يتحول الفراغ السياسي الذي يسود الساحة السياسية السودانية ـ تدريجياً ـ الى تشرذم يائس من الوصول الى حلول حقيقية للازمة السودانية المتفاقمة. فقد تكاثرت الانقسامات والانشقاقات بسبب التناقضات التي تنجم عن غياب عمل سياسي ملموس بين الجماهير، اذ يكتفي الزعماء والقادة بالتصريحات والبيانات التي تحاول ملء صمت الفراغ السياسي وبالتالي كثرة الكلام دون فعل ـ مصيرها كثرة الاخطاء وازدياد الجدل. ومن الواضح ان القوى السياسية ـ حاكمة ومعارضة ـ فقدت اي بوصلة سياسية تشير الى الاهداف التي تريد تحقيقها، وغرقت في وحل المبادرات التي تتناسل باستمرار. ولأن الطبيعة ضد الفراغ والجمود، فكيف تحاول القوى السياسية كسر هذا الوضع؟ وسط هذا الفراغ حاول حزب الامة ان يكون هو الاستثناء لاسباب منها دينامية الصادق المهدي وان حزب الامة يقدم نفسه كاكبر حزب سياسي سوداني وذلك استناداً على نتائج انتخابات عام 1986، وانتهت تحركات حزب الامة بعد اكثر من عام بعد عودة كوادره في ابريل الماضي وعودة زعيمه في نوفمبر الماضي، الى رحلة سياحية اكثر منها سياسية بمعنى انها لاتقدم اي جديد غير تكرار مقولات الاجندة الثلاث. كما ان المهدي يقوم بزيارات ولقاءات لا تحصى وكأنها حملة انتخابية في الولايات المتحدة الامريكية. وتثير رحلة المهدي الى امريكا وكندا كثيراً من التساؤلات، اهمها: هل دعوة المهدي ـ في خطاب امام المسئولين عن الشئون السودانية في وزارة الخارجية الامريكية تعتبر جزءاً من الاجندة الوطنية اي السودانية ـ السودانية؟ هل يتسق المهدي مع نفسه حين يرفض التدويل وفي نفس الوقت يقول: على الولايات المتحدة ان تقوم بدور فعال يضمن انهاء الحرب على اسس عادلة والممارسات اللاانسانية من اي طرف، وانهاء التعدي على حقوق الانسان، وانهاء الارهاب وتحقيق السلام العادل والاستقرار الديمقراطي؟ (الرأي العام 9/6/2001 ص 3) اي تدويل اكثر من مطالب المهدي بل هي امركة للقضية السودانية اي وضع الحل في يد امريكا. المتابع لزيارة المهدي لامريكا يلاحظ انه يحاول لعب عدد من الادوار. فقد نصب نفسه وسيطاً بين النظام السوداني والادارة الامريكية، فهو يقدم الصورة الجديدة لنظام الخرطوم. يقول المهدي بأن النظام كان حتى 1997 اقصائياً وله اجندة عقائدية عازلة لكل القوى السياسية الاخرى ولكن بعد عام 1997 حدث تطور نوعي في مسلك النظام حيث قبل ـ نظرياً ـ بالتعددية الدينية والثقافية والسياسية. وطالب بمراعاة هذا التطور في مسلك النظام وتشجيعه. ومن ناحية اخرى اشار الى عجز التجمع الوطني الديمقراطي عن استيعاب الثغرات التي حدثت في مسيرة النظام وعدم مقدرته على الاستفادة من هامش الحريات. وهذه ملاحظة ليست دقيقة تماماً، لأن البعض في التجمع يطالب بضمانات قانونية ودستورية للحريات ولهم الحق. فالنظام كثيراً ما يتراجع عن هذه المنحة او الهبة. ولم ينس المهدي تقديم صورة جيدة لحزب الامة وكأنه يقول بأن في الساحة السياسية الشمالية حزب الامة والنظام فقط. وقد كان المهدي كريماً حين اعلن ترحيبه بتعيين كروكر كمبعوث خاص للسودان واشاد به باعتباره يتمتع بمؤهلات رفيعة وله خبرة كبيرة في بعض النزاعات الافريقية. وبرر المهدي عدم مقابلة باول وزير الخارجية له ولسيد احمد الحسين وللمسئولين السودانيين بقوله: ان عدم مقابلة وزير الخارجية الامريكية لأي طرف من اطراف النزاع يعتبر موقفاً ايجابياً لأن الحياد الامريكي يدفع باتجاه الحل التوافقي!». عاد حزب الامة الى الحل الخارجي من الباب الخلفي، فقد عجز عن تحريك الحل السياسي الشامل من الداخل، لانه اختار دوراً غريباً في بحثه عن الموضوعية والحكمة. اراد ان يكون فوق المعارضة والنظام، وكياناً مختلفاً عن الاثنين وانتهى الى كيان غير محدد النوع في الصراع. كان الجميع يتوقع ان يدفع حزب الامة بحركة المعارضة الداخلية بهدف توسيع «هامش الحرية» الذي تناقص كثيراً. ومن يراجع الصحافة السودانية يلاحظ ذلك دون كبير عناء، ولم نسمع لحزب الامة او للسيد الصادق اي صوت يحتج على التراجع الملموس في هامش حريات الصحافة. لسبب بسيط هو ان هذا التراجع لم يمس حزب الامة مباشرة لانه لم يصدر صحيفة. وفي نفس السياق، تحول الحزب الى مجرد معلق سياسي على الاحداث من خلال التصريحات وخطب الجمعة. ويحرص حتى التعليق على تأكيد ان حزب الامة فوق الجميع. وهذا دور حيادي خطير لحزب في حجم وامكانيات حزب الامة، اذ من المتوقع والمطلوب من حزب الامة ان يلعب دوراً نشطاً لاجل تغيير موازين القوى لصالح الاسترداد السريع للديمقراطية ووقف الحرب، والا يكتفي بالتحديات والتصريحات والخطب. يأبى النظام الا ان يجاري الاخرين في الحل السياحي والاعلاني، فالسيد وزير الخارجية صار وزيراً طائراً تجده في الفضاء اكثر مما تجده على الارض ولكن لا نلمس اي مردود بالذات فيما يتعلق بحل النزاع المسلح في الجنوب اما الايقاد، فيعلم الجميع انها ماتت وشبعت موتاً ولكنها تمثل فرصة جيدة للسياحة الدبلوماسية والسياسية، وقد توقع البعض ان تخيب الايقاد الظنون وتنجح في لقاء بين البشير وقرنق، ولكن البشير في جعلية لا يحسد عليها رفض اعطاء القمة فرصة عقد اجتماع ثنائي. وقد جاء في الانباء انه رفض رداً على افشال قرنق للقاءات سابقة او السؤال لماذا سافر اصلاً اذا كان يرفض اي تفاوض؟ وستكون مستشارية السلام منبراً ممتازاً لهذا النوع من السياحة. فالظاهرة شاملة وامتدت الى كل القوى السياسية بسبب الفراغ السياسي، تهرباً من اي مواقف واضحة. كانت قمة الحل الاعلاني وليس الاعلامي حين طلب النائب الاول لرئيس الجمهورية في برنامج تلفزيوني من محمد ابراهيم نقد سكرتير عام الحزب الشيوعي ان يظهر الى العلن ويمارس العمل السياسي! وقال بالحرف من هذا البرنامج اطلب منه الظهور وممارسة حريته! وهكذا يدار الحل السياسي الشامل عبر الشاشة الصغيرة وكأنه اعلان لمنتجات الصابون او الزيوت. مثل هذه الممارسات هي تزييف للوعي وعدم احترام لعقول المواطنين. فالحل السلمي الشامل او الوفاق هو اجراءات يتم تقعيدها في قوانين تضمن الحقوق الانسانية الاساسية وتساوي بين المواطنين وتحترمهم. هل يتصور النائب الأول ان يسمع سكرتير الحزب الشيوعي نداءه ثم يخرج سريعاً وقد يلحق به والبرنامج مازال مستمراً ليقدمه مؤكداً نجاح الوفاق؟ مثل هذه المواقف والممارسات هي مجرد اطالة او اضاعة وقت على حساب انهاء معاناة الشعب السوداني من اخطاء الانقاذ وتخبط السياسيين. وصارت اللامصداقية سمة واضحة لكل التحركات الدائرة الان. كل هذا التدهور لم يفقدنا الأمل في ان تتعافى الحركة السياسية وان تظهر قوى جديدة لديها رؤى واضحة ووسائل ناجعة للخروج من الازمة الخانقة. على مستوى الممكن، هناك قطاعات كبيرة وافراد كثيرون، قادرون على كسر الحلقة المفرغة، ويبقى الفعل وهذه خطوة صارت لا تحتمل التأجيل. ولابد من قوى ضاغطة ذات مصلحة حقيقية تنهي هذا العبث في اتجاه حل سياسي شامل خروجاً على الحلول السياحية والاعلانية. بقلم: حيدر ابراهيم علي