منذ سبتمبر الماضي رفع البطريك الماروني نصر الله بطرس صفير الصوت عاليا فطالب دمشق بتطبيق بند اتفاق الطائف المتعلق باعادة انتشار الجيش السوري في لبنان، بعد ان انسحب الجيش الاسرائيلي من معظم الاراضي اللبنانية. ودار جدل صاخب بين مؤيد للبطريرك ومزايد عليه الى حد المطالبة بخروج الجيش السوري فورا من لبنان، وبين منتقد لطرح بكركي ومدافع عن الوجود السوري الى حد المطالبة ببقاء الجيش السوري في لبنان الى امد غير مسمى. وفي خضم هذا الجدل كان رئيس الجمهورية اميل لحود يكرر مجموعة مسلمات منها: ان دمشق لاتعيد انتشار جيشها في لبنان تحت الضغط، وان مصلحة لبنان تقضي بربط الانسحاب السوري ليس فقط بالانسحاب الاسرائيلي الكامل من مزارع شبعا بل ايضاً بانهاء موضوع توطين الفلسطينيين في لبنان، وان سوريا ستنسحب حكما من لبنان في اطار الانسحاب الاسرائيلي من الجولان والتسوية في المنطقة. اما سوريا فقد اكدت بلسان رئيسها بشار الاسد ان موضوع الوجود العسكري السوري في لبنان مناط القرار في شأنه بالدولتين اللبنانية والسورية، وان المرجعية في هذا الامر وبكل امر لبناني هو رئيس الجمهورية اميل لحود. وتصاعد النقاش ليس فقط بين اهل الحكم واهل المعارضة، بل ايضا داخل اهل الحكم انفسهم، الى ان قرر رئيس الجمهورية الامساك بكرة الخلافات ليديرها باتجاه الحوار بين اهل الحكم فيما بينهم، وبينهم وبين اهل المعارضة، فأقدمت سوريا على اعادة انتشار جيشها في بيروت وجبل لبنان لتعطي الحوار الذي باشره اميل لحود اقصى الزخم وكل المصداقية. والواقع ان اميل لحود، وقبل ذهابه الى المغرب التقى خلال اسبوع واحد على التوالي المطران يوسف بشار الذي رعى اجتماعات «قرنة شهوان» والتي اصدرت ورقة الحوار مستوحاة من مواقف البطريك الماروني نصر الله بطرس صفير، كما اجتمع مع وزير الخارجية الاسبق فؤاد بطرس الذي انبرى منذ عدة اشهر ليفتح قنوات الحوار بين بكركي ودمشق، ومن بعدها التقى البطريرك الماروني قبيل مغادرة هذا الاخير الى روما للمشاركة في احتفالات تقديس الطوباوبة اللبنانية رفقا، واخيرا دعا وليد جنبلاط الى الغداء ليستأنف معه الحوار الصعب الذي كثيرا ما تعثر في الماضي القريب والبعيد. وتشكل حركة اميل لحود البرهان القاطع على ان رئيس الجمهورية يعي عمق الازمة الاقتصادية وحجمها وحجم المخاطر التي تحيط بلبنان، وهو يريد ان يتداركها بكل الوسائل المتاحة، كما تشكل حركة بشار الاسد في اعادة انتشار الجيش السوري في لبنان البرهان على انه متفاهم الى اخر الحدود مع رئيس الجمهورية اللبنانية ويدعم كل تحركاته ومواقفه. شعار اميل لحود واضح: نعم للحوار ولكن من ضمن المسلمات الوطنية، فالرئيس اللبناني مقتنع ان الاستقرار هو اساس الاقتصاد، وان الاستقرار اللبناني مرتبط بصورة وثيقة بالتفاهم مع سوريا، فقد اثبتت كل دروس الماضي انه في كل مرة اختلف لبنان مع سوريا اهتز امنه الداخلي، وفي كل مرة ساد التفاهم بينهما نعم لبنان بحالة استقرار ملفتة، فلا مجال بالنسبة لاميل لحود بأن يمس الامن بحجة الاقتصاد او بحجة حل اي مشكلة سياسية. المعادلة في غاية الوضوح: اذا كان الاقتصاد مرتبطا بالسياسة فأن الاقتصاد والسياسة معا مرتبطان بالإمن فما نفع كل مشاريع الحوار السياسي وكل خطط النهوض الاقتصادي اذا ما كان الامن مختلا او مهزوزا، ان شرط قيام اي حوار سياسي او اي مشروع اقتصادي هو استتباب الامن، واستتباب الامن يعني التفاهم مع سوريا وكل مايخرج عن هذه المسلمات ـ الحقائق ينظر اليه اميل لحود على انه انتحار، وفي احسن الاحوال على انه مغامرة غير محسوبة النتائج. ويشدد اميل لحود على ان نجاح الحوار بين لبنان وسوريا وبين اللبنانيين فيما بينهم، سواء على مستوى اهل الحكم او بين اهل الحكم واهل المعارضة، يفترض الثقة بين المتحاورين، فبناء جسور الثقة بين لبنان وسوريا هو الشرط الاول لنجاح اي حوار حول العلاقات اللبنانية ـ السورية، وحول مستقبل الوجود العسكري السوري في لبنان، ولا حل من دون الثقة بين الحكمين اللبناني والسوري، ولاحل خارج الثقة بين اللبنانيين فيما بينهم.ولايختلف احد ان الحوار سيعطي نتائج سريعة وباهرة وسيحل الخلافات بسحر ساحر بدأها اميل لحود بادارته الحوار اللبناني، وبدأتها سوريا باعادة انتشار جيشها في لبنان تسهيلا لحوار اللبنانيين الصعب. بقلم: كريم بقرادوني