يتداول الناس مثلا يمنيا كلما شعروا باجراء تعسفي، هذا المثل يقول: «حكم بني مطر في سوقها» وهو اشارة الى الاحكام التي يكيفها هوى الخصم المهيمن حيث يصبح الخصم خصما وحكما واداة التنفيذ القهري ولايكون امام المظلوم سوى التنفيذ «ورجله على راسه» كما يقول اخواننا في مصر. سوف نستعير اليوم هذا المثل الشعبي اليمني لنصنف به ديمقراطية الانظمة الدكتاتورية التي تخضعها النخب الحاكمة لنهج «حكم بني مطر في سوقها» وسوف نضرب مثلا على ذلك من الوطن الذي تعيش في جزء منه قبيلة بني مطر. قبل ما يقرب من ست سنوات نشرت صحيفة الشورى مقالة لكاتب يمني جاء في بعضها ما استوجب رفع دعوى قذف من قبل من مسته المقالة، وصدر حكم المحكمة بجلد رئيس التحرير وكاتب المقال ومنعهما من الكتابة ومزاولة العمل الصحفي لمدة عام كما حكم القاضي باقفال الصحيفة وحكم على الكاتب ورئيس التحرير بدفع تعويض مئة الف ريال للمجني عليه وتم تجميد الحكم سياسيا، وخلال هذه الفترة مات رئيس التحرير رحمه الله وقدر رافع الدعوى الموقف فتنازل ضمنا عن دعواه وتواصل صدور الصحيفة، لكن قرارا سياسيا لاعلاقة له بالقضاء كان قد اتخذ باقفال صيحفة الشورى «الصحيفة المعارضة الاولى» تحت اي مبرر ولاي سب وجاء القرار عبر وزير الاعلام السابق وعبر رئيس لجنة الاحزاب واجهزة اخرى شجعت عناصر منشقة من حزب اتحاد القوى الشعبية فاصدرت صحيفة الشورى الحمراء وبادر وزير الاعلام السابق حارس بوابة الكلمة فأصدر قرارا بإيقاف صحيفة الشورى الخضراء والحمراء واصدر امره للمطابع بعدم الطبع وحتى تبت لجنة الاحزاب في تقريرها من هو الحزب المقبول لديها. تلكأت لجنة بني مطر في سوقها في اصدار حكمها وتوقفت صحيفة الشورى لما يقرب من ستة اشهر ولم تعد الا بقرار سياسي. اليوم وبعد كل هذه السنوات وبعد ان ذهب كل في حال سبيله تذكرت النيابة رعاها الله وحماها ان في مخزونها التراكمي حكم بموجبه تستطيع اقفال الشورى من جديد وبشكل خاص بعد ان شنت اكبر حملة صحفية على التعديلات الدستورية التراجعية والتي يحتمل ان تقوم بنفس الشيء عند انزال التعديلات المقترحة لقانون الانتخابات وبتاريخ 11/6/2001 ارسلت النيابة الى ادارة صحيفة الشورى رسالة تطلب منها الحضور لاقرار حكم المحكمة الصادر بتاريخ 18/5/2000 والذي يقضي بجلد المرحوم عبدالله سعد رئيس التحرير الذي مضى له ميتاً ما يقرب من عامين وجلد اخيه عبدالجبار الذي تنقل خلال الفترة في وظائف حكومية عديدة، واقفال صحيفة الشورى لستة اشهر اخرى وقبل ان تستلم الصحيفة الحكم وتطلب حق الالتماس وتثبت ان محاميها لم يسقط حق الشورى في الاستئناف كما صنع عبدالله عسيد واخيه عبدالجبار قبل كل تلك الاجراءات ارسلت نيابة الصحافة حامية حرية التعبير الى المطابع بعدم طبع الشورى رغم ان النيابة قد اعطت محامي الصحيفة اسبوعا كمهلة، وتوقفت صحيفة الشورى لان الارادة قائمة وبصرف النظر عن تنازل صاحب الدعوى، وهذا يذكرنا بقصة احد الحكام الذي لجأ اليه اخوان لحل النزاع بينهما على ارض ورثاها، قرر الحاكم ضرورة السفر في الصباح الى المنطقة المتنازع عليها لرؤيتها على الطبيعة، في المساء اصلح الله حال الاخوين فاتفقا وفي الصباح توجها الى القاضي وقالا له الحمد الله لقد أنهينا الخلاف بيننا ولم يعد هناك لزوم لنزولكم الى المنطقة، فثار القاضي وقال في غضب لايمكن قبول هذا، فقد سافر القلب وواضح ان القلب قد سافر بالنسبة لاقفال الشورى، ألستم معي انها ديمقراطية بني مطر في سوقها؟ لقد شعرت بالأسى والحزن لا لاقفال الصحيفة، فالشورى قد تعودت على ذلك، ولا للتراجع اليومي الذي نشهده في هذه المرحلة عما بقي في عروق الديمقراطية بعد الذبح، فهذه قصة نضال طويل ولايصح الا الصحيح، ان الاسى والحزن في النفس ناتج عن هيمنة السلطات التنفيذية في امتنا على القضاء وانصراف المجتمع الاسلامي عن قيم وتعاليم دينه السامية حين نتأمل اوامرا في الالتزام بالعدل نجدها حازمة جازمة «ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» ويحذرنا الله من تجنب العدل كنتيجة لكراهية أو عداوة «يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى» ويحذرنا الله من تجنب العدل كنتيجة لقرابة فما بالك حين نتجنب العدل تزلفاً، أو خوفاً، أو طمعاً في مال أو جاه «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا» أكثر مما سبق يأمرنا الله بالتزام العدل ولو على أنفسنا «يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين». يا ترى ما الذي سوف يجنيه علماء السلطة في المجتمع الاسلامي، من خزي في الدنيا والآخرة .. وأي تاريخ أسود يخلفونه لأولادهم وأحفادهم، وأي مجتمع غاب يرسون قواعده لأمتهم .. إن غلطة الجاهل يسترها الجهل وغلطة العالم مضروب لها الطبل؟! اللهم إنا لا نسألك رد القضاء .. ولكننا نسألك اللطف فيما قضيت. بقلم : محمد عبدالله المتوكل