يحمد للولايات المتحدة الأمريكية أنها تتمتع بقدر من الانفتاح والشفافية قلّ مثيلها في بلاد العالم وخاصة في العالم العربي ـ الافريقي الذي ننتمي اليه، فهي لا تستحي ان تكشف المستور من سياساتها التي تنتهك القوانين الدولية وتتحدى الأعراف الدبلوماسية فليس هناك دولة في العالم تعلن عن مناقصة منشورة لدعم وتأهيل تنظيم معارض يحمل السلاح ضد حكومته التي تعترف وتتعامل معها كافة الدول بما فيها امريكا. هذا ما حدث من امريكا في حال دعم وتأهيل التجمع الوطني الديمقراطي وقامت بترجمة المناقصة المنشورة عدد من صحف الخرطوم. تقول الورقة ان عطاء المناقصة قد رسى على شركة «داين كورب» التي تعمل في مجال تنفيذ المقاولات الحكومية والدفاعية الامريكية مما يعني انها قريبة الصلة بالأجهزة الحساسة (دفاع واستخبارات وخارجية). سميت المناقصة بـ :ادارة مبادرة بناء السلام في السودان، ولا مشاحة في الالفاظ فيستطيع المرء ان يسمي القرد غزالاً دون ان يعرضه ذلك الى مساءلة المحاكم! وبالرغم من ان المبلغ المرصود ليس كبيراً الا ان تنفيذ المبادرة يتم تحت الاشراف المباشر لادارة الشئون الافريقية بوزارة الخارجية الأمريكية لفترة مبدئية مدتها اثني عشر شهراً بدأت من اول مايو الماضي، ومن حق وزارة الخارجية الامريكية ان تضيف ما تشاء من مهام وواجبات اخرى غير واردة في بنود المبادرة لكنها تخضع للتصديق المسبق من الجهة المانحة. تهدف المنحة الامريكية الى تقديم المساعدة السياسية للتجمع الوطني الديمقراطي بقصد تطوير قدراته ليلعب دوراً فعالاً في التفاوض من اجل انهاء الحرب الأهلية في السودان، ويشمل هذا التطوير: تقوية سكرتارية التجمع التي يقودها ممثل الحركة الشعبية باقان أموم لتصبح شريكاً اكثر حيوية في مستقبل مفاوضات السلام في السودان، لقد سبق لمولانا محمد عثمان الميرغني ان اشتكى من استقلالية مبارك الفاضل حين كان اميناً عاماً للتجمع وعليه هذه المرة ان يتعايش مع سكرتارية مدعومة مالياً وسياسياً من القطب الوحيد في المنظومة الدولية! ويشمل التطوير ايضاً دعم التجمع لصياغة موقف تفاوضي موحد حول الاجندة التفصيلية للسلام من حيث الاجراءات والمضمون، وهذا يعني بوضوح ان وزارة الخارجية الأمريكية ستصنع بصورة غير مباشرة اجندة السلام التي سيأتي بها التجمع الوطني الى مائدة المفاوضات مع الحكومة لأنها ستكون «واسطة الخير» بين فصائل التجمع التي تعترف الورقة بأن تركيبتها مختلفة وغير منسجمة، ولأنها ستتولى تدريب الفريق المفاوض على تكتيكات واستراتيجية التفاوض، ولأنها ستدعم ورشة العمل التي تناقش القضايا الاقتصادية المستقبلية التي تقوم على اساسها التسوية السلمية. وبالطبع فان ادارة البترول السوداني وتقسيم عائده يقع في قلب هذه القضايا الاقتصادية وهو يهم الشركات الامريكية بوجه خاص! ان قبول التجمع بمثل هذه المقترحات الامريكية يطعن كثيراً في استقلاليته كقوى سياسية اصيلة تبحث عن حل وطني خالص لحل مشكلات السودان المزمنة. ويعني التطوير ـ حسب الورقة الامريكية ـ تحسين استراتيجية التجمع الوطني في التواصل مع عضويته ومؤيديه من خلال الاعلام الالكتروني والمطبوع مع التركيز على اذاعة التجمع التي تبث ارسالها من اريتريا، وتتحدث الورقة عن تحسين قدرة الاذاعة لتوسيع مدى تغطيتها الاعلامية وتطوير برامجها وتوفير بعض الاجهزة الضرورية لها. ومن المعلوم ان الاذاعة ومعظم مواقع الاعلام الاليكتروني تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية مما يعني ان الدعم الامريكي حقيقة يصب في مصلحة الحركة عن طريق مواقعها ورجالاتها داخل التجمع ـ واهم من ذلك ـ عن طريق تأييد السياسات التي تدعو لها الحركة. لقد نفى زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي وبعض القياديين في الحزب الشيوعي السوداني صحة التصريحات الامريكية المعلنة عن دعم التجمع الوطني الديمقراطي، لكن هذا النفي ليس كافياً لتبرئة ساحة التجمع من الانجرار وراء المخططات الامريكية التي تحاك حول السودان، فاذا ما وصل الامر الى حد اعلان مناقصة عامة بهذه التفاصيل المنشورة من قبل اجهزة رسمية امريكية يصعب على المرء الا يأخذ الأمر مأخذ الجد ويتعامل معه كحقيقة ماثلة الى ان يثبت العكس. ومن ثم يتوجب على فصائل التجمع ان تعطي هذا الامرما يستحقه من اهتمام باجراء تحقيق دقيق حول ملابسات الدعم الامريكي، وتحديد الجهة التي طلبته، والجهة التي تشاورت معها الحكومة الامريكية حول تفاصيله، واخيراً اعلان موقف التجمع من هذا الدعم في بيان رسمي تصدره قيادة التجمع. والى ان يصدر هذا البيان الصريح ستظل مصداقية التجمع واستقلاليته محل تساؤل ومظنة من جماهير الشعب السوداني خاصة وهو يشهد بعينيه كيف تكيل امريكا بمكيالين حين تكون القضية هي اضطهاد المسلمين في فلسطين او كشمير او الفلبين او مقدونيا او الشيشان. يلاحظ المراقب لأوضاع السياسة السودانية ان خسارة الحكومة في التأييد الشعبي لم تتحول الى مكاسب لمصلحة المعارضة مما يعني فشل التجمع الوطني في اثبات جدارته السياسية امام الجماهير، واذا ما ثبت تورط التجمع في مخططات امريكية بهذا القدر الذي تكشف عنه ورقة المناقصة فانه سيكتب على نفسه شهادة عزلة جماهيرية طويلة المدى. وقد يفضل كثير من الناس ـ خاصة في الاوساط المستنيرة ـ حماقات الحكومة على تبعية المعارضة! د. الطيب زين العابدين