لاشك ان الوضع الاقتصادي العربي بعمومه لايدعو الى التفاؤل، ورغم ارتفاع اسعار النفط في العامين الاخيرين ارتفاعا كبيرا، وضاعف تقريبا من المردود الناجم عن هذه السلعة الاستراتيجية، الا ان آثارها لم تحدث تحسنا واضحا في اقتصادات الدول العربية المصدرة للنفط، او للدول التي تستفيد عادة من هذا الوضع، مثل الاردن، ولبنان، والمغرب، وتونس، ومصر، ولو استعرضنا الدول العربية لرأينا ان حالة من الركود تعم فيها، وان معظمها يناضل لمواجهة القضايا الاساسية التي تواجهها معظم الدول النامية في العالم، ومن اهم هذه القضايا حسب ترتيبها هي البطالة، العجز في الموازنة العامة، وارتفاع نسبة المديونية. وهذه كلها تصب في بعضها البعض، ولو نظرنا مثلا الى بند البطالة لادركنا انه مؤشر يعطي دلالات كبيرة ويمكن المقارنة بين ارتفاع نسبة البطالة من ناحية ومرض من ناحية اخرى، حيث ان كليهما قرض وعارض لامور اخرى كثيرة، فارتفاع اعداد المواطنين في اي دولة يشكل حالة اقتصادية مرضية بحد ذاتها، ويكشف عن ثغرات كبيرة مثل عجز السياسات التعليمية والتدريبية والتربوية، وفشل في سياسات الهجرة وخلل في التركيبة الانتاجية، او انه مجرد حالة طارئة في اقتصاد متحرك ومتنقل من مرحلة الى مرحلة اخرى، ولكن هذا البديل هو سمة الاقتصادات المتطورة، ولا اظن ان ايا من الاقتصادات العربية يستطيع ان يفخر ان بطالته مؤقته وليست هيكلية. ومن المتوقع ان تتفاقم مشكلة البطالة في السنوات المقبلة مع تزايد عدد السكان وتراجع نسبة الفرص المتاحة للعرب في اراض عربية اخرى، والتشدد في التخلص من البطالة الوافدة، وازدياد المنافسة الاقتصادية بين الدول العربية على نفس الاسواق. وفي الوقت ذاته نرى ان السياسيين مضطرون لتوسيع ابواب الانفاق في موازناتهم لاهداف اقتصادية واجتماعية وكذلك لاسباب امنية سياسية. فهنالك في الدول العربية الظاهرة الخطيرة ان الدورة الاقتصادية تعتمد دائما على حجم الانفاق العام، ويستفيد من هذا الانفاق ثلاث فئات: الاولى المقاولون وكبار التجار، والثانية الموظفون في الجناحين المدني والعسكري والثالثة فئات المحرومين ومحدودي الدخل، ويعتمد كل منهم على الاخر، فالتاجر يعتمد على انفاق الموظف والمستهلك، والمقاول يغطي نفقاته من المشروعات العامة، والحكومة تأخذ من الضرائب الناجمة عن وتيرة المبيعات، واذا كانت الضرائب قليلة، فهذا يعني ان الحكومة تعتمد على المبيعات واذا كانت الضرائب قليلة، فهذا يعني ان الحكومة تعتمد على موارد خارجية مثل النفط او المساعدات، ولذلك فإن اي تقلص في الانفاق العام سيعني خسارة كبيرة للاقتصاد، في الوقت الذي يعني في زيادة الانفاق التوسع في العجز لان مردود الضرائب قليل بالقياس الى زيادة الانفاق، وهكذا وقعت الموازنات في المصيدة وهذه اشكالية كبيرة. اما الديون الخارجية فهي ناجمة عن سعي الحكومات لمواجهة متطلباتها التنموية والامنية، وهذه في الدول العربية غير متوازنة، اذ ان المتمعن في القروض الخارجية يرى ان غالبيتها ناجمة عن البعد الامني، وهنالك فكرة مضحكة وهي ان مجموع القروض التنموية رصدها لا يشكل عبئا على كواهن الموازنات وبالامكان التكفل بها، اما الانفاق الخارجي الامني فهو المعضلة الكبرى. ووسط كل هذه الاشكاليات الثلاث، نرى ان اي زيادة في الموارد العربية الخارجية سرعان ما تشفط وتختفي في جب الانفاق الذي لايأتي بفوائد مباشرة على الاقتصادات العربية، ان هذه حالة جو مقلقة ومثيرة للقلق وجرس الانذار يجب ان يقرع. اذا كانت الزيادة في الموارد النفطية بالبلايين لايحدث فرقا، ولايحول دون استمرار الركود الاقتصادي، فهذا يعني اننا بحاجة ماسة الى نظرة اقتصادية جديدة ثاقبة. بقلم: د.جواد العناني