منذ قيام حلف شمال الاطلسي، كانت مظاهر الهيمنة الامريكية على الحلف بادية وشملت جوانب التسلح والقيادات العسكرية وصناعة القرار السياسي الامني رغم ان هذه الهيمنة استمرت بدرجات متفاوتة اثناء الحرب الباردة. ولم تظهر هذه الهيمنة بشكل واضح بل كانت مواربة خلف ستار الدبلوماسية وخفف من ثقلها ارتباط الحلفاء عبر مصالح امنية مشتركة في مواجهة المعسكر الشيوعي. وعقب انتهاء الحرب الباردة حتمت الضرورة في اوروبا البحث عن مظلة واقية بعيداً عن المظلة الامريكية لكنها وجدت امامها باب الحلف الاطلسي وحده لقصور في وجهات نظرها الاستراتيجية ولاسباب كثيرة لعل اهمها شعور اوروبا بانها مازالت بحاجة لهذه المظلة. دفع ذلك الولايات المتحدة الامريكية الى احكام السيطرة على الحلف واحكام تطويق الحاجة الامنية الاوروبية الامر الذي طرح بشدة السؤال عن اسباب ذلك اذا كانت المواجهة مع الشيوعية قد انتهت، وقاد ذلك الولايات المتحدة الى البحث عن سيناريوهات جديدة تمكن الحلف من الاحتفاظ بموقعه دون سقوطه في فكرة التفكيك. لكن السياسة الامريكية التي كانت قد ثبتت استراتيجيتها، بدت اتجاهاتها وقد اشرعت للتغيير واشتد ذلك في الفترة الاخيرة بعد انتقال الادارة الامريكية من الديمقراطيين الى الجمهوريين، الامر الذي جعل العلاقة الامريكية الاوروبية في اطار الاطلسي تتعرض لهزات شديدة تصاعدت معها حدة الرغبة الاوروبية في خلق منظومة دفاع وامن اوروبية مستقلة. والوضع المتأزم الراهن بين اوروبا وامريكا ـ كما يراه المحللون ـ لا يمثل «خلافا امنياً طارئاً» اكثر من كونه تراكماً لمسلسل الخلافات الامنية القائمة بين الاوروبيين والامريكيين. محاولة التكهن بتفكك الناتو او الرابطة الامريكية الاوروبية في اطار حلف شمال الاطلسي تستلزم قراءة متأنية في جنوح السياسة الامريكية وامكانيات الاوروبيين على اقامة مظلة امن اوروبية، معاً، فما الذي دفع الحلفاء الى التشظي باتجاهات متعاكسة؟ ناقوس الخطر يمكن القول ان ناقوس الخطر دق في واشنطن قبل اوروبا من احتمالات تصاعد نزعات الانفصال، ووضح اثره عند تجديد هياكل حلف شمال الاطلسي واصرار الاوروبيين للحصول على مواقع افضل في قياداته العسكرية. ورغم انه انتهى بتنفيذ الاوروبيين للرغبات الامريكية، قبولاً مشوباً بالمرارة والغضب المكبوت فقد تمت هذه الموافقة على حساب المصالح الاوروبية. وذلك دفع اوروبا للعمل على وضع صياغة جديدة للاتحاد الاوروبي تحت مظلة منظمة الامن والتعاون الاوروبية دون مشاركة امريكا، لكن هذه المساعي انتهت ايضاً بتحقيق الرغبات الامريكية في ابقاء المهام المقررة دون مستوى الاستقلالية عن الحلف. لم تمهل امريكا اوروبا كثيراً فاردفت محاولاتها تلك بخطوات منها: ـ التحرك امريكياً بصورة ملحوظة في مناطق اشد حساسية من سواها بالنسبة الى اوروبا، فنازعت فرنسا مثلاً في مناطق نفوذها الافريقية التقليدية، واقصت اوروبا عن دائرة الصراع العربي ـ الاسرائيلي وغير ذلك. ـ دفعت مضاربيها الى قيادة هجوم مدبر ضد العملة الاوروبية الامر الذي خلق ازمة النقد الاوروبية لتضعف قدرة الاتحاد الاوروبي على دعم انفصاله الامني. ـ ممارسة ضغوطات سياسية كثيرة خاصة في قضايا مثل المقاطعة المتعددة لاسيما تجاه ايران وكوبا اذ تعد مصالح التعاون مع المنطقتين مهمة جداً للاوروبيين. ـ وصولاً الى حلقات الضغط للتعويضات المالية عن الحقبة النازية لصالح اليهود. ـ واخيراً وهو الاهم تعميق الفجوة بما يتعلق بالتقنية العسكرية والفضائية. قاد الامريكيون محاصرتهم لمحاولات الانفصال الاوروبية باتجاهين في وقت واحد: ـ الاول تمثل في بذل المستطاع للحيلولة دون انفصال الامن الاوروبي عن الاطلسي بالهيمنة على قيادته وطاقاته. ـ والثاني تمثل في التحرك المستقبلي بصورة مستقلة عن الاوروبيين والذي يظهر في صورة الدرع الدفاعي، علاوة على ما هو معروف من تحركات عسكرية لم تؤخذ المصالح الاوروبية فيها بعين الاعتبار. لم يكن ذلك مسعى خافياً على اوروبا فقد كان معلناً اكثر من خافيا، وبشكل خاص اظهرت حرب كوسوفو للاوروبيين هذه المساعي الامريكية الامر الذي اطلق الانذارات لديهم بضرورة ان يتجاوزوا سنوات عديدة من التباطؤ والنزاعات فيما بينهم فقرروا في قمة كولونيا التي تزامنت مع قمة الثمانية ـ على انهاء الحرب الاطلسية في كوسوفو واتخاذ خطوات عملية على طريق تميزهم العسكري الامني والسياسي الخارجي. ويرى المراقبون ان مفعول ذلك ظهر على السطح من خلال تعيين خافيير سولانا مفوضاً باسم الاتحاد الاوروبي للشئون الامنية والسياسية الخارجية. وينظر الى تعيين سولانا من جانب خبرته كأمين عام لحلف شمال الاطلسي لاربع سنوات الامر الذي جعله، وفق الاوروبيين، موثوقاً لدى واشنطن، واقدر على حماية الجهد الدبلوماسي المطلوب في المرحلة الراهنة التي عدتها اوروبا انتقالية ما بين الارتباط المطلق بالزعامة الامريكية الاطلسية، وما بين التميز الامني الذي لا يتحقق بلا امتلاك اوروبا لقدرات عسكرية كافية الامر الذي يتطلب سنوات عديدة. خطوات اوروبا الاخرى التي اقترنت بتعيين سولانا اتجهت نحو الجانب العملي الامر الذي اطلق الانذارات الامريكية لرسم خطط استعادة استحواذها على مفايتح الامن الاوروبي.. ومن جملة تلك الخطوات الاوروبية: ـ قرار الاتحاد الاوروبي في اكتوبر 1999 بقمة هلسنكي تشكيل فيلق عسكري مشترك يكون جاهزاً عام 2003ومزوداً بأحدث الاسلحة التي تمكنه من اداء مهام عسكرية سريعة. ـ الاتفاق الفرنسي ـ الالماني على اطلاق قمر صناعي استطلاعي للتخلص من الاحتكار الامريكي للمهام الاستطلاعية في حلف شمال الاطلسي. ـ التفاهم الفرنسي ـ البريطاني على تطوير الصناعة العسكرية المشتركة. ـ اتخاذ خطوات جديدة لتنشيط منظمة الاتحاد الاوروبي الغربي واعتبارها المنظمة العسكرية للاتحاد الاوروبي. عارضت امريكا الخطوات الاوروبية خارج اطار المنظومة الاطلسية حتى اذا ما بدا لها ان الطيور اوشكت على الافلات اعلنت مرغمة دعمها للمبادرات الاوروبية في اطاراتها المعلنة ولكن بشروط امريكية كان اهمها: ـ تحسين القدرات الدفاعية الاوروبية الذاتية بمعنى رفع المخصصات المالية لتغطية هذه القدرات. ـ ربط الدول غير الاعضاء في الاتحاد الاوروبي بشكل شامل في الصيغة الامنية الاوروبية (وقد خصت امريكا تركيا بالذات). ـ عدم السماح بوقوع شرخ في العلاقة القائمة عبر المحيط الاطلسي وهي الصيغة الدبلوماسية لتأكيد بقاء الكلمة الاخيرة، في الحلف ومن خلاله، لواشنطن. ادخلت هذه الشروط الامريكية العلاقة الامريكية ـ الاوروبية ـ الاطلسية في صراعات اضيفت لسابقاتها التي تراكمت بين قيادات الناتو واعباء الشريك الامريكي، ومحور هذا الصراع تركز حول تعزيز القدرات الذاتية الاوروبية قبل فوات الاوان وقبل ازدياد حجم الهوة الامنية وغير الامنية على السواء مع امريكا، بينما كان هذا المحور على الصعيد الامريكي المقابل يركز على زيادة حجم هذه الهوة وتحجيم السعي الاوروبي لتعزيز قدراته الا في اطار الناتو، ما هي حقيقة هذه الفجوة؟ الفجوة الامنية التكنولوجية كانت كوسوفو لحظة مصيرية ليس فقط بالنسبة للناتو وانما ايضاً لطبيعة اوروبا، فقد لعبت التكنولوجيا وخاصة العسكرية والاستخبارية فيها دوراً عكس افضلية القدرة الامريكية وتأخر القدرة الاوروبية. وقصد بالفجوة كما هو ملاحظ الفارق التقني في الوسائل العسكرية والادارية والامنية المستخدمة في الحروب الحديثة، في السابق كانت الفجوة تعني اختراع اسلحة حديثة وطرق اتصال جديدة وانظمة نقل واتصالات منظورة مثل (التلغراف، السكك الحديد، اللاسلكي، اجهزة التنصت، الاسلحة المتطورة) وخلق ذلك تنافساً تكتيكياً وعملياتياً كان اهم اطرافه الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق فيما كان يسمى بالمعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. اما اليوم فقد خلقت التقنيات الجديدة طرقاً مختلفة في ادارة الصراع وفي حسمه عسكرياً، فتركزت على ثلاثة تطورات تكنولوجية مهمة: ـ اولاً: الانظمة الحديثة للاستخبارات بانواعها (الاقمار الصناعية ، الاجهزة الاستخبارية الحديثة .. الخ). ـ ثانياً وسائل المعلوماتية الحديثة والفعالة والتي غيرت طبيعة القيادة والسيطرة على الاتصال والانظمة الكمبيوترية (فهذه الانظمة يمكنها مثلاً اختيار الاهداف بدقة وتوجيه الاسلحة لها). ـ ثالثا: الاسلحة الذكية التي تعتمد على تقنية متطورة وحديثة والتي ادخلت فيها القدرات النووية المحدودة والشاملة والصواريخ بعيدة المدى الباليستية وحاملة الرؤوس النووية. سميت هذه التطورات بالثورة العسكرية والتي عارضها البعض مشيرين الى ان دورتها ستكون قصيرة اذا ما تمت السيطرة على العالم ولن يعود احد بحاجتها خاصة بعد تطبيق اتفاقيات: ستارت 2 مع روسيا، وحظر التجارب النووية العالمي. التقنيات الحديثة او الثورة العسكرية لم تقتصر فقط على الاعتدة العسكرية والسلاح بل تعدته الى خلق طرق مختلفة للعمليات العسكرية وطرق ادارة الازمات «Crisis» وهو الامر الذي دفع اوروبا مجبرة الى تسليم قيادة الناتو لامريكا وخاصة في الحربين الحديثتين «حرب الخليج الثانية، وحرب كوسوفو». اثار ذلك سؤالا مهماً لدى اوروبا حول امكانية الناتو على الاشتراك بعمليات معاً كتحالف في الصراعات المستقبلية خصوصاً بعد فضائح الاسلحة المنضبة اليورانيومية وتأثيرها في البيئة والعسكر والاوروبيين، مثلما اثار سؤالاً اخر حول الرغبة في دعم واستثمار الابحاث والتطور الامريكيين ام عدمها. تعالت اصوات التحذير داخل اوروبا من اتساع الفجوة التكنولوجية بين اعضاء الحلف واحتمالات وصولها الى نقطة اللاعودة حيث تلقى مسئولية التعقيدات العسكرية والعملياتية والاستخبارية ومتطلباتها على امريكا بينما يدفع الاوروبيون الى الصفوف الامامية متحملين عبء حفظ السلام او «التنظيف» بعد المعارك التي تقودها امريكا. هذه الاصوات الاوروبية اشارت الى ان الثورة العسكرية الحالية هي امريكية الصنع وليس هناك بلد اخر او مجموعة دول في العالم تضاهي الولايات المتحدة في امكانيات تقنياتها العسكرية والاستخبارية فهي تمتلك: ـ انظمة النقل الاستراتيجية بعيدة المدى.اللوجستية المتحركة. ـ دقة الاسلحة الموجهة المتطورة. تقنية الاقمار الصناعية . ـ المحطات الفضائية التي تستخدم كقواعد لجمع المعلومات الاستخبارية وانظمة الاتصالات. ويجب الاشارة هنا الى ان الكثير من هذه العناصر متوفرة تجارياً، والدول الاوروبية وكندا عادة تمتلك تقنيات مقارنة، لكن الولايات المتحدة مضت ابعد في تجاربها واستثمارات هذه التجارب لتحقيق نظام اكثر فعالية وانفراداً بشكل عام. هذه الفجوة التقنية بين الولايات المتحدة وحلفائها تزداد كل يوم وكلما اقترب الاوروبيون باعاً ابتعد الامريكيون مسافات اكبر وانطلقوا في صياغة برامج جديدة، ولا يتوقع احد، سواء في اوروبا او خارجها، ان تردم هذه الهوة في المستقبل المنظور. ويمكن بمقارنة رقمية بسيطة ان نفهم حجم هذه الهوة فقد انفقت الولايات المتحدة الامريكية 283 مليار دولار على الدفاع عام 1999 ويتوقع ان تزداد بـ 60 ملياراً لتصبح 343 مليار دولار اواخر هذا العام بينما تجد ان مجمل ما انفقه اعضاء الناتو الاخرين هو 471 مليار دولار. ونجد ان الولايات المتحدة تنفق 3.2% على انتاجها المحلي الضخم في الدفاع مقارنة بـ 2.2% للحلفاء كلهم. وبشكل اخر فان الاوروبيين لايمكنهم ان ينفقوا اكثر من تعسة مليارات دولار بينما تزداد قدرة امريكا ستة اضعاف هذا الرقم، وهذا فان الفجوة التكنولوجية غير متوقع لها ان تنغلق في المستقبل المنظور مالم يتعاون الاوروبيون بشكل منسق في بناء نظام تعاون امني في اوروبا.ورغم ان هذا المشروع بدأ البحث فيه عام 1991 مباشرة بعد انتهاء الحرب الباردة لكن كلما امعن في تحليل عوامل الاستقرار والتغير في النظام الامني الاوروبي ظهرت ابعاد جديدة للبناء الامني وتعقدت عمليات تعزيز تبادل الثقة وتأثيرها على التحول في العلاقات الدولية باوروبا. ويرى الاوروبيون ضرورة وجود خطط لتشكيل هوية دفاعية جديدة للتكتل الاوروبي وقوة رد سريعة وهو ما سيسمح للدول الاوروبية الاعضاء في حلف الناتو بالقيام بتحركات عسكرية بمنأى عن الولايات المتحدة الامر الذي يثير قلق واشنطن.. فهل ينجح الاوروبيون في ذلك، وما هو ردهم على السياسة الامريكية الجديدة؟