسبي لصوت المثقف في خضم المخاضات العسيرة التي تمر بها الجزائر خاصة احداث منطقة القبائل وعودة الجدل حول ممارسات الجيش الفرنسي ضد الجزائريين اثناء ثورة التحرير؟ ـ أعتقد بأن المثقف لم يكن غائبا. ولكن أشير إلى أنه يجب التفريق بهذا الخصوص بين نوعين من المثقفين عندنا: المثقف الحر والمستقل برأيه وبضميره الذي أضع نفسي ضمنه. وفيما يخصني شخصيا فأنا لم أهتم قط بأية سلطة مهما كانت ولو أبديت ـ في بعض الأحيان ـ نوعا من المساندة لها كفترة حكم بومدين الأخيرة. وهناك من جهة أخرى المثقف الذي يخضع للسلطة وهو بوق لها. وقد وجد هذا النوع عبر جميع مراحل تاريخ الجزائر المستقلة. وأذكر أنني لم أسكت ولو مرة واحدة منذ الاستقلال على هذا حينما أقدر أن الأمر يقتضي مني التصريح بموقفي. وقد قدمت الكثير من التصريحات ووقعت على البيانات وغير ذلك.. وفي تصوري أن القول بغياب موقف المثقف غير صحيح، خاصة في هذا الظرف بالذات.. بالفعل كنا في فترة ما مقيدين ولا يحق لنا الجهر بمواقفنا في أي منبر كان في جرائد زمن الحزب الواحد والصحافة الواحدة. آنذاك كنا ـ والحق يقال ـ مضطهدين. وشخصيا فحتى اسمي كان لا يذكر حتى ولو في سياق ذكر كلام لآخر غيري إلى غاية منتصف السبعينيات، قبل أربع سنوات ـ ربما ـ من وفاة الرئيس هواري بومدين، إذ صرنا نبدي آراءنا حتى المعادية أو المضادة منها دون تضييق علينا من أحد. فالمثقف الحر موجود برأيه ـ ولا أقول المبدعين ـ لأني لا أعتبر نفسي مثقفا بقدر ما أعد نفسي مبدعا. ونحن في هذه البلاد لم نعط قيمة للمبدع وللفنان. من هنا فأنا عندما أقدم تصريحا كالذي نحن بصدده الآن إنما أعبر عن موقفي كمواطن. أما بالنسبة إلى ما أسميته بالمخاضات وخاصة ما أشرت إليه بالتحديد فحقيقة تتعبني، وأتأسف كثيرا إزاءها.. ومع ذلك يجب أن أوضح بأن فيها إيجابيات رائعة؛ لأن أي مجتمع وأي دولة وأي بلد يتقدم ويسير نحو الأمام لا بد له من أن يعرف أو يمر بمثل هذه الأزمات وهذه المخاضات. وقضية أحداث منطقة القبائل، ومع الأسف الشديد على كل الشهداء الذين سقطوا من الشباب وخاصة ـ ومع الأسف مرة أخرى ـ لماذا الدولة الجزائرية ـ ولا أقول السلطة ـ أطلقت الرصاص على شباب أعزل من السلاح؟ لماذا مثل هذا السلوك؟!.. مع ذلك، وفي نفس الوقت أقول عن هذه الأحداث إنها تعطي للجزائر فرصة لخطوة كبيرة إلى الأمام. ـ وربما هي فرصة للمصالحة مع الذات؟ ـ بالضبط.. خاصة أنه لأول مرة ـ ربما ـ لم تستعمل تلك الخلفية المنادية بالاستقلال أو الحكم الذاتي وحتى الخلفية اللغوية.. فلأول مرة ينادي الشباب الجزائري القبائلي ويكررون بصوت عال انتماءهم للجزائر ويعربون عن أنهم يعيشون أزمة سياسية، أزمة اقتصادية، وأزمة نفسية اجتماعية. لقد تابعت تغطيات الأحداث من خلال بعض وسائل الإعلام ولاحظت الإشارة ـ مثلا ـ إلى قضية العلاقة مع المرأة: هناك قطيعة على مستوى العلاقة! فمن هو المخطئ هنا؟ شباب بطال وشبعان. فالشباب عندنا ـ كما قال أحدهم ـ «بطال وشبعان» أو في غير حاجة، بالرغم من وضعيته السيئة. أما بالنسبة إلى العلاقة بالفتيات فالواضح أن الدولة ليست هي التي منعت الاتصال. وهو ما يعيدنا ـ وقد قلتها مرات عديدة قبل اليوم ـ إلى قضية الذهنية الجزائرية. فالعيب فينا نحن. إن هذه الذهنية، وفيما يتعلق بالعلاقة بين الشباب من الجنسين عندنا، تجعل الشاب يقبل بأن يكون على علاقة بأخت صديقه ـمثلا ـ ولا يقبل بأي حال أن يكون صديقه على علاقة بأخته هو؟! وإذا كنت أندد بالتجاوزات الكثيرة التي قامت بها الدولة أو السلطة خلال هذه الأحداث من جانب، فإني من جانب آخر أقول بأنه يجب الاعتراف بأن لنا أيضا ذهنية متخلفة ونعاني منها. فعندما يتساءل ذلك الشاب: لماذا أنا ممقوت ومقموع نفسيا ومحروم ومهمش اجتماعيا، عليه أن ينتبه إلى أنه هو أيضا يمارس نفس السلوك على الآخرين أو الآخر. فكيف تريد أن تستغل الآخرين وتأخذ منهم دون أن تقدم أنت أي شيء؟! والواقع أن لهذا المخاض إيجابيات. فمن خلال هذه الانتفاضة أو الأحداث ـ سمها ما تشاء ـ و انطلاقا منها تغيرت الساحة الجزائرية السياسية وانقلبت رأسا على عقب. فالدولة أو الرئيس أو من وراء الأحداث اليوم ليس بإمكانهم مواصلة طريقهم كما خططوا له قبلها. فلا بد الآن من إعادة النظر من جديد في كثير من الحسابات في اتجاه التغيير... واليوم بالتحديد (الأربعاء 23/05) قرأت في الصحافة بأن وزير النقل تم تعيين وكيل أو نائب له وكذلك وزير الأشغال العمومية، كما أننا بانتظار حكومة جديدة من الممكن أن تكون برئيس جديد من خارج السرايا وبعيد عنها. وعلى كل فستأتي كل هذه الأمور وبسرعة... وأظن أن الرئيس بوتفليقة، وهو رجل ذكي ـ وقد قلتها قبل هذه المناسبة ـ ليس بإمكانه الآن السير على الوتيرة القديمة وعلى هذا النوع من الكتمان والسرية التي كانت سائدة في الستينيات والسبعينيات. فمن الواجب التغيير وهو مآل حتمي سواء أحبت السلطة أو الدولة أو الأحزاب كلها ومنها الأحزاب المتمركزة في منطقة القبائل (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية و جبهة القوى الاشتراكية) أم كرهت. ويكفي أن نشير هنا إلى أن هذه الأحزاب صارت مرفوضة في المنطقة. أما البديل المتمثل في الجماعة أو كما تسمى محليا (تاجماعت) وما إليها، فللأسف جاء بشكل أراه كتقهقر مادامت الأحزاب السياسية ـ في رأيي ـ تمثل ظاهرة حضارية وشكلا من أشكال الحداثة. وإننا نشهد بهذا تراجعا نحو ما يشبه العروشية.. ولكن ليكن الأمر كذلك لفترة معينة. وعلى الجميع من أحزاب الائتلاف وأحزاب المعارضة وخاصة رئيس الدولة عليهم البحث عن بديل جديد؛ بديل خال من أي تمويه أو تستر، بديل واضح وفي شفافية تامة، بديل يستجيب لانشغالات وحاجيات المواطن الواسعة والراهنة. قضية الهوية ـ قلتم بأن التفاعلات المنتظرة لاحقا فيها جوانب إيجابية، وستشمل دون شك مسألة الهوية التي طرحت أثناء الأحداث موضوع حديثنا؟ ـ قضية الهوية بالنسبة إلى مطالب الشباب جاءت في سياق ثانوي ولم تكن ضمن المطالب الأساسية المتمثلة في المطالبة بالديموقراطية والحريات بالعمل وتحرير المبادرة.. وإلى جانبها طبعا قضية الهوية...وقد قلتها فيما سبق: لابد الآن أن يكون للسلطة أو الدولة الشجاعة اللازمة للاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية بعدما صارت بحكم الواقع لغة وطنية. وسترى بعد ذلك مسار الأمور. ولا أخفي عليك أنني كنت أنتظر أن يعلن بوتفليقة ذلك في خطابه الأخير ويستعمل اللغة الشعبية ولم لا بعض الألفاظ الأمازيغية. ولو فعل ذلك لانقلب الشارع من السخط إلى الرضا والهتاف باسم الرئيس.. لكنه لم يفعل. ويبدو لي أنه لا مفر الآن من الاعتراف بالأمازيغية بالرغم من أنها غير مقموعة في الواقع. فهناك نشاط ثقافي أمازيغي عبر الوطن كله وليس فقط في المناطق القبائلية، بل وخارجه أيضا. كما هناك إنتاج فني غنائي وسينمائي و هناك المحافظة السامية وتدريس الأمازيغية في بعض المناطق... ويبقى أن القضية نفسية والذين يتبنون هذا المطلب يريدون كلمة «رسمية». لتكن كذلك... و الحكم بعدئذ يترك للمستقبل إن كانت ستتطور هذه اللغة أم لا. وما دام الأمر بهذه الصورة فالقضية تعد محلولة بمجرد قرار رسمي بترسيمها لا أكثر ولا أقل. الحساسيات الثقافية ـ والاعتراف الرسمي بالأمازيغية هو أيضا تحرير للذات ليس فقط للقبائل ولكن أيضا لكل الحساسيات والطاقات الثقافية الموجودة في الجزائر؟ ـ أولا إن الاعتراف بقضية الثقافة والحضارة واللغة يسهم في إثراء الثقافة الوطنية الجزائرية بشكل عام وليس ثقافة منطقة من هذه البلاد. وأنا لا أرى مانعا من أن تكون في الجزائر مثلا عشرون لغة معترفا بها. فالتعدد ـ في تصوري ـ يعني الثراء والقوة لا الضعف. وهو ما من شأنه تفجير طاقات كبيرة من الناحية النفسية واللاوعي. ولنعترف بأن لا وعينا ظل خامدا ليس بسبب قمعه في فترة ما بعد الاستقلال ولكن أيضا منذ فترة الاستعمار، بل وفترات الاستعمار المتلاحقة التي عرفها تاريخ الجزائر الطويل. وهو ما يخرج الجزائري من قوقعة انطوائه على نفسه وخوفه من الممنوع وكتمانه إلى التحرر والعمل المبدع. وهو ما يعود بالخير على هذا الوطن. ومهما تحركت النوايا المغرضة فإنها لن تحرك شيئا ولن تحقق شيئا من اغراضها الهدامة.. فالجزائر أقوى وأقوى اليوم. ـ وماذا عن المعالجة الإعلامية الجزائرية للأحداث؟ ـ بصفة عامة كانت في مستوى لا بأس به. ولكن في بعض الأحيان كان فيها نوع من الدراما أو المبالغة والزيادات بتلك العناوين الضخمة المثيرة والمهيجة. وهو ما لا يعجبني. وعلى كل فالصحافة الوطنية لعبت دورها وحاولت أن تكون موضوعية إلى حد ما. إلا أن ذلك لا يصرفنا عن إبداء بعض الملاحظات فيما يخص الجوانب السلبية. فيبدو لي أنه بعدما قلت العناوين حول الإرهاب وجدت بعض الصحف من هذه الأحداث أو الانتفاضة مناسبة لـ«المنشيت» الحمراء. ثم هناك هذه اللهجة لدى الصحفيين وخاصة في الافتتاحيات التي تميل إلى العنف في بعض الأحيان، خاصة أنه ليس من المتعذر على القائمين على هذه الصحف الاستغناء عنها. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: