تحويل الضرائب يتيح المجال للفساد الاسرائيلي، اسرائيل تتعامل مع السلطة الفلسطينية كمقاول يعمل من داخلها لم يسع بن جوريون صاحب التأثير الكبير على الاستراتيجية الاسرائيلية للاستيطان، يوماً إلى اندماج الأفراد مجتمعين. كما أن مفهومه بشأن دمج العمال في إطار واحد كان تعاونياً اتحادياً في الأساس بعد أن تخلى عن الوهم الذي أحاط بأفكاره بشأن نزع فتيل المواجهة بالطريقة المذكورة في العشرينيات، ولكنه في وقت من الأوقات وجد أنه من الصواب إظهار الوفاء والاخلاص لبعض عناصر هذا الحلم، والمهم أنه فعل ذلك في المرحلة الأولى لكي يكسب الحسم البريطاني إلى جانب اليهود وليس العرب. ثم عاد بعد ذلك وفضل تقويض الفرضيات الأساسية لهذا الحلم ليزرع الأمل في الوسط اليهودي الذي كان بحاجة إلى ذلك استعداداً لمواجهة المرحلة. فيما بعد ومع الثورة التي قام بها الفلسطينيون عام 1936 واستمرت حتى عام 1939 حين جرى الاختبار الحاسم لمفهوم بن جوريون، فقد تبين لبريطانيا ولكثير من اليهود أنه ليست هناك إمكانية للتعايش العربي اليهودي المشترك، مما اضطر بن جوريون إلى اختيار الفصل، وهو يعلم أنه بذلك يتنازل عن الأمل في شمول أرض إسرائيل الغربية ضمن المشروع الصهيوني (ناهيك عن غرب الأردن) بما في ذلك أيضاً (مناطق التوراة) في يهودا والسامرة بل والقدس نفسها أيضاً. لقد قبل (مشروع فيل) الذي يعطي اليهود جزءاً ضئيلاً من الأرض الصغيرة التي طالبوا بها وعرض البريطانيون بمبادرة منهم تنفيذ خطة تهجير للعرب من المناطق المعدة لليهود، بطريقة تطبق عملية الفصل هذه. وإذا كان بيجن في الثلاثينيات قادراً على تعليل النفس بتوسيع حدود الدولة اليهودية بعد اقامتها في المرحلة الأولى ضمن حدود مقلصة فإنه ادرك في الأربعينيات ان الانفصال عن العرب ومشروع التقسيم الذي يأتي في اعقابه سيثبت بشكل دائم الحدود المقلصة للدولة اليهودية. مواجهة بين المفاهيم لقد ساهم بن جوريون مساهمة كبيرة في تجسيد موقف التيار المركزي في «الماباي» الذي كان يسعى خلال أعوام العشرينيات والثلاثينيات إلى البناء عن طريق الانتداب البريطاني لبسط الملكية اليهودية على جميع ما يزعمون أنه أرض إسرائيل الغربية بشكل تدريجي وبرعاية بريطانيا وانتدابها. هذه الاستراتيجية وصلت إلى طريق مسدود في الأربعينيات. لكن المؤيدين الأوفياء لمفهوم الدمج و منهم أعضاء منظمة (الحارس الشاب) «هشومير هتسعير» رفضوا التخلي عن هذا الحلم حتى بعد انهياره عملياً في الأربعينيات. أما الحسم الأكثر أهمية في تاريخ دولة إسرائيل (وربما تاريخ الصهيونية بكامله) فهو قرار بن جوريون في مارس عام 1949 بالامتناع عن السيطرة على جميع أراضي إسرائيل الغربية (المزعومة!) ـ بما في ذلك القدس ـ مع أن الأمر كان ممكناً من الناحية العسكرية الاستراتيجية بعد هزيمة مصر وانسحابها من الحرب في فبراير من ذلك العام، وكان الجيش الإسرائيلي جاهزاً للمهمة وقادراً على تنفيذها خلال أيام معدودة، امتنع بن جوريون عن القيام بذلك على الرغم من علمه وادراكه أكثر من الآخرين بمدى الأهمية التاريخية والاستراتيجية التي ينطوي عليها التقصير لأنه كان مستوعباً لاستحالة سكن اليهود والفلسطينيين جنباً إلى جنب. ولذلك قبل الثمن الاقليمي والتاريخي لهذا الاعتراف. فهو يدرك عدم إمكانية الوصول إلى تسوية دائمة مع الزعامة الفلسطينية (الحاج أمين الحسيني واتباعه ورفاقه)، لذلك قبل تسويات أدت من الناحية الفعلية إلى سيطرة الأردن على يهودا والسامرة والقدس القديمة. العرب هم الذين بادروا إلى الفصل بين إسرائيل وجاراتها لكن بن جوريون اعترف بهذا الانفصال عن رغبة وإرادة، وقد ظل هذا الواقع ثابتاً للفترة من 1949 ـ 1967 حرب يونيو ونتائجها شكلت امتيازاً ثانياً، فعلى أثر احتلال الضفة الغربية أثيرت مسألة الفصل والاندماج وتبلور من جديد الاستعداد لتقسيم البلاد في نهاية الستينيات كما كان قد تبلور قبل عشرين عاماً، والاتجاه الواضح لمبدأ تقسيم أرض إسرائيل الغربية (حسب تسميتهم المزعومة) الذي جرى الإعتراف به في ذلك الوقت قاده التيار المركزي في حركة العمل ـ ماباي. وخلافاً لارثها العقائدي والتاريخي انضمت حركة (أحدوت هعفودا ـ وحدة العمل) والتي كان رؤساؤها عامي 1948 و 1949 ضد ذلك. ومن الشخصيات المهمة التي أيدت هذا التوجه فيما بعد هم ليفي اشكول وجولدا مائير وبنحاس سابير ويسرائيل جليلي وإيجال ألون. أما التيار المقابل فقد قاده وزير الدفاع موشي دايان الذي بلور مواقف معارضة لتلك التي ميزت زعيم حزبه (ماباي) دافيد بن جوريون في هذا الشأن. وانضم شيمون بيريز إليه لكنه تبنى لاحقاً صيغة أقل تعقيداً من المفهوم الذي طرحه دايان، وقد تمسك بها ضمن تغييرات وتعديلات ليست جوهرية نسبة إلى النقاش المستمر حتى يومنا هذا. أما الخلاف الذي أعقب حرب يونيو فقد تركز على المواجهة بين مفاهيم سابير ومفاهيم دايان، الرجلين القويين في حكومتي اشكول وجولدا مائير، سابير كان وزير المالية القوي والذي سيطر على القوة الرئيسية السياسية للماباي حتى وفاته في منتصف السبعينيات، وكان يمثل الجناح المركزي في الحكومة لمقارعة دايان. من جهة أخرى هناك موقف المساومة لدايان في الحكومة منذ أن فُرض عليها خلال أزمة الزعامة عشية حرب يونيو، والذي تمثل في موقفه الخاص وسط الجمهور والتهديد بالارتباط باليمين وتجريد حركة العمل من فاعليتها في السلطة. وبحكم هذه المساومة نجح دايان في إجبار الحكومة على توليه بصورة مطلقة للسياسة العملية في المناطق ضمن معايير فضفاضة مكنته من إملاء إرادته تقريباً على جميع الأمور المهمة، فأنشأ في المناطق إطاراً يشبه الحكومة المحلية تنسق عملياتها مع الوزارات الحكومية في إسرائيل، لكنها عملت في الواقع ضمن الإطار السياسي الذي وضعه هو أي تنفيذ سياسة الدمج الاقتصادي وحرية الحركة والتنقل بين المناطق وإسرائيل سعياً لتسوية دائمة تسمح بوجود حياة مشتركة لليهود والعرب دون تقسيم إقليمي (لأرض إسرائيل الغربية) ـ حسب تسميتهم المزعومة ـ بين الشعبين. وبذلك أفشل خطة وزير المالية بنحاس سابير بجعل المناطق ضمن إطار منفصل والتمسك بمعظمها كورقة مساومة على طريق التسوية التي تنسحب في إطارها إسرائيل على الأقل من جميع المناطق المأهولة بالسكان وتسليمها لسيادة أخرى. خطة بيريز كثيرون في إسرائيل و تحديداً من الذين عرفوا دايان وبيريز جيداً وعملوا إلى جانبهما يقولون بأنه ينبغي عدم نسبة الاستراتيجية السياسية المتبلورة والثابتة لهما حتى لو كانت على المستوى الفعلي تشكل أساساً أو نواة مهمة من الحقيقة وكل ذلك بالطبع لا يقّلل من أهمية هذا التوجه الذي يتضح فيما بعد وعند دراسة منطق الحسم وردود الفعل لدى دايان وبيريز. وضمن هذا الإطار يمكن الإشارة إلى وجود إستراتيجية سياسية مع أنها لم تكن ثابتة في جميع الأحوال في نظرية منظمة أو خطة أصلية للتنفيذ. وعلى مدى الأعوام الطويلة كان هناك الكثير من الحسم والأولويات على الصعيد العملي السياسي التي تراكمت وأصبحت شواهد وأدلة مقنعة أكثر من الأمور المكتوبة. من جهة أخرى فإن المأزق لا يظهر على الساحة ما دام هناك تنسيق بين الاثنين. وفيما يتعلق بموضوعنا هنا (الاندماج مقابل الانفصال) فإن موقفي بيريز ودايان ظلا ثابتين على الرغم من الفوارق بينهما في مجالات كثيرة ومهمة كما أنهما يمثلان مفهوم الاندماج على المستوى السياسي الكبير، فدايان هو واضع المفهوم ومطبقه من الناحية الرسمية وبيريز واصل الطريق لكنه قام بتطوير هذا المفهوم أكثر بحيث يتخطى مجال المناطق الفلسطينية إلى (الشرق الأوسط كما يتنبأ) وذلك على خلفية الامكانيات التي استجدت أمام إسرائيل والتي لم يتمكن دايان من رؤيتها. والواقع الذي يواجه إسرائيل اليوم ناجم عن نجاح مفهوم دايان الذي رسخ وعمق ارتباط عمال المناطق بالعمل في إسرائيل مع الامتناع عن تطوير مصادر العمل في المناطق نفسها، هذه السياسة التي قدمت لإسرائيل عمالة رخيصة من المناطق وهي التي فتحت أبواب دولة إسرائيل أمام مئات الألوف من الشباب الفلسطينيين وجعلتهم على احتكاك بالحياة في إسرائيل (وهي مختلفة تماماً عما لديهم)، هذه العمالة هي التي كانت وراء أعمال الطرق والكهرباء والهاتف وغيرها من الخدمات. أما احتكاكها وارتباطها بإسرائيل فقد كان وراء تلمس هؤلاء للفجوة الواسعة بين المجتمعين وبالتالي يتقلص الأمل لديهم في القضاء على إسرائيل ومن كان منهم بحاجة إلى برهان فقد أكد له هذا الاتصال بأن العامل المؤثر في وعي البشر في نهاية المطاف، ليس مجرد التحسن (حتى لو كان بارزاً أو مثيراً) وإنما هو قياس وضعهم أمام البدائل الأكثر جاذبية والذي يلتقون به يومياً بلا وساطة. وكان لهذه السياسة الدور الفعال في حل الكثير من المشكلات والأزمات على المدى القصير، لكّن كلفتها المتراكمة على المديين المتوسط والطويل هي اليوم مطلوبة للدفع. وما كان بإمكان هذه السياسة أن تصل إلى هذه الدرجة من التحكم لو تم تطبيقها لمدة قصيرة عقب حرب يونيو، لكن الترابط المهم أيضاً بين السياسة الداخلية الإسرائيلية وشخصيتي دايان وبيريز نجحا في مواصلة ترسيخ هذه السياسة طيلة عقود من الزمن. تمت لدايان السيطرة على المناطق دون عوائق خلال الأعوام الستة التي أعقبت الحرب ثم خلفه شيمون بيريز في وزارة الدفاع الذي واصل المسيرة وواصل ترسيخ مكانته كوزن مضاد لرئيس الحكومة (رابين) كما أفلح في إملاء سياسته الخاصة من خلال التهديد باسقاط الحكومة والارتباط باليمين. وتبنى بيريز مبدأ دايان الرافض رفضاً مطلقاً لأي تقسيم جغرافي كمحور تسوية دائمة (تسوية أقليمية) مفضلاً تسوية تحتفظ إسرائيل من خلالها بالسيطرة الاستراتيجية وحرية الاستيطان في جميع الأراضي بينما يدير السكان الفلسطينيون شئونهم بأنفسهم (تسوية وظيفية). وتجدر الإشارة إلى أن مفاهيم بيريز أبان السبعينيات والثمانينيات تتضح في مقالة كتبها الصحفي المقرب منه حجاي ايشيد في صحيفة دافار 27/6/1975 بعنوان (خطة بيريز الفدرالية) ثم ظهرت في كتاب أَلّفه بيريز بعد ذلك بأعوام وظهرت في مقابلات عديدة في الصحف. وفي عام 1975 أيد بيريز (فيدرالية إسرائيلية) تشمل جميع الأراضي الواقعة بين الأردن والبحر المتوسط، وتمنح السكان حكماً ذاتياً حيث يكون بامكانهم الاختيار بين الجنسية الأردنية أو الإسرائيلية. أما مسائل الخارجية والنقد فتحسمها الفيدرالية، وفيما يتعلق بقضية مواجهة المشكلة الديموغرافية اقترح بيريز تجميد المعدلات التمثيلية لبضع عشرات من السنين، أي بمعدل الثلثين لليهود والثلث للعرب. وكان حلم بيريز لاحقاً هو إطار كونفدرالي بين هذه الفيدرالية والأردن مع مؤسسات سياسية اقتصادية أمنية مشتركة على أساس بنية التعايش القائمة الآن داخل المناطق، وكان يؤكد على أن التقسيم الإقليمي بين اليهود والعرب لا يؤدي إلى السلام ولا يحل المشكلة الفلسطينية. ولهذا الموقف تفاصيل أخرى في كتاب ألفه بيريز بمشاركة حجاي ايشيد عام 1978 خاصة في فصل (تسوية وظيفية واقليمية) وقد تحدث عن أن التسوية الوظيفية بامكانها عند احلال السلام منع ضرورة التقسيم الاقليمي ليهودا والسامرة. ومن ثم جرى الحديث في حينه عن الإدارة كشريك وتحدث بيريز أيضاً عن سوق أردني إسرائيلي مشترك بل وجيش مشترك. أما المبادئ التي دعا إليها للتسوية الدائمة فهي، البنية المشتركة والحدود المفتوحة وسوق اقتصادي مشترك وعلاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وسكن حر عبر الحدود. وبعد عقد من الزمن تحدث بيريز عن كيان مختلط اسمه يهودا والسامرة. وعند تولي الليكود لزمام الحكم اعتقد رؤساء الحكومة (مناحيم بيجن واسحاق شامير) ووزراء الدفاع الذين عملوا في هذه الحكومات (عيزرا فايتسمان وارئيل شارون وموشي آرنس) بعدم السماح بتقسيم ما يسمونه أرض إسرائيل الغربية تقسيماً أقليميا كما أنه ينبغي على السكان الفلسطينيين إدارة شئونهم في إطار حكم ذاتي. أما بالنسبة لمفهومهم للتسوية الدائمة المطلوبة فلم يكن لحكومة الليكود أي اهتمام في إعادة رسم الحدود التي شوهها كل من بيريز ودايان بطريقة تزج بالفلسطينيين واليهود، كل مجموعة في إطار اقليمي مستقل. ومحصلة مفاهيم من هذا النوع وضمن موضوع نقاشنا ستكون بالطبع مواصلة بل زيادة التوجه الاندماجي. وسياسة الاستيطان وخريطة المستوطنات وامتلاك هذه الحكومة للأراضي تشكل الآف الشواهد لهذا التوجه. وعندما وصل رابين إلى وزارة الدفاع في منتصف الثمانينيات وجد أمامه ميراث عشرين عاماً من الاندماج الاقتصادي وترابط البنى التحتية، لكن قواعد اللعبة لحكومة وحدة برأسين (شامير وبيريز) لم تمكنه طبعاً من تغيير هذه السياسة. رغم انه كان على الدوام من دعاة عملية الانفصال، وحتى لو لم يكن الأمر واقعياً في ظل صولجان رئيسي الحكومة (بيريز وشامير) فقد كانت الأمور في رأي رابين بحاجة إلى هزة عنيفة وانطلاقة مثيرة باتجاه تسوية دائمة لمواجهة واقع الحياة الذي تبلور من خلال مدة زمنية طويلة والمرهون بمصالح ثابتة وعوامل اقتصادية واجتماعية عميقة إلى حد كبير. جوهر المأزق الاسرائيلي عندما جاءت هذه الهزة في الانتفاضة عام 1987 خرج رابين بمبادرة سياسية في مايو 1989 تخرج من إطار الأندماج إلى الفصل، وتدعو مبادرته لإجراء انتخابات تعزز من وضع السكان الدائمين في المناطق وتشجع على إيجاد زعامة (اقل تطرفاً من عرفات ورجاله) وتكون شريكة في المفاوضات مع إسرائيل حول التسوية الدائمة، ومساعي رابين كانت قائمة على أساس الفصل والتسوية الاقليمية، وقد حظيت هذه المبادرة بدعم شامير في ظل المأزق السياسي الذي أوجدته الانتفاضة لإسرائيل على الرغم من سعي شامير للحفاظ على وحدة البلاد ومعارضته الشديدة للتسوية الاقليمية القائمة على الانفصال. لكن التوتر بين المفهومين لم يخضع للاختبار داخل الحكومة بسبب إعلان الحكومة المشتركة عام 1990 حيث سعى بيريز إلى تشكيل حكومة بديلة (ما يسمى بالمناورة النتنة) وعودة ممثل الليكود موشي إرينز إلى وزارة الدفاع. من جانب آخر فإن مفهوم الليكود هو الآخر كان يعتمد على تقوية الزعامة المحلية لخلق قوة مضادة في وجه منظمة التحرير الموجودة قيادتها في تونس. لكنه سعى إلى إقامة حكم ذاتي وليس تقسيماً إقليمياً للأرض وفصلاً بين فئتي السكان. وهو المفهوم نفسه الذي أملى السياسة الإسرائيلية بعد حرب الخليج الثانية عندما كانت الولايات المتحدة تحكم سيطرتها على المنطقة، وفي ظل تقليص مساحة المناورة لدى سوريا والضعف البارز لمنظمة التحرير، كل هذه العوامل مهدت لانعقاد مؤتمر مدريد واجتماعات الوفود الثنائية. وعودة رابين إلى قمة السلطة بعد فوزه بانتخابات عام 1992، كان من المفروض أن تضع على رأس الجهاز الحكومي والأمني في إسرائيل لأول مرة منذ عام 1967 مؤيداً واضحاً للانفصال ومعارضاً حازماً للاندماج. وفي ولايته الأولى كرئيس حكومة (1974 ـ 1977) تم إفشال مفهومه من قبل وزير الدفاع المسيطر بيريز، وكوزير دفاع (1984 ـ 1990) لم يكن بامكانه منافسة رئيس الحكومة (شامير وبيريز) صاحبي المفاهيم المتناقضة، اما الان فهو على رأس الهرم كرئيس حكومة ووزير دفاع مع غياب لمركز قوة في الاتجاه المعارض، فقد صار بامكانه تنفيذ هذا المفهوم والعمل وفق مضمون مبادرته التي أطلقها عام 1989، ويبدو بأنه خلال النصف الثاني من عام 1992 وربما في بداية عام 1993 حاول السير بهذا الاتجاه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن رابين وصف مفهومه الخاص بالانفصال أثناء المفاوضات السرية في أوسلو قبل ان تحقق ثماراً، وقد ربطها ليس بمكافحة الأرهاب فقط وانما بمسائل مبدئية أكثر كعمل الفلسطينيين في إسرائيل. ورداً على مطالبة المعارضة باستقالة حكومته في ابريل 1993 على خلفية تصاعد العمليات الفدائية التي كانت قد وصلت ذروتها في آذار من العام نفسه ـ قال رابين بأن التصعيد هو محصلة للمواجهة بين الطرفين، أما الحصار الذي حال دون وصول 110 ـ 120 ألف عامل فلسطيني إلى أماكن عملهم في إسرائيل، فقد وصفه رابين بأنه ضرورة لإيجاد فصل لا يقلص (العمليات الفدائية) فقط وانما يعطي المجتمع الإسرائيلي فرصة كي يسترد عافيته، ويشعر بالأمان، كان لا بد من إجراء هذا الفصل دون أن تكون له ارتباطات بالعملية السياسية فالأمن الشخصي لا يتحقق دون هذا الفصل. مقاولة من الباطن إنّ إسرائيل تتعامل مع السلطة ليس كجسم مستقل وإنما كمن يعمل بأذن داخل الدولة. وعملية تحويل ضرائب الاستيراد التي تجبيها إسرائيل من البضائع المخصصة للسلطة تقتضيها طبيعة البنية الاقتصادية التي تمّت الموافقة عليها، أما تحويل القيمة الإضافية في المقابل فأنها ليست بدافع الضرورة الاقتصادية وأنما كقرار سياسي بدعم السلطة. وهذا الترتيب لضرائب القيمة يفسح المجال أمام إسرائيل للاحتيال والفساد بمشاركة السلطة (بما في ذلك الأجهزة الأمنية الفلسطينية). وتقدر أوساط إسرائيلية مطلعة (دون ذكر اسمها) بأن الفساد في هذا الجانب يصل إلى مئتي مليون شيكل سنوياً. وتشكل الضرائب التي تجمعها إسرائيل لصالح الفلسطينيين حوالي ثلثي الميزانية الفلسطينية. بينما تجمع السلطة بنفسها أقل من مائة وخمسين مليون شيكل سنوياً أي أقل من 10% من الضرائب التي تجمعها إسرائيل لها. ومن المناسب هنا أن نشير إلى الفارق الواضح بين المبدأ الذي تم وضعه في أوسلو وباريس وبين المحاولات السابقة للتوحد والاندماج، وهنا لا يتضح دوماً ما إذا كان واضعوا هذا المبدأ مدركين لجميع جوانب وأبعاد ذلك التغيير. ففي المراحل السابقة كان طرح الاندماج يتم على أسس عقائدية واستراتيجية لمنع تقسيم البلاد لاطارين مستقلين، فالدعم للفلسطينيين والاستعداد للتقاسم معهم يمثل ما يزعم اليهود أنهم جلبوه إلى هذه المنطقة لتحسين نوعية الحياة. وهو في الوقت نفسه الثمن الذي يدفعه اليهود لتخفيف معارضة العرب لتحقيق الصهيونية في جميع (ما يزعمون أنه) أرض إسرائيل الغربية. وعلى الرغم من أن اتفاق اوسلو والقاهرة يقود وفق منطقهم الداخلي إلى تقسيم البلاد وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، يأتي أتفاق باريس ليحقق دمجاً اقتصادياً وحرية تنقل للفلسطينيين داخل إسرائيل. ليس بديلاً لهذه السياسة ولكن إضافة عليها، بل أن إسرائيل جندت طاقاتها بشكل لم يسبق له مثيل لتقوية وتعزيز الجهة التي ستتقاسم مع اليهود السيطرة على البلاد، وقام ذلك على أساس ما اعتقده واضعو عملية اوسلو (بيريز ومؤيدوه بشكل خاص) من أن الفلسطينيين تخلوا عن عناصر الانفصال في استراتيجيتهم القومية. وتواصلت حتى عندما ظهرت بوادر اولى تشير إلى أن اطرافاً سياسية أخرى (رابين نفسه) بدأت تشكك في مدى استعداد عرفات ورفاقه للتخلي عن هذه العناصر. أن تأثيرات اتفاق اوسلو على موضوع الانفصال معقدة متناقضة فهي تنطوي على عملية غير منظمة تؤدي إلى (انفصال سياسي) باقامة دولة فلسطينية محدودة السيادة قائمة على أمل وصول هذا الكيان بشكل تدريجي إلى تلبية احتياجات السكان في يوم من الأيام على الأصعدة كافة. ومن جانب آخر فإن اوسلو فيها اعتراف بوجوب تحقيق إطار اندماجي لفترة مرحلية طويلة (اتفاق اوسلو) حيث تأخذ إسرائيل على عاتقها في الواقع مسئولية تحقيق الرفاه للفلسطينيين حتى يصلوا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن إندلاع العنف في الجانب الفلسطيني وفرض الحصار من جانب إسرائيل عمقت العنصر الاندماجي، لكن المرحلة الانتقالية أثبتت بالتدريج عدم إمكانية تطبيق التوقعات الاقتصادية الواردة في اتفاق باريس، فقد اعتمدت السلطة على مداخيل العمال الفلسطينيين ودافعي الضرائب وتدهور مستوى الحياة لدى سكانها بدلاً من أن يزدهر حسب تلك التوقعات. الواقع ان اتفاق أوسلو كرس الاندماج ليس لأن واضعيه أرادوا ذلك بل لخيبة أمل دعاة الاندماج ودعاة الانفصال في أوساط الفلسطينيين ولذلك توصل الجميع إلى نتيجة مفادها ان هذا الارتباط يحول دون انهيار أوسلو كاملاً. تأليف: دان شيفطان ، عرض ومناقشة: توفيق أبو بكر