لم توقف وفاة المسئول الفلسطيني فيصل الحسيني المفاجئة خلال زيارته الكويتية في مايو الماضي الجدل حول العلاقات الفلسطينية الكوتية، بل صبت المزيد من الزيت على نار هذا الجدل المشتعلة. الراحل فيصل الحسيني مسئول ملف القدس في السلطة الفلسطينية زار الكويت في اجواء انعكست على الترحيب الشعبي به. فقد استقبل جل الكتاب في الصحف اليومية زيارة المسئول الفلسطيني بانتقادات حادة لمواقف السلطة الفلسطينية منذ الغزو العراقي معلنين عدم ترحيبهم بهذه الزيارة موجهين في ذلك الانتقادات لنواب مجلس الأمة الذين رتبوا لها. أما النواب فما أن بدأ الحديث ثانية في ملف العلاقات مع السلطة الفلسطينية أثناء زيارة الحسيني حتى خرجوا جميعاً بتصريحات معادية للقيادة الفلسطينية وتحول مبنى مجلس الأمة فجأة ومن دون مقدمات إلى مقر للمؤتمرات الصحافية الطارئة وإصدار البيانات المطبوعة، وزاد من حدة الجدل النيابي أن موعد الزيارة قد جاء ليسجل أول سابقة عدم انعقاد جلسة لمجلس الأمة منذ عامين نتيجة لعدم اكتمال النصاب القانوني، وبالرغم من تأكيد رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي عدم وجود أي علاقة بين الزيارة وعدم الانعقاد، إلا أن آراء نيابية أخرى أكدت تعمد أعضاء الحكومة عدم الحضور تجنبًا لمطالب كانت ستقدم خلال هذه الجلسة في حال انعقادها لبحث سياسة الحكومة بشأن ملف العلاقات مع السلطة الفلسطينية خاصة بعد تصريحات وزير التخطيط الدولي بالسلطة الفلسطينية نبيل شعث حول اجتماع جمعه ووزير الدولة الكويتي للشئون الخارجية الشيخ محمد الصباح في العاصمة القطرية الدوحة مؤخراً. من هنا جاءت تصريحات النواب لتحذر الحكومة من بداية تحركات لإعادة العلاقات مع السلطة الفلسطينية مذكرين بموقفها وبمأساة ذوي الأسرى الكويتيين موجهين في ذلك انتقادات مباشرة للشيخ محمد الصباح ومتسائلين عما إذا كان قد حصل على تفويض من الشعب للاجتماع مع نبيل شعث. من هؤلاء النواب: أحمد السعدون، صالح الفضالة، مسلم البراك، وليد الجرى، جمال العمر. هذا خلاف البيانات التي أصدرها بعض النواب وعلى رأسهم جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة والتي أكدوا من خلالها رفضهم التام لأي زيارة مرتقبة لرئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بل وأن بعضهم عمد إلى تحريض الشعب الكويتي على التواجد في مطار الكويت في حال ما تمت هذه الزيارة فعليًا للتعبير عن رفضهم لوجود المسئول الفلسطيني على الأراضي الكويتية. أما أعضاء لجنة الشئون الخارجية الذين اجتمعوا بالحسيني فقد سارعوا في خضم هذا الغضب النيابي إلى التأكيد على أن زيارة المسئول الفلسطيني جاءت للمشاركة في فعاليات المؤتمر فقط، وبحكم مواقفه المعروفة من ملف القدس نافين ما أشار إليه البعض من تحول مؤتمر مقاومة التطبيع مع إسرائيل إلى مؤتمر للتطبيع مع السلطة الفلسطينية، إضافة إلى ذلك سارع هؤلاء النواب إلى إبداء رفضهم استقبال الكويت لياسر عرفات مؤكدين أن أحداً لن ينسى مواقفه السيئة.من هؤلاء النواب: د. وليد الطبطبائي، مرزوق الحبيني، عبد المحسن جمال وفي مقابل الموقف الشعبي ذلك أعلن فيصل الحسيني تفهمه وتقديره لمشاعر من هاجموه ورفضوا وجوده بالكويت وذلك لأن «ما حدث عام 1990 لا يمكن أن يُنسى».واللافت أن المسئول الراحل سعى خلال تصريحاته إلى تحسين الصورة الرسمية للموقف الفلسطيني إزاء الغزو العراقي للكويت قائلاً «لم يكن هناك تأييد للغزو العراقي على الإطلاق بالعكس كان هناك منذ البداية مطالبة بخروج القوات العراقية من الكويت، ولكن ربما كانت معالجتنا لهذه الأمور أخذت منحى لم يكن هو المنحى الأفضل في هذا الأمر». بل أنه أكد في تصريح هو الأول من نوعه لمسئول فلسطيني أن الموقف الفلسطيني هو مع تطبيق العراق قرارات الشرعية الدولية في شأن احتلال الكويت، ومع إطلاق بغداد سراح الأسرى الكويتيين، حيث قال أن الكويت «ستسمع أخبار مهمة عنهم» وذلك بعد أن قام بزيارة إلى مقر اللجنة الوطنية لشئون الأسرى في العراق حيث أبدى تعاطفًا كبيراً مع معاناة ذويهم وذكر أن الفلسطينيين يستطيعون زيارة أسراهم في السجون الإسرائيلية بينما لا يستطيع الكويتيون ذلك. والأكثر من ذلك أن المسئول الفلسطيني الراحل قد اعترف في تصريحاته لأول مرة بأن الغزو العراقي أسهم في تأخير القضية الفلسطينية إلى أقصى حد وأثر سلبًا عليها. إلا أنه وقبل أن تتضح درجة التقبل الشعبي لتصريحات المسئول الفلسطيني جاءت وفاته وما صاحبها من تصريحات فلسطينية لتزيد الموقف سوءاً وتثير مزيداً من الرفض الشعبي لأي تقارب مع السلطة الفلسطينية. فقد صدرت عدة تصريحات عن مسئولين فلسطينيين حمّلوا فيها الكويت مسئولية وفاة الحسيني بسبب الحملة التي شنها عليه السياسيون والصحف، إضافة إلى البرنامج المرهق الذي أنجزه في اليومين الأولين للزيارة، هذا خلاف بعض الإشاعات مجهولة المصدر التي حاولت الترويج لفكرة كون الوفاة ليست طبيعية وأن للكويت يد مباشرة فيها. من هذه التصريحات ما طالب فيها مسئول فلسطيني هو سلطان أبو العينين بإجراء تحقيق في وفاة الحسيني، كذلك ما أدلى به قائد الشرطة الفلسطينية في رده على سؤال حول رفض السلطة الفلسطينية تشريح جثة الراحل في الكويت، إذ صرح قائلاً «لماذا يدنس دم هذا البطل في الكويت». وكان التطور الأهم هو أن حرق متظاهرون فلسطينيون العلم الكويتي أثناء تشييعهم جثمان فيصل الحسيني. وعلى الرغم من تأكيدات العديد من المسئولين الفلسطينيين على أن الوفاة طبيعية وتقديمهم الشكر للحكومة الكويتية لما قدمته من تسهيلات لنقل الجثمان، وعلى الرغم أيضًا من تأكيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي في حركة حماس والشيخ صباح الأحمد النائب الأول ووزير الخارجية الكويتي أن من قاموا بحرق العلم الكويتي «لا يمثلون الشعب الفلسطيني وعناصر شاذة» كذلك وعد وزير الداخلية الكويتي محمد الصباح باتخاذ إجراء واضح في حال التأكد ما إذا كان حرق العلم تصرف «صبياني أم مبرمج». ذلك كله لم ينجح في تهدئة المشاعر الكويتية المناهضة للسلطة الفلسطينية، حيث خرجت معظم الكتابات الصحفية بعد وفاة فيصل الحسيني تؤكد أن رد الفعل الفلسطيني على هذه الوفاة إنما هو دليل آخر على استحالة عودة العلاقات مرة أخرى مع القيادة الفلسطينية. وامتد الجدل الشعبي ليصل إلى فتح ملف ما كان يسمى بـ«دول الضد» من جديد والدعوة إلى مراجعة الموقف الكويتي من إعادة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول. بل أن بعض الأقلام خرجت لتندد بالهوية العربية للكويت وما جلبته له قضاياها من مشكلات. يستثنى من ذلك كتابات بعض السياسيين في عدد من الصحف اليومية التي اتسمت بقدر من الهدوء في مناقشة العلاقات الكويتية-الفلسطينية وإن كانت ركزت في القسم الأكبر منها على مدح شخص المسئول الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني لما له من مواقف مشهودة من قضية القدس ومفاوضاتها العنيدة إلى جانب الحق الفلسطيني.وبوجه عام يمكن تفسير قوة الرفض الشعبي بالكويت لأي تقارب مع السلطة الفلسطينية مقارنة بالموقف من إعادة العلاقات مع دول أخرى كالأردن سبق وأيدت الغزو العراقي للكويت بالنظر إلى ثلاثة أمور: ـ الأول: أن الموقف الفلسطيني المؤيد للغزو جاءت لدولة ظلت سنين طوال الداعم الأساسي للقضية الفلسطينية حيث وفرت لها الغطاء السياسي والمالي، هذا فضلاً عن أن الكويت وحتى الغزو كانت تحتضن من الفلسطينيين ما يقارب سكانها الكويتيين عدداً رغم كل مخاوف التوطين. ـ الثاني: أن الدول التي ساندت الغزو إنما قدمت هذه المساندة إعلاميًا وسياسيًا فقط في حين نجد أن السلطة الفلسطينية قدمت إضافة إلى الدعم السياسي والإعلامي مساندة مباشرة من خلال إشراك قواتها في عملية الاحتلال حيث ساهمت في التنكيل بالشعب الكويتي ولم يحدث حتى الآن أن تبرأ مسئول فلسطيني من هذه القوات وما فعلته. ـ الأمر الثالث والأخير: هو استمرارية المواقف الفلسطينية كما هي بعد مرور عشر سنوات كاملة على الغزو، فلم تتخذ السلطة الفلسطينية حتى الآن أي خطوات تدعم الحقوق الكويتية المعبر عنها في القرارات الدولية ولم تقدم دعوة واحدة لإطلاق سراح الأسرى الكويتيين في السجون العراقية، بل على العكس من ذلك تطلق بعض القيادات الفلسطينية من حين لآخر تصريحات استفزازية ضد الكويت وعلى رأسها زيارة رئيس الدائرة السياسية بالمنظمة الفلسطينية فاروق القدومي ولا تزال صور صدام حسين تتصدر المظاهرات الفلسطينية ولا يزال كذلك الدعم الرسمي قائماً لكل موقف يتخذه هذا النظام العراقي. وفي النهاية ينبغي التأكيد على أن عودة العلاقات بين الكويت والسلطة الوطنية الفلسطينية تتطلب مزيداً من الوقت من ناحية، كما انها مرهونة بتحركات فعلية من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية لرأب الصدع في العلاقات بين الجانبين. الكويت ـ «البيان»: