تحت عنوان «الصراع العربي الاسرائيلي: رؤية مستقبلية» قدم المفكر العربي المصري استاذ العلوم السياسية بجامعة عين شمس د. عبدالعظيم انيس محاضرة في مؤسسة عبدالحميد شومان بالعاصمة الاردنية عمان. وقد اجاب دكتور انيس عن سؤاله حول ضرورة الاهتمام بالصراع العربي الاسرائيلي بقوله: «الان كل طريق يبحث في النهضة العربية لابد ان يصطدم بهذا الموضوع». واضاف ان التنمية العربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمستقبل المنطقة سلماً او حرباً، وقضية الهوية العربية تتوقف ايضاً على هذا الصراع. وقال د. انيس ان وقتاً قد جاء تصور عنده الواهمون اننا على ابواب تسوية ما، واخذوا يدعون الى التطبيع مع العدو ويبشرون بما اسموه «ثقافة السلام». ويركزون بالمؤتمرات الاقتصادية الشرق اوسطية التي تشترك فيها اسرائيل. وكتاب بيريز عن هذا الموضوع ليس ببعيد، وكذلك جماعة كوبنهاجن. ورغم أن المفكر العربي يؤكد بان هذا الكلام لم يعد مطروحا الان، إلا انه أكد طرحه منذ سنوات قليلة، بدعم أمريكي و اوروبي. ويضيف: تصور البعض ان الهوية العربية يمكن ان تنزوي في الركن امام الانفتاح الاسرائيلي على الوطن العربي اقتصاديا وثقافيا وسياسيا. ويؤكد المفكر العربي بان العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والتنموية في الوطن العربي ممتزجة بطبيعة الصراع امتزاجا كليا، مشيرا إلى انه حتى قضية الديمقراطية و مستقبل الأنظمة الحاكمة العربية تتوقف على بحث موضوع مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي. ويضرب د. انيس مثالا على ذلك بالقول لقد ظهرت في سوريا حركة مثقفين ينادون بالديمقراطية والمجتمع المدني، وكانت وجهة نظر مخالفيهم انهم اداروا ظهورهم بهذه المطالب لقضية الصراع العربي الاسرائيلي وان أي بحث لقضية الديمقراطية في سوريا معزولة عن قضية الصراع مع اسرائيل لا بد ان يكون بحثا خاسرا. هذا من حيث سوريا أما في مصر فيقول من المعروف تاريخيا ان تغيير النظام السياسي في مصر بحركة الضباط الاحرار كان احد نواتج حرب فلسطين عام 1948 وكان الضباط المصريون الذين حاربوا هناك وفي مقدمتهم عبد الناصر قد ادركوا أنه لا بد من تغيير النظام اذا اريد إصلاح احوال البلاد، والاستعداد لمواجهة اخرى مع اسرائيل. وبالتالي فان الطريق الى تحرير فلسطين قد يمر بعواصم عربية عدة على حد تعبيره. القضية اذن تجعل الاهتمام ببحث مستقبل الصرا ع العربي الاسرائيلي مسألة أساسية امام القوميين واليساريين والاسلاميين العرب أي أمام كل المناضلين العرب. وفي تحديده لما يقصده من كلمة مستقبل يقول اثبتت الاحداث في السنوات والشهور الاخيرة ان هناك منهجين في النظر الى السؤال عن معنى المستقبل. أما المنهج الأول فيتعلق بنظرة الانظمة الحاكمة العربية التي توهمت ان التسوية على الأبواب، تلك التي سايرت الاعتقاد الغربي، ومنه حرص كلينتون قبل ان يترك البيت الابيض على ان يتولى تحقيق هذه التسوية حتى يكتب له في التاريخ ما يعوض عن سقطته في مسألة مونيكا والتي ادت الى المحاكمة أمام مجلس الشيوخ وكادت ان تخرجه من البيت الابيض، فضلا عن طموحه الى نيل جائزة نوبل للسلام. ولهذا ظن كلينتون ومساعدوه انه سوف ينجح، والمعروف أنه طلب من الرئيس مبارك الضغط على عرفات لقبول مشروع كلينتون ورفض مبارك وفشل مشروع كلينتون، وكانت الصخرة التي اجهضت مشروعه هي قضية السيادة على الحرم الشريف وقضية اللاجئين. صراع طويل الامد على أن المنهج الاخر حسب قول الأكاديمي السياسي فهو الذي يتمسك به العديد من الوطنيين العرب ويقوم على رؤية ان الصراع العربي الاسرائيلي طويل الأمد، وانه مرشح لان يستغرق عقودا عديدة اذا اريد له تحقيق تسوية عادلة حتى في حدها الادنى، أي إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على الضفة والقطاع عاصمتها القدس بحدود ما قبل سنة 1967. ويرى الدكتور اصحاب هذا المنهج بأنهم المؤمنون أن الصراع طويل لان الاستعمار الاسرائيلي هو استعمار استيطاني زرعه الغرب في أرضنا وهدفه الاول بالطبع الاستيلاء على الارض العربية والتوسع تدريجيا في هذا الاستيلاء ولم يعرف استعمار استيطاني في القرون الاخيرة تمت هزيمته في امد قصير، لدينا تجربة فرنسا في الجزائر التي دامت مئة وثلاثون عاما الى ان انتهت بتحرير الشعب الجزائري، ولدينا تجربة روسيا التي دامت نحو قرن من الزمان، وتجربة الاستعمار الاستيطاني في جنوب افريقيا الذي دام اكثر من ثلاثمئة عام. ويضيف أن هذه التجارب الاستيطانية قد انتهت بالفعل بالهزيمة للغزاة، لكنها استغرقت وقتا طويلا بسبب طابعها الاستيطاني، وقد ادت هزيمة بعضها الى حركة عصيان في الجيش الفرنسي، وتحمل ديجول مسئولية الحكم في باريس، وهو الذي ادرك انه لا مفر من التسليم باستقلال الجزائر. ويرفض الدكتور انيس سحب تجربة الاستعمار الاستيطاني في الامريكيتين على طبيعة الصراع العربي الصهيوني وقال في ذلك : إذا ظن انه يمكن ان يرد على هذا بالاشارة الى الاستعمار الاستيطاني في الامريكيتين في القرن الخامس عشر والذي نجح ودام حتى اليوم، قلنا ان الظروف مختلفة تماما، فالمستوطنون الاوروبيون كانوا يفوقون عدد الهنود الحمر بكثير. والسلاح في يد المستوطنين متفوق جدا على اسلحة الهنود الحمر (البنادق والمدافع في مقابل السهام والرماح) وقد عمد الاوروبيون الى القتل الجماعي بالهنود الحمر عن طريق نشر جراثيم أمراض الحصبة وغيرها بينهم، وهي امراض لم يكونوا يعرفونها، وهذا ما يصعب استخدامه اليوم امام الرأي العام. التفوق العسكري ويضيف د. انيس عقبة أخرى تضاف إلى مجموعة العقبات التي ستمنع من ايجاد تسوية عادلة للصراع وهي عقبة التفوق العسكري الإسرائيلي. فهو وان يطيل امد نجاح الصهاينة في السيطرة هو في المقابل يدفع الصهاينة أنفسهم إلى رفض أي تسوية عادلة ما داموا هم الاقوياء ذلك لان الاسرائيليين قبل حكامه لا يقبلون بأي مشروع للتسوية العادلة ما دام التفوق العسكري متاحا لاسرائيل و مادام الغرب وخصوصا واشنطن تدعمه. إضافة إلى أن الحسم العسكري غير متاح لصالح العرب في الاجل المنظور نظرا للتفوق العسكري الاسرائيلي والدعم الامريكي الدائم لهذا التفوق عدة وعتادا ورجالا إن لزم الامر، وفي مثل هذه الظروف لايبدو لي ان الحرب النظامية (جيوش دول) مفيدة للعرب، وإنه قد يضطر اليها عنوة ولا مفر عندئذ من اللجوء الى أساليب جماهيرية من نوع المظاهرات والاضرابات والعصيان المدني والمقاومة الشعبية المسلحة الى حرب العصابات. ويشير المفكر المصري إلى ذلك بالقول لقد اثبتت تجارب الشعوب في العصر الحديث الى ان اللجوء الى هذه الاساليب لا بد ان يستغرق زمنا طويلا قبل ان يسلم المستعمر بهزيمته، وفي حالة اسرائيل نضيف ان عنصر الزمن ليس قطعا في صالحها فالزمن يلعب ضد مصلحة اسرائيل، وإسرائيل بطبيعة تكوينها وتركيبها يهمها ان تحسم صراعها معنا في زمن قصير، وباقتناص سريع، واسرائيل تدرك هذه الحقيقة. ولذلك فهي في سباق مع الزمن لضمان بقائها في المنطقة، وهي حريصة على انتزاع اعتراف فلسطيني بالغاء الميثاق الوطني، وعلى التنازل عن قرار الامم المتحدة 181 الخاص بالتقسيم، وعلى الغاء قرارها 194 الخاص باللاجئين وكل هذه علامات على ان الزمن الطويل ليس مع اسرائيل. وفي تعريفه لهذا ا لصراع بعيدا عن النظرة الآنية يقول انه صراع حضاري وتاريخي بمعنى انه يمكن النظر اليه باعتباره الغزوة الصليبية الثانية للغرب للارض المقدسة إسلاميا ومسيحيا بعد فشل الغزوة الاولى في القرنين الثاني عشر والثالث عشر (الغزوة الصليبية) ولان كذلك المجتمعات العربية كلها وليست الجيوش وحدها بمخزونها الثقافي مدعوة لان تكون مساهمة اساسية في هذا الصراع، والمجتمع الفلسطيني بالفعل في هذا الموقف اليوم، والشعوب العربية تدعمه وان كان من المطلوب ان ينظم هذا الدعم شعبيا ويتسع نطاقه اكثر مما هو اليوم. وطالب الدكتور انيس إلى ضرورة إطلاق سراح العمل الشعبي العربي وقال مع النضال السلمي والمسلح الذي تتميز به الانتفاضة الفلسطينية اليوم ثمة حاجة ماسة الى ان يرتفع مستوى العمل الشعبي العربي في دعم الانتفاضة الى افاق اعلى بكثير مما هي عليه اليوم. وأضاف ان من الضروري تنظيم لجان شعبية وطنية في كل قطر عربي ولجنة عربية على المستوى القومي للقيام بالدعم الجاد للانتفاضة بالمال والسلاح والرجال، وبتنظيم مقاطعة السلع الاسرائيلية قطعا والامريكية قدر الامكان والضغط لتنفيذ قرار مؤتمر قمة عمان بمقاطعة اسرائيل تماما. وتساءل: اليس من العار ان لجنة المقاطعة التابعة للجامعة العربية فشلت في عقد اجتماع لها بدمشق لعدم توفر النصاب القانوني من الاعضاء. مشيرا إلى أن بعض الانظمة العربية لا تريد ان تنفذ قرارات القمة الخاصة بالمقاطعة، وحادثة تهديد إيران بمقاطعة المؤتمر الاسلامي في الدوحة إن لم يغلق المكتب التجاري الاسرائيلي هناك، ثم التأكد ان هذا المركز مفتوح حتى اليوم في قطر وانهم ادعوا آنذاك غلقه خير مثال على ذلك. غضب أمريكا ويعبر عن مستوى عمل هذه الأنظمة بالقول إن هذه الانظمة لاتريد اغضاب واشنطن حرصا على مصالحها المالية على أن الانظمة المطبعة نفسها معرضة من ناحية اخرى لغضب شعوبها عليها، وما يمكن ان تجره هذه النقمة من هبات جماهيرية. وفي هذا السياق دعا المفكر المصري الانظمة الحاكمة العربية على وقف كل أشكال التطبيع مع إسرائيل حفاظا على استقرارها. إضافة إلى كونها أيضا مدعوة إلى ان تسير وفق المطالب الشعبية وتفتح الباب للتغيير السلمي والمنظم في نشاطها لدعم الانتفاضة الفلسطينية بدلا من التضييق عليها وحصارها كما يحدث اليوم. وخاطب الدكتور الشعوب العربية بالقول ان بعض الحكومات العربية في يدها أسلحة تستطيع ان تضغط بها على الغرب وخصوصا واشنطن من اجل تدخل اكثر انصافا لقضية الفلسطينيين التي لاتزال دول الغرب ترفض اعتبار الانتفاضة بأنها نضال تحرير ضد الاحتلال الاسرائيلي يتبنى بعضها وجهة النظر الشارونية التي تزعم بأنها أرض متنازع عليها وليست ارضاً محتلة. ويفسر الدكتور انيس قوله بان العرب قادرون على الضغط من خلال سلاح النفط الذي استخدم عام 1973 في حرب اكتوبر، والمطلوب اليوم ليس اكثر من قرار يخفض انتاج النفط بمقدار الخمس مثلا. فلو اتخذ مثل هذا القرار لاحدث ضجة كبرى في عالم الاقتصاد الغربي ولسارع المسئولون في الغرب الى اتخاذ مواقف اكثر ايجابية من الانتفاضة الفلسطينية ومن التعنت الاسرائيلي. إلا أن المفكر العربي لايقصر السلاح العربي على النفط بل يرى ان هناك أسلحة موازية أيضا وهي الاموال العربية الضخمة الموجودة في بنوك الغرب. ويتساءل: اليس من العيب ان يظل هذا الوضع قائما بينما العديد من المجتمعات العربية في امس الحاجة الى استثمارات توظف لتحقيق التنمية. وأكد د. عبد العظيم انيس أن المطلوب من الحكومات العربية ان تتخطى سياسة الادلاء بالتصريحات الداعمة والاكتفاء بهذه التصريحات كابراء ذمة وان تخرج من هذا الجو الى جو العمل الحقيقي لدعم الانتفاضة. ويرى أن اهم ما يصدر عن مؤتمر عمان هو اقتراح رئيس اليمن بتكوين لجان شعبية في كل قطر لدعم الانتفاضة ثم المصالحة التي جرت بين السوريين والفلسطينيين، ثم قرار احياء المقاطعة لاسرائيل اذا نفذ تنفيذا حقيقيا ولم تتهرب بعض الحكومات من التزامها بهذا القرار. دور منظمة التحرير وحول إلتفاتته إلى منظمة التحرير الفلسطينية ودورها في الصراع العربي الإسرائيلي يقول: لااعرف وقتا يحتاج الى العناية بدور منظمة التحرير الفلسطينية، وتجديد شبابها مثل اليوم، فالوحدة الوطنية بين كافة الفصائل الفلسطينية قومية ويسارية واسلامية مسألة اساسية اذا اريد لهذه الانتفاضة ان تستمر وان تؤدي دورا اساسيا وعسكريا مشرفا، ومع ان الصراع الحالي مع العدو طابعه العام قومي الا ان علينا ان نعترف بوجود عنصر ديني في هذا الصراع فإسرائيل دولة دينية، وهذه الحقيقة هي التي تجعل لتنظيمات مثل «حماس» و «الجهاد» و «حزب الله» دورا بارزا، وعلى أي حال فقد اثبتت هذه التنظيمات وجودها الفعلي في الساحة واكتسبت تأييداً جماهيريا ملحوظا. ويتصل بهذا الشأن ضرورة الاشارة الى الدولة الاسلامية ايران ودورها الممكن في أي استراتيجية توضع لمواجهة العدو، فإيران حليف طبيعي لحركة النضال العربي، وهي قادرة على دعم أي مشروع قومي عربي في مواجهة المشروع الصهيوني دعم معنوي ودعم مادي، وشاهدنا على هذا أن طهران القوة التي دعمت حزب الله في لبنان وأنها العاصمة الوحيدة التي احتضنت مؤخرا مؤتمرا شعبيا لمناصرة القضية الفلسطينية ولذا فليس من المفهوم مثلا ان العلاقات الديبلوماسية العادية لم تعد بين القاهرة وطهران حتى اليوم. ويشير د. انيس إلى أن الحديث عن منظمة التحرير لا يختص بقضية الوحدة الوطنية التي تكون المنطقة بمثابة مظلة واسعة لها فحسب، وانما ينبغي الاشارة صراحة إلى حاجة هذه المنظمة إعادة تأكيد ثوابتها الوطنية التي تخلى عنها البعض في اوسلو وغيرها، وان تؤكد من جديد ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو جزء لايتجزأ من الصراع العربي الاسرائيلي، وان افكار استقلالية القرار الفلسطيني قد عفا عليها الزمن، وهي تتناقض مع ما يجري كل يوم في الساحة العربية الان على أي حال. وطالب في هذا السياق المنظمة تجديد شباب قيادتها وتصعيد بعض القيادات الوسطى التي برزت في الآونة الاخيرة الى مستوى القيادة وسلطة اتخاذ القرار والتمسك بالشفافية في عملها واخراج عناصر الفساد منها. مشروع قومي عربي وفي محور حول الحاجة إلى مشروع قومي عربي في مواجهة المشروع الصهيوني قال إن القناعة بالامد الطويل حتى يحسم الصراع تفرض علينا ضرورة التسليح بتفكير استراتيجي في هذا الصراع. وهذه الفرضية هي التي جعلت البعض يؤمنون بأهمية العمل على بناء مشروع قومي عربي في مواجهة المشروع الصهيوني. ويؤكد المفكر العربي إلى أن ذلك يتأتى من الحاجة إلى التنسيق العسكري بين دول المواجهة على الخصوص اعني مصر والاردن وسوريا ولبنان في المحل الاول، بمعنى توفر اجهزة مشتركة لتبادل المعلومات والخبرات وترتيب مناورات مشتركة والتدريب على استخدام السلاح. وان هذا النوع من الجهد سوف يكون مفيدا جدا في امد العمل البعيد، لكننا لا يمكن ان نستبعد تماما ان يصل جنون شارون وحكام اسرائيل بالهجوم على سوريا او لبنان، حتى ولو كان هذا احتمالا محدودا حتى اليوم، مشيرا الى الهجوم الاسرائيلي مؤخرا على قاعدة الصواريخ السورية في لبنان وتهديدات وزير الدفاع الاسرائيلي الاخيرة. أما مصر فيقول عنها أنها تعيد تأكيد تصريحات المسئولين انها لاتريد الحرب ولا تفكر فيها وان كانت قواتها مستعدة لردع أي هجوم محتمل لكن المأزق المصري قد يتبدى اذا تحققت المخاوف القائمة في عواصم عديدة من ان يقوم شارون بالهجوم على سوريا او لبنان لقد استماتت اسرائيل عام 1979 في المعاهدة المصرية الاسرائيلية على اخراج مصر من الصراع العربي الاسرائيلي وهذه الحقيقة هي التي جعلتها تغزو لبنان عام 1982 وهي مطمئنة الى هدوء الجبهة الجنوبية وقيل يومئذ عن لبنان قد دفع فاتورة كامب ديفيد. فهل تسكت مصر اذا حصل هجوم على سوريا أو لبنان اليوم او في المستقبل القريب؟ سؤال خطير يطرحه د. انيس على العرب جميعا. ويقول اقترح بعض الصحفيين المصريين وأعضاء مجلس الشعب إلغاء معاهدة كامب ديفيد كما الغى مصطفى النحاس معاهدة 1936 عام 1951 مع انه هو الذي وقعها عام 1936 لكني اعتقد بصعوبة إلغاء كامب ديفيد فالإلغاء يعني الحرب بين الدولتين على الارجح ومن غير المتصور اقدام حكومة مصر على هذا اللهم إلا إذا وقعت المنطقة كلها في حرب شاملة وهذا ما لن تسمح به حكومة واشنطن في رأي المسئولين المصريين. أما فيما يتعلق بالنقطة الأخرى في موضوع الحاجة إلى مشروع عربي قومي في واجهة المشروع الصهيوني فيصفها المفكر العربي بالقول هناك حاجة أيضا إلى التقدم الجاد نحو تحقيق وحدة اقتصادية عربية وسوق عربية مشتركة على الاقل بين دول المواجهة وسوق عمل مشترك دون حواجز. ويضيف أن هذا التقدم الجاد نحو الوحدة الاقتصادية تدريجيا وعلى اسس شعبية هو العاصم الحقيقي لكثير من دول المواجهة من التفريط في سيادتها ازاء الغرب وهو المقدمة الطبيعية لتحقيق وحدة عربية على اسس سليمة تتجنب اخطاء الماضي الكبيرة في تجربة الوحدة بين مصر وسوريا زمن عبد الناصر. ويشير د. انيس إلى شعور عام بين المثقفين العرب بدأوا يرونه في السنوات الاخيرة وهو الحاجة الملحة الى استراتيجية صحيحة واقعية في نضالنا مع العدو الاسرائيلي ولهذا تبنى مركز دراسات الوحدة العربية هذا العمل الجليل في السنين الاخيرة بالمؤتمرات التي دعا اليها واصدر من خلالها مجموعة من الوثائق التي تمثل اجتهادات جادة من مثقفين عرب بقضية مستقبل هذا الصراع، ومناقشة موسعة النطاق لهذه الاجتهادات من مثقفين عرب يمثلون كافة التيارات الوطنية اليوم قومية او يسارية او اسلامية. وأشيد على وجه الخصوص بجهود مدير عام المركز الدكتور خير الدين حسيب بالاوراق الثلاث الخلفية التي اعدت لهذا الغرض وهي: 1- نحو استراتيجية وخطة عمل للصراع العربي الاسرائيلي ـ بقلم د.مجدي حماد. 2- القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي: استراتيجية ـ بقلم د.برهان الدجاني. 3- ممكنات ومستحيلات الصراع العربي الصهيوني: نحو مستقبلية ـ بقلم د. عبدالاله بلقزيز. صراع وجود وفي محوره الأخير تساءل د.عبد العظيم انيس أي حل ينبغي ان نسعى اليه؟ وقال أن صراعنا مع إسرائيل هو صراع وجود وليس صراع حدود و الارض التي عشنا عليها آلاف السنين زرعناها بدمائنا ودفن فيها اجدادنا تتعرض للاغتصاب بحجة اوهام ورؤى دينية يهودية مدعومة من بعض الجماعات البروتستانتية الغربية عن عودة السيد المسيح بعد تأسيس مملكة اسرائيل. إلا انه عاد وأكد أن الصراع مع اسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود وهذا لا يعني اننا نسعى لالقاء اليهود في البحر كما حدث مع الصليبيين في القرن الثالث عشر على يد السلطان خليل بن قلاوون الذي انهى وجودهم وممالكهم في الشام، وانما اتطلع في نهاية المطاف الى دولة ديمقراطية تضم العرب واليهود معا لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات يكون الحكم فيها للاغلبية على طراز ما حدث في جنوب افريقيا واتصور في مثل هذا الحل ان يبقى اليهود الشرقيون (سفارديم) وقد يتجه اليهود الغربيون ( اشكباز) ربما بعضهم الى الهجرة الى الغرب خصوصا هؤلاء الذين لن تكون لهم مصالح اقتصادية تحتم عليهم البقاء. وقد عرض التاريخ حقبا مختلفة كانت العلاقات بين المسلمين واليهود على خير ما يرام وساهم الطرفان في تحقيق انجازات ثقافية علمية وفلسفية وتكنولوجية عديدة افاد منها الغرب كثيرا. وعندما قام الاوروبيون بطرد المسلمين من اسبانيا ومصادرة ممتلكاتهم وقتل العديد منهم خصوصا من رفض تغيير دينه فعلوا نفس الشيء مع اليهود وخروج المسلمين واليهود الى شمال افريقيا هربا من مذابح الاوروبيين وربما تشير هنا لكثرة النسبية لليهود في شمال افريقيا وخصوصا المغرب التي هاجر منها الآلاف من اليهود في الحقب الماضية واستقروا في مصر. فالدولة الفلسطينية المستقلة على الضفة والقطاع وعاصمتها القدس هي المرحلة الاولى لانه الحل الانسب علميا في الظروف الدولية والاقليمية التي نعيشها وقيام هذه الدولة بالفعل سيسمح لاول مرة بتحقيق تعاون بين القوى العاملة في اسرائيل التي لا تتميز باعداء التاريخي للعرب وبين الدولة الفلسطينية الجديدة، وتنبثق عنها مصالح تنفع الدولتين وربما تخلق الظروف لتحقيق ذلك الهدف العظيم هدف بناء دولة ديمقراطية واحدة الحكم فيها للاغلبية والسلام مع جيرانها هو بند اساسي في بنائها. أما فيما يتعلق بجدوى حركات السلام في إسرائيل فيقول عنها أنها حركات غير جماهيرية و ليس لها برنامج محدد ازاء حقوق الشعب الفلسطيني وهي ايضا حركة محدودة النفوذ والقاعدة الجماهيرية ورغم أنها تطالب بالسلام إلا أنها لا تعرض وجهة نظرها حول أي سلام هذا الذي تريده؟ هل هي تؤيد إنشاء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس؟ هل تؤيد عودة اللاجئين إلى ديارهم تنفيذا لقرار الأمم المتحدة رقم 194؟ هل تؤيد السيادة الفلسطينية ؟ ومن هنا يشدد المفكر العربي إلى ان «حركة السلام الان» كنموذج ابرز تكاد تكون حركة تدعو الى استسلام الفلسطينيين للمطالب الصهيونية. ويشير د. انيس إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أن قادة هذه الحركة في نشأتها كانوا في الاساس رجال اعمال اسرائيليين تضررت مصالحهم من استمرار الصراع العربي الاسرائيلي ولذلك كان من الطبيعي ان نحارب مشروعات مثل جماعة كوبنهاجن الذي مات بالسكتة القلبية.وختم المفكر المصري قوله بعبارة لطيفة تضمنت مجموع ماأراد قوله وهي «بلغة الملاكمة لانستطيع هزيمة اسرائيل بالضربة القاضية في الاغلب وانما نتطلع الى هزيمتها وهزيمة المشروع الصهيوني في الصمود من خلال النفس الطويل وبلغة الملاكمة ايضا هزيمتها بالنقاط». عمان ـ لقمان اسكندر: