صدرت في الكويت مؤخرا دراستان حول الامن والاستقرار في دول الخليج، اكدت الاولى التي اعدها مجموعة من العسكريين ان قيام حربين متتاليتين في هذه المنطقة الحيوية لم يعرض فقط امنها للخطر بل اثبت فشل اطراف النزاع في حل خلافاتهم بطرق سلمية. اما الدراسة الثانية التي اعدها د.صالح عبدالرحمن المانع استاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود فقد تناولت مسألة تعزيز الثقة كجزء اساسي في بناء هياكل سياسية وعلاقات اقليمية مستقرة. وشددت الدراسة التي اعدها اللواء البحري الركن شامي بن محمد الظاهري، واللواء الركن احمد بن محمد الربيعان، والعميد الركن علي بن محمد الشريف من رئاسة الاركان في المملكة العربية السعودية، في ندوة نظمها مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية التابع لجامعة الكويت، على انه ينبغي ان يكون هناك توازن معقول في القدرات العسكرية بين كل من دول المجلس كمجموعة، وايران والعراق، لتعزيز الثقة أو بنائها، وضمان تحقيق الامن في المنطقة ووضع آليات محددة لتحقيق ذلك، واشارت الدراسة إلى الاهمية الاستراتيجية لدول الخليج العربي التي تقع في الركن الجنوبي الغربي من قارة آسيا، بين ذراعين مائيين ممتدين من المحيط الهندي، هما الخليج العربي والبحر الاحمر، وهذا الموقع يتميز من الوجهة العسكرية بعدة ميزات، فهو موقع متوسط بين قارات العالم القديم (آسيا، وافريقيا، واوروبا) ويتصل بالعالم الجديد (الامريكتين واستراليا) ببحار مفتوحة، وهو يتوسط اليابسة والماء والشرق والغرب، ويتصل بالمحيط الاطلسي، ثم ان دول الخليج العربية تطل على مضائق بحرية في غاية الاهمية وهي مضيق هرمز وقربه من مضيق باب المندب ومضائق تيران، وهذه المضائق تتصل بصورة فريدة بالمضائق التركية ومضيق جبل طارق من خلال قناة السويس، يضاف إلى اهمية الموقع العسكرية ما تتمتع به دول مجلس التعاون الخليجي من عمق عسكري كبير، وتباعد المناطق الحيوية، ووجود الحرمين الشريفين في ارضها مما يضفي قداسة روحية للمكان في قلوب المسلمين ورهبة في قلوب الاعداء، ثم انه تحققت على اراضي دول مجلس التعاون الخليجي مكتسبات مهمة تخدم المجهود العسكري كالبنى التحتية الجيدة من موانيء بحرية وجوية وطرق وخدمات طبية وخدمات اسناد اخرى، وفيما يتعلق بالخليج العربي فقد شكل ممرا مائيا لجميع الحضارات التي قامت في العالم القديم والحديث، ووصفه احد المؤرخين البريطانيين بقوله «ما من بحر متداخل في اليابسة كان ومازال موضع اهتمام كبير للجيولوجي وعالم الآثار والمؤرخ والتاجر، ورجل الدولة ولدارس الاستراتيجية اكثر من المياه الخليجية»، وباكتشاف النفط في منطقة الخليج العربي زادت اهميته الاستراتيجية. وعلى الصعيد العسكري، يعتبر النفط مادة حيوية لا تجاريها مادة اخرى، يقول «اوكونور» في كتابه (امبراطورية النفط)، «من يملك النفط سيملك العالم، لانه بفضل المازوت سيسيطر على البحر، وبفضل بنزين الطائرات سيسيطر على الجو، وبفضل بنزين السيارات سيسيطر على البر، بل اكثر من ذلك، انه بفضل الثروات الخيالية التي يمكن ان يجمعها من النفط سيتحكم بقطاعات اقتصادية كاملة»، ولهذا تولي المؤسسات العسكرية النفط اهتماما بالغا وتتخذ الاجراءات الكفيلة بتأمينه، حيث يقدر الطلب العسكري العالمي على النفط ما بين 2.5 ـ 4.5 ملايين برميل يوميا، أي مايعادل 5% من الاستهلاك العالمي للنفط تقريباً، وهذه النسبة سترتفع بدون شك في حالة الحرب، ومع ان النفط مصدر طاقة ناضب الا ان معظم الدراسات تذهب انه سيبقى اهم مصدر للطاقة حتى منتصف هذا القرن. ويحتل اهمية كبيرة من وجهة النظر العسكرية لعدة اسباب، اولها انه مصدر للطاقة والوقود لآلة الحرب منذ الحرب العالمية الاولى ولايزال يتعاظم إلى يومنا هذا، ثانياً انه احد عوامل النصر أو الهزيمة في الحروب، وثالثا ان النفط احد اسباب اندلاع الحروب أو هدف من اهدافها المباشرة وغير المباشرة. وبتطبيق ما تقدم عن النفط على منطقة الخليج العربي يتضح انه بقدر ما حقق النفط لدول المنطقة من تقدم ورخاء وتطور وازدهار في جميع مناحي الحياة، الا ان احدا لايستطيع ان ينكر انه كان سببا في كثير من التوترات في المنطقة. ولذا فان ضمان الامن والاستقرار والسلام في منطقة الخليج العربي، وبسبب النفط وحده، يتطلب حسابات دقيقة محلية ودولية تهدف إلى تحقيق توازن بين مصالح الدول المنتجة ومصالح الدول المستهلكة. صفات مشتركة واشارت الدراسة إلى ان دول مجلس التعاون تتمتع بعدد من الصفات المشتركة التي تؤهلها لايجاد صيغة ما من التعاون والتكامل والتضامن لخدمة دوله والمنطقة بكاملها، لتحقيق اقصى قدر ممكن من الامن والاستقرار، ومن هذه الصفات، وحدة الدين واللغة والتاريخ والموروث التراثي والروابط الاجتماعية وتشابه الانظمة السياسية ووحدة المستقبل، بالاضافة إلى تماثل مصادر التهديد، وقد ساعدت هذه الصفات وغيرها على قيام المجلس الذي اعلن في 25 مايو 1981، وقد جاء قيام المجلس انطلاقا من حاجات وظروف وحقائق ملحة وموضوعية تهدف إلى توفير الامن والاستقرار والحفاظ على مكتسبات الدول الاعضاء، بالاضافة إلى تطورات خطيرة ساعدت على الاسراع في انشائه، واهم هذه الاحداث هي: ـ الصراع الدولي على منطقة الخليج: شكل الغزو السوفييتي لافغانستان سنة 1979، تهديدا محتملا للثروة النفطية في الخليج، وتزامن ذلك مع انهيار حكم الشاه في ايران وقيام جمهورية ايران الاسلامية، التي كان من الصعب قراءة توجهاتها منذ البداية، ونتج عن ذلك تغيير جوهري للسياسة الامريكية في المنطقة. ـ الحرب العراقية ـ الايرانية، وكانت هذه الحرب ترمي إلى تغيير الاوضاع السائدة في المنطقة سياسيا واقتصاديا، وهو امر لو تحقق لأدى إلى فوضى شاملة لايمكن التنبؤ بمداها ونتائجها، ولأفسح المجال للقوى الخارجية للتدخل لضمان سلامة مصالحها. ـ الضعف العربي، تداعت حالة الامن العربي لاسباب عدة منها الحرب الاهلية اللبنانية، ومعاهدة كامب ديفيد سنة 1979، بين مصر واسرائيل التي تسببت في تصدعات عميقة في العلاقات العربية ـ العربية، ثم جاءت الحرب العراقية ـ الايرانية لتزيد جراح الامن العربي، وهذه الاسباب وغيرها من الصراعات والتنافسات العربية ـ العربية اضعفت أو ربما اخفت الامن العربي المأمول، مما دفع دول المجلس الست إلى السعي لتوفير امنها بذاتها من خلال مجلس التعاون. ـ الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، تعتبر منطقة الخليج العربي اهم المناطق حيوية في العالم لاسباب عدة لعل اهمها الثروة النفطية، ولذا كان لزاما على دول المجلس ان تشارك القوى الاقليمية والدولية في المحافظة على هذه الثروة وتوفير الامن والاستقرار في المنطقة بما يخدم مصالح الدول المنتجة والمستهلكة في سياسة متزنة بعيدة عن الاهواء والاهداف المبالغ فيها. وقد حقق مجلس التعاون الخليجي منذ تشكيله نجاحات عديدة اقتصادية، وسياسية وعسكرية، ولارتباط الانجازات السياسية والعسكرية بموضوع البحث، فانه يحسن الايجاز عن بعض تلك الانجازات، ففي المجال السياسي، تعتبر انجازات المجلس في هذا الجانب من اهم وابرز انجازاته التي اتصفت بالحكمة والرغبة في تحقيق الامن والاستقرار في منطقة الخليج، ومن شواهد ذلك موقف دول المجلس من الحرب العراقية ـ الايرانية وبذل مايمكن لتقصير امد الحرب وحصرها في اضيق الحدود، ثم حرب تحرير الكويت التي ادت إلى استعادة دولة الكويت وعودة الشرعية اليها، كذلك موقف الدول الاعضاء المشرف من القضية الفلسطينية منذ بدايتها وحتى جهود السلام القائمة، يضاف إلى ذلك جهود دول المجلس في بعض القضايا الاخرى كالحرب الاهلية في لبنان، والتخفيف من معاناة الشعب الصومالي وغير ذلك، كما ان للمجلس نشاطا في دعم منظمات الامم المتحدة المختلفة وله علاقة بالمنظمات والهيئات الاقليمية الاخرى مثل منظمة الوحدة الافريقية والاتحاد الاوروبي. اما عن الانجازات العسكرية فمع ان دول المجلس تؤكد ان تجمعها في هذا الاطار ليس موجها ضد احد، الا ان الجانب العسكري والامني من الجوانب التي اهتم بها المجلس، ومع ما تحقق من انجازات في هذا الشأن الا ان الآمال لاتزال كبيرة في تحقيق انجازات اوسع واشمل في القطاع العسكري باعتباره الوسيلة الفاعلة التي بواسطتها يتحقق الامن. وقد توصل الباحثون إلى عدة استنتاجات لعل من اهمها: ان امن منطقة الخليج العربي يعتمد في المقام الاول على ابنائه، مع عدم تجاهل مصالح المجتمع الدولي، وضرورة الوصول إلى حلول نهائية لما تبقى من الحدود المختلف عليها في المنطقة، ونجاح الوسيلة الدفاعية لدول المجلس، ثم اهمية ابقاء منطقة الشرق الاوسط خالية من اسلحة الدمار الشامل، وان يصار إلى توازن عسكري معقول في المنطقة يسهم في تحقيق الامن فيها. دعم الامن الخليجي اما الورقة البحثية التي قدمها د.صالح المانع في ندوة استضافتها جامعة الكويت تحت عنوان «سبل ومداخل دعم الامن والسلام والاستقرار في منطقة الخليج والجزيرة العربية»، فقد اشارت إلى ان علاقات حسن جوار تخدم شعوب المنطقة وتجنبها التوترات وويلات الحرب. وقال د. المانع انه ظهر خلال الثمانينيات والتسعينيات اهتمام عظيم باجراءات بناء الثقة على المستويين السياسي والعسكري في مختلف ارجاء العالم، عبر المنظمات والتكتلات الاقليمية والدولية الاخرى. وقد طبقت اجراءات بناء الثقة في بلدان كثيرة وفي صراعات اقليمية متعددة، ونجحت في مناطق معينة من العالم مثل جنوب افريقيا وامريكا اللاتينية، ولكنها لم تنجح في مناطق وصراعات اقليمية اخرى مثل الصراع الهندي ـ الباكستاني، والصراع العربي ـ الاسرائيلي. وظهرت اجراءات الثقة بالاضافة إلى الصراعات والتوترات الثنائية والاقليمية، كجزء مكمل لاتفاقيات شاملة لمنع استخدام الاسلحة الكيماوية أو البيولوجية. اجراءات بناء الثقة ـ اجراءات بناء الثقة كنتيجة لضغوط خارجية: تنظر الدول الكبرى إلى اقاليم معينة من العالم على اساس انها اقاليم غير مستقرة، وتحاول هذه الدول فرض نوع من الاستقرار على تلك الاقاليم لاحتواء الازمات فيها، أو ايجاد حلول سلمية لاسباب الصراع فيها، ولعل المنطقة العربية، والصراع العربي ـ الاسرائيلي قد شهدا عملا دؤوبا منذ مؤتمر مدريد عام 1991، لايجاد قنوات جماعية لتخفيف حدة اي مواجهة عسكرية محتملة، وكذلك لحمل الاطراف على تطبيق علاقاتها، وايجاد قنوات عن طريق الدول الثالثة، لجمع القادة العسكريين على طاولة المفاوضات، وقد نتج عن ذلك اجتماعات متتالية ومجموعات عمل للجنة ضبط التسلح على مستوى المفاوضات المتعددة المسارات، وذلك في الفترة من عام 1992 وحتى عام 1995. واعقب ذلك عمل مواز قامت به دول الاتحاد الاوروبي لانشاء علاقات سلام في حوض البحر المتوسط، ضمن سياستها التي اعلنت عام 1995، وعرفت بالسياسة المتوسطية، وبينما تهدف السياسة المتوسطية إلى ايجاد سوق اقتصادية مشتركة تربط تلك المنطقة بدول الاتحاد الاوروبي، الا ان احد اهدافها غير المباشرة هو تطبيع العلاقات بين العرب واسرائيل، عن طريق ما يسمى باجراءات بناء الثقة، وعقد اجتماعات دورية بين وزراء خارجية هذه المنطقة، ووزراء خارجية الاتحاد الاوروبي. ـ اجراءات بناء الثقة كنتيجة لتطور توجهات اقليمية مشتركة: تزعمت حكومة جنوب افريقيا في اوائل التسعينيات، وبعد تحولها إلى دولة ديمقراطية تحكمها الاغلبية السوداء، حركة دؤوبة لخلق هياكل اقليمية لتعزيز الثقة بين الدول الاقليمية في جنوب القارة السوداء، وقد عملت حكومة جنوب افريقيا برئاسة الرئيس مانديلا على تطوير منظمة التنسيق التنموي للجنوب الافريقي «سادك»، من منظمة تهتم بزيادة التبادل التجاري بين اعضائها، إلى منظمة تتبنى معايير للتعامل السياسي والدفاعي وتمنع اي عضو من اعضائها من التوسع على حساب جيرانه، أو احتلال اي من اراضيه، وقد كانت اجراءات بناء الثقة هذه اجراءات اقليمية ظهرت بمبادرة ذاتية محلية دون تدخل الدول الكبرى، وكان ذلك جزءا من التحول الديمقراطي في اكبر دول جنوب القارة، والتي اخذت تعهدا على نفسها يمنع تكرار التجاوزات العسكرية التي كانت تمارسها الحكومة البيضاء بحق جيرانها. وبالمثل كان هناك تطور ثنائي عميق في منطقة الخليج العربي قادته كل من المملكة العربية السعودية وايران، وكانت اجراءات الثقة الاقليمية هذه محددة في اجراءات سياسية وايماءات دبلوماسية، نتج عنها عقد مؤتمر القمة الاسلامي في طهران وزيارات زعماء البلدين لعواصم الدول الاخرى، وبالرغم من وجود بعض التحفظات على مثل هذا التقارب بين الدولتين، فان هذا التقارب قد قاد إلى استقرار نسبي في الخليج، وساعد في زيادة وتيرة التبادل التجاري منذ منتصف التسعينيات بين الدولتين إلى ثلاثة اضعافه، بالرغم من عدم تحمس الدول الكبرى المهيمنة على هذه المنطقة لمثل هذه السياسات، وذلك التقارب. ـ اجراءات بناء الثقة ليست بديلا عن الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الاطراف: تحمس العديد من الدول الكبرى والقوية لهذه الايديولوجية، لانها تخدم في المقام الاول الوضع القائم ولا تحاول تغييره، أو المساس به، ومع انتشار هذا الاعتقاد توفرت اموال كثيرة للصرف على مشاريع بناء الثقة الاقليمية خاصة في منطقة الشرق الاوسط والصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتخصصت مراكز معينة في الولايات المتحدة، مثل مركز ستمسون في مدينة واشنطن «العاصمة»، وغيرها من المراكز الاقليمية في مصر والاردن على سبيل المثال، في هذا المجال، وبمعنى آخر اصبحت صناعة اجراءات بناء الثقة صناعة صغيرة تدر على اصحابها من المنظمات والهيئات غير الحكومية، مبالغ جيدة تضمن دفع اجور العاملين فيها، وتساعد هذه المراكز على عقد ندوات دورية، هدفها الاساسي التطبيع، ووسائلها البحث في مسائل تناقش في جدول اعمال مجموعة ضبط التسلح «الايكر» في المحادثات المتعددة المسارات بين اسرائيل والدول العربية. نماذج غير ناجحة وهناك نماذج غير ناجحة لبناء الثقة ومنها تلك التي وقعت بين الهند وباكستان عام 1991 «والتي تعد تجديدا لاتفاقيات وقف اطلاق النار عام 1972»، والتي اعتمدت وسائل عسكرية متعددة لتخفيف احتمال نشوب حرب طارئة بينهما. وبالمثل وقعت السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية، وبرعاية الولايات المتحدة، على سلسلة طويلة من اتفاقيات اجراءات بناء الثقة على المستوى العسكري الامني، ومنها عقد اجتماعات دورية بين مسئولي الامن بين الجانبين، وتبادل المعلومات، وتسيير دوريات مشتركة على الارض الفلسطينية، وانهارت هذه الاجراءات لانها لم تحم المقدسات الاسلامية، ولم تحم المواطنين الفلسطينيين العزل الذين اصبحوا هدفا للصواريخ والطائرات الاسرائيلية. التنافس الاقليمي وقد شهدت السنوات الخمس الماضية تطورا مهما في تخفيف حدة التوتر في الجزء الجنوبي من الخليج العربي وبين شاطئيه الشرقي والغربي، وكان التقارب السياسي بين المملكة العربية السعودية، وايران الركيزة الاساسية لانفتاح ايراني على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكان هدف ايران من ذلك تخفيف حدة العزلة السياسية التي تعاني منها، ودرء اي ضربة جوية محتملة ضد اهدافها المدنية والعسكرية، خاصة ضد برامجها النووية، ومفاعلاتها، وبالمقابل عمدت دول مجلس التعاون إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي على القيادة الجديدة في طهران، وذلك كجزء من بناء اطر ثنائية من الثقة المتبادلة، ولتعزيز علاقاتها مع جارتها الاسلامية، وتباينت درجات الحماس بين دول الخليج العربي تجاه التحسن الثنائي في العلاقات. وتتحمس الادبيات الايرانية في ايجاد هيكل كامل للامن الاقليمي لمنطقة الخليج العربي بعيدا عن التدخلات الاجنبية، ويبدو ذلك موجهاً لتخفيف حدة اي تهديدات لايران حتى تستكمل بناء مفاعلاتها النووية، ومعامل التخصيب، ويظهر لأي محلل محايد ان فكرة انشاء هيكل متكامل للامن الاقليمي، ومع انها فكرة متميزة في المدى البعيد، الا ان هناك عقبات حقيقية، تعرقل مسيرتها، ومن اهم هذه العقبات الوضع في العراق، وكيف يمكن ايجاد حل للازمة القائمة بينه وبين الولايات المتحدة وقواتها في المنطقة، وبينه وبين دول الخليج العربية، خاصة دولتي الكويت والمملكة العربية السعودية. كما ان التوجه الايراني الايجابي نحو دول الخليج لم يقترن بعمل حقيقي في مجال الآليات العسكرية لتعزيز الثقة بين الجانبين، ومن ذلك تقليص حجم المناورات العسكرية الايرانية في منطقة الخليج، والتحول من منظور الردع كمبدأ عسكري يسير السياسة الدفاعية، إلى مبدأ تعزيز الثقة المتبادلة بين الهيئات العسكرية بين جانبي الخليج، ومع ذلك فان هناك بعض اجراءات الثقة التي تبنتها ايران في ربيع عام 2000، وذلك حين بدأت بعض الشركات النفطية الايرانية في التنقيب عن الغاز في مناطق بحرية كويتية، وقرار ايران الايجابي بتجميد اعمال التنقيب هذه حتى الانتهاء من رسم الحدود البحرية بينها وبين دولة الكويت، وقد سمح تحييد القوة العسكرية العراقية منذ بداية التسعينيات لكل من ايران وجيرانها في دول مجلس التعاون على خلق اجواء ايجابية، وثقة في قدرتهما العسكرية الحالية، مما ساهم في خلق جو سياسي دافيء من العلاقات بينهما، وتصر ايران على ضرورة تخفيض حجم المشتريات العسكرية لدول الخليج العربية، بينما لا تشير إلى قدراتها الذاتية في الانتاج العسكري، وترى الدول الخليجية بأن اعتمادها على اسلحة الدفاع الجوي، وضعف القدرات العسكرية لقواتها البرية، يحتمان عليها تعزيز قدراتها الدفاعية في المجال الجوي، وقد لعب التراجع في اسعار النفط منذ منتصف الثمانينيات دورا في كبح جماح اي توسع ملموس في ميدان المشتروات العسكرية لكلا الطرفين، الا ان تحسن الاسعار الحالي ربما يقود الجانبين الايراني والخليجي، للتوجه لسباق تسلح اقليمي مكلف. نموذج جديد ويبدو من النقاش السابق ان منطقة الخليج العربي بحاجة إلى تبني نموذج جديد لبناء اطر الثقة والامن بين اعضائها، ومثل هذا الاطار لا يمكن ان يبنى بين ليلة وضحاها، فهناك حاجة ماسة لفهم مخاوف كل دولة من الدول الاعضاء، وهناك حاجة لتخفيف هذه المخاوف عن طريق الانتهاء من رسم الحدود الفاصلة بين كل منها، وايجاد حلول للمشكلات العالقة، مثل قضية احتلال جزر الامارات، كما يمكن وضع الارضية الثقافية والسياسية لزيادة الاتصال والتفاهم بين شعوب المنطقة، عن طريق المعارض التجارية والمحاضرات والندوات، وكذلك تبادل الافلام وعرضها في اقنية التلفزيون الوطنية، وكل ذلك من شأنه ان يقلص من المخاوف ويزيد من معرفة ثقافة الاخر وحضارته. ويمكن ان يلي ذلك وبشكل تراكمي ايجاد وسائل فاعلة لتخفيف المخاوف من المناورات العسكرية، والعمل على تخفيف حجم هذه المناورات، وتبني سياسات تقليص الاستعداد العسكري ومرابطة القوات على جانبي الخليج، أو بالقرب من الحدود المشتركة. ويمكن كذلك تعظيم التعاون الوظيفي في مجالات مفيدة لكل الاطراف ففي الوقت الحاضر هناك منظمة اقليمية خليجية هدفها المحافظة على سلامة بيئة الخليج ومياهه، كما ان هناك سلسلة من الاتفاقيات الامنية، هدفها محاربة تهريب المخدرات في المنطقة، وهي التي تمثل تهديدا اجتماعيا لكل دولة من الدول المطلة على هذه البحيرة، ويمكن ايضا التوصل إلى اتفاقيات ثنائية بين المملكة العربية السعودية والحكومة الايرانية لتفتيش امتعة الحجاج الايرانيين، وتشميعها قبل مغادرة هؤلاء الحجاج المطارات الايرانية، بحيث يمكن لهم التوجه مباشرة لاداء مناسكهم دون أي تأخير في التفتيش في المطارات، أو المنافذ البحرية. ويمكن لايران بدورها أن تدعو عددا من المختصين في الدول الخليجية لزيارة منشآتها النووية، والتأكد من عدم تحويل البلوتونيوم فيها للاستخدام في اغراض عسكرية، كما يمكنها السماح لعدد من الطلاب الخليجيين لدراسة الفيزياء النووية في جامعاتها المتخصصة بهذه الدراسات. ويبدو ان النقطة الاساسية في اي بناء للثقة، هو وجود نية صادقة وحقيقية للتعايش السلمي، وعدم التهديد بالهيمنة، وهو ما يخدم جميع الاطراف المطلة على هذه البحيرة المهمة في الاقتصاد الدولي، وفي اقتصاديات هذه الدول، كما ان اي نموذج ناجح لا يعتمد بالضرورة على انشاء هياكل مؤسسية وبيروقراطية مكلفة وغير فعالة، بل على قيام تفاهم ثنائي ومتعدد لتجنب اللجوء إلى اسباب اثارة التوتر، والنزوع إلى ايجاد حلول سلمية مناسبة للمشاكل القائمة، أو التي ستظهر في المستقبل. الكويت ـ زكريا عبدالجواد: