من المشاكل الجدية التي أسفرت عنها عملية التحول إلى اقتصاد السوق في روسيا والتي قام بها الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين وفريق اللبراليين الروس كانت ولا تزال مشكلة تناقص عدد السكان بشكل ملحوظ. ورغم تأكيدات العديد من الباحثين الروس على أن هذه المشكلة بدأت في الظهور في نهاية الستينيات «أي في عهد الاتحاد السوفييتي» إلا أنه يوجد إجماع على أن الانعطاف المخيف حدث خلال السنوات العشر الأخيرة نتيجة انهيار مستوى الصحة العامة والتغذية. وتشير العديد من وسائل الإعلام الروسية بما فيها «اللبرالية» بشكل واضح إلى أن الإصلاحات الاقتصادية على طريقة «يلتسين ورفاقه» كلفت روسيا حياة ستة ملايين من سكانها تقريبا. ويؤكد الكثير من الخبراء على أن المصاعب الاقتصادية هي السبب الأساسي لتزايد معدل الوفيات وانخفاض معدل المواليد. فقد قدر عدد السكان في روسيا منذ عشر سنوات بـ 150 مليون نسمة وفي بداية العام الجاري (2001م) انخفض إلى 144،8 ملايين نسمة. وفي عام 2000 وحده تراجع عدد السكان بمقدار 1.751 نسمة، وهذا بالرغم من أن أعداد اللاجئين والوافدين إلى روسيا كانت اكبر من أعداد المهاجرين منها إلى الخارج. وهذا دفع المعارضة اليسارية والقومية إلى تشبيه هذه النتيجة للإصلاحات اللبرالية في روسيا بعمليات «الإبادة الجماعية» للمواطنين الروس ووصفها بـ«الهلوكوست الروسي». ويرى الباحث الروسي ميخائيل فويكوف أنه خلال سبع سنوات ونصف السنة من إصلاحات السوق مثل التناقص الطبيعي للسكان في روسيا 5.5 ملايين شخص. ويشير إلى أن هذا العدد يعادل عدد سكان بعض بلدان أوروبا مثل الدانمارك، ومن هنا يتوصل إلى استنتاج مفاده أنه «لو افترض أن مثل هذه الإصلاحات جرى تنفيذها في الدانمارك لمات كل سكانها خلال الفترة المذكورة بكل بساطة»، ويربط البعض التزايد المخيف لعدد الوفيات في روسيا بتناقص استهلاك السكان من السلع الغذائية الرئيسية حيث تقلص الاستهلاك المتوسط للفرد خلال 1989 ـ 1999م من اللحوم من 69 إلى 54 كجم و البيض من 309 بيضات إلى 191، واللبن من 396 إلى 231 لترا والأسماك من 21.3 إلى 9 كجم والسكر من 45.2 إلى 27 كجم. وعلى ما يبدو أن هذه المشكلة لن تحل في المستقبل القريب بل تدل كل المؤشرات على أنها سوف تتفاقم وتتزايد حدة. فقد أكد الرئيس بوتين نفسه أثناء رسالته السنوية أمام البرلمان الروسي في بداية ابريل الماضي أن عدد المواطنين الروس في السنوات الـ 20 المقبلة سوف يتقلص بـ 22 مليون نسمة وذلك استنادا إلى تكهنات العديد من المتخصصين. وحسب رأي رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف «فان تفاقم الأزمة الديموغرافية هو انعكاس واضح للمشاكل التي تعانيها روسيا حاليا»، كما أن وسائل الإعلام الروسية وفي انسجام مع تصريحات الحكومة بدأت تقرع ناقوس الخطر وتشير إلى أن عدد سكان روسيا في أواسط القرن الحالي سيصبح مساويا لعدد سكان اليمن على سبيل المثال. ومع الاعتراف بأن الوضع المتعلق بوفيات ومواليد السكان في روسيا يتسم بالتعقيد الشديد، فإن بعض اللبراليين الروس يعارضون الآراء التي ترجع هذه الظاهرة إلى نتائج الإصلاحات الاقتصادية ويدللون على ذلك بأنه رغم المستوى المعيشي والاقتصادي المرتفع تشهد الدول الأوروبية الغربية نفس الظاهرة حيث يوجد أيضا انخفاض في عدد المواليد فيها. ويشيرون أيضا إلى أنه في الجزء الشرقي من ألمانيا (ألمانيا الديمقراطية السابقة) حيث ارتفع مستوى المعيشة بشكل سريع فان مستوى الولادات انخفض بنسبة 50 % مقارنة مع العهد الاشتراكي. ويرى هؤلاء اللبراليون أن هذه ظاهرة عامة تمس معظم الدول الأوروبية بما فيهم الروس وغيرهم . فإذا كانت التقديرات تشير إلى أن عدد الروس سينخفض حتى عام 2005 بنسبة 17%، فان الاوكرانيين ـ على سبيل المثال ـ سينخفض عددهم بنسبة 22 % والايطاليين بنسبة 28% والاستونيين بنسبة 34 % وذلك حتى العام المشار إليه. ويرى البعض من هؤلاء اللبراليين الروس أن الخبرة التاريخية تظهر أن محاولات الدولة لتغيير الاتجاهات الديموغرافية عن طريق تشجيع زيادة عدد المواليد تعطي نتائج متواضعة جدا وان المشاركة النسائية الأوسع في المجتمع أصبحت اكبر من الدور المعطى لتربية الأطفال وأدت إلى تطور العالم في هذا الاتجاه.وبالنسبة لزيادة عدد الوفيات في روسيا وتقليص طول الأعمار فيها، فيرى بعض الخبراء الروس أن هذه الظاهرة بدأت في الستينيات من القرن الماضي. وفي عام 1985 تحسن الوضع بعض الشيء بعد القانون الذي اقره ميخائيل جورباتشوف بفرض حظر نسبي على شرب الكحول. ولكن مع ظهور الخمور مجددا وبشكل أكبر في عهد يلتسين الذي كان مولعا بالفودكا عاد معدل الوفيات ليرتفع من جديد. وفي الوقت نفسه تغيرت بنية الوفيات، فمقارنة مع عام 1984 فان مستواها بين الشباب دون الـ15 عاما والمسنين فوق الـ 75 سنة انخفض بينما ازداد بين أعمار الـ15 و الـ30 سنة و ذلك في المقام الأول بسبب زيادة العنف والإدمان على الكحول والمخدرات. وهذا مؤشر خطير للغاية حيث أن الفئة العمرية التي زاد فيها معدل الوفيات تعتبر المصدر الرئيسي لقوة العمل في أي مجتمع. ويوجد مشروع خطة لدى الحكومة الروسية لتشجيع زيادة عدد المواليد وتقليل عدد الوفيات عن طريق الحوافز الاقتصادية واستقبال المهاجرين من الخارج وخاصة من مواطني الجمهوريات السوفييتية السابقة. وقد قدرت الأمم المتحدة حاجات روسيا من المهاجرين بـ حوالي نصف مليون شخص سنويا وذلك حتى النصف الأول من القرن المقبل. وفي حالة قدوم هذا العدد من المهاجرين إلى روسيا فأنها قد تتمكن من الحفاظ على المستوى الحالي لعدد السكان. وتشير لجنة الإحصاء الحكومية الروسية إلى أن ما يقرب من 4 ملايين مهاجر على استعداد للانتقال للإقامة الدائمة في روسيا خلال الفترة الممتدة حتى عام 2015م. ولكن تظل المشكلة الأساسية أمام المهاجرين هي خلق الظروف المناسبة لهم من سكن ومأكل وعمل وهو ما يصعب توفيره الآن في ظروف روسيا الحالية. موسكو ـ فاروق سعد الدين: