حينما تكون الحرب نزوة فرد فيمكن ان يصدق فيها المثل الفرنسي القائل: «رصاصة واحدة يطلقها عميل مأجور تنهي أعتى الحروب وأشرسها». غير ان هذا المثل يفقد معناه حين تكون الثورة خيار شعب برمته، وهو ما قد يقال اليوم عن الانتفاضة الفلسطينية، التي تأخذ قوتها من عنصر «الحق» في الأرض، ثم من تراكمية ثأرية تحول الجنازة إلى فتيل لانفجار جديد. وقد أظهرت استطلاعات أخيرة للرأي وعمليات مسح ميداني أن 70% من الفلسطينيين يرون وجوب مواصلة خيار الانتفاضة مع تفعيل لها من الناحية الكيفية والنوعية، وهي نسبة تبدو قريبة من نسبة أخرى نشرتها بعض وسائل الإعلام أفادت ان 65% من الفلسطينيين يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة، نتيجة للوضع السياسي والاقتصادي في فلسطين، وهو مسح أجراه برنامج دراسات التنمية التابع لجامعة «بيرزيت» ففي الضفة الغربية مثلاً يرتفع رصيد المواجهة بمقدار ارتفاع التأزم النفسي في الشارع، لذلك فإن حال التأزيم التي تنتهجها اسرائيل لا تعمل سوى على ازدياد تفجر الوضع أو العمل على احتقانه في حال هدوئه، غير أن الذي لايجب ان يهمل في مجال التدقيق والدراسة هو ان تراكمية العمل الانتفاضي كمشروع تحرري، لا كمجرد انفجار نتيجة احباطات قد ارتقت بالأداء من فورته الشعبية الاندفاعية إلى نوعيته العسكرية والتي تظهر بارزة في نموذج العمليات التفجيرية والتي شهدت المناطق الاسرائيلية عدة منها. والحديث عن العمليات التفجيرية يجعلنا نستذكر ما قاله أحد الجنرالات الروس مؤخراً عن مشروع الدرع الصاروخية الأمريكية المضادة للصواريخ البالستية، والذي رصدت له واشنطن كلفة إنجاز مقدرة بـ 60 مليار دولار، أي ما يعادل ثلثي ديون روسيا، إذ قال ان الدرع الصاروخية لن تحمي المصالح الأمريكية أمام ناقم يمر بإحدى سفاراتها ويلقي عليها قنبلة يدوية، وهذا صحيح، فقد استطاعت انتفاضة العُزل في فلسطين ان تسقط نظرية الأمن الاسرائيلي. وقد تحدثت بعض المصادر عن آلاف الاسرائيليين الذين حجزت جوازات سفرهم لكونهم أبدوا نية في مغادرة إسرائيل عائدين إلى بلدانهم التي جاؤوا منها، ويحب بعض المتخصص في مسائل الأمن أن يبرزوا الدور الذي تلعبه العمليات التفجيرية التي تستهدف الشارع والمدنيين في الإرباك الأمني والسياسي لأي بلد مهما كان أيديولوجيا و«توباويا» ومتطوراً، ويدرك الاسرائيليون أكثر من غيرهم ان نجاح الفلسطينيين في اختراق الرقابة الأمنية الحدودية والداخلية الالكترونية والبشرية، وبالتالي النجاح في نقل المعركة من أراضي الحكم الفلسطيني في قلب إسرائيل معناه الدخول في طور جديد للعبة، طور لا تتحكم فيه اسرائيل فقط، بل والفلسطينيون أيضا، وهو ما يعني أن وقف دولاب المعركة لم يعد أمراً مقتصراً على رغبة وتوقيت الإسرائيليين فقط. إن العمليات التفجيرية لم تعمل فقط على نقل المعركة من حيز إلى حيز، بل وأيضاً استطاعت ان تحيد «التفوق الاسرائيلي» من ناحية الأسلحة من المعركة، إذ لم يعد من الممكن الحديث عن 200 رأس نووي تملكها اسرائيل، إذ لا فائدة لمثل هذه المقتنيات في مواجهة العمليات الاستشهادية التي هزت قلب إسرائيل، وقلوب الاسرائيليين لمرات عدة منذ انفجار الانتفاضة في 28 سبتمبر 2000م، وقد راهنت اسرائيل على القضاء على الانتفاضة من خلال توسيع المواجهة وجر دول الطوق ودول عربية وإسلامية أخرى إلى الالتحام، وهو الأمر الذي يعطيها هامشاً ممكناً لاستخدام ترسانتها الحربية، لكن وأمام واقع حصر الالتحام والمعركة في الشارع الفلسطيني المنتفض شعبياً بدت تل أبيب شبه مشلولة أمام عدسات الكاميرات التي تنقل الحدث حياً وبتفاصيله الدقيقة إلى الرأى العام العالمي، رغم ان اسرائيل قد أفلتت كثيراً من الإحراج الدولي والتنديد العالمي، وقصفت أحياء شعبية متسببة في تدمير مساكن مدنيين وقتل أبرياء وقُصّر. ورغم ان الاسرائيليين كانوا يردون على كل عملية تفجيرية استشهادية بأعنف الردود إلا ان أسلوب الرد هذا بات واضحاً انه لا يمكن ان يضع حداً لاستمرارية المقاومة والعمليات، وهو الأمر الذي أكد للشارع الاسرائيلي ان «شارون» لا يمكن ان يحل المشكلة، وان اختياره للمرحلة كورقة قوية في الانتخابات الماضية كان خطأً وأن التسوية هي الحل، ويعرف الشعب الاسرائيلي كما يعرف غيره ان اسرائيل قد استكملت ترسانتها الجوية في العام الماضي (2000م) بـ (650) مقاتلة، وهو ما يغطي حسب بعض الدراسات مهام السلاح الجوي الاسرائيلي فوق العراق وإيران ويشكل هذا العدد من المقاتلات (اف16) و (اف15) و (فانتوم) و (كفير) كما تعتمد اسرائيل في حسمها العسكري على صواريخ جو/جو (أمرام) A 120 - ,Aim وعلى غواصات الدولفين الألمانية، المزودة بصواريخ (أريحا ـ 3) البالستية التي يصل مداها إلى (2300) كم دون إغفال البرنامج الفضائي الاسرائيلي، ولقد كان كل هذا مدعاة لأن يقول شيمون بيريز معلقاً على إطلاق صواريخ (أفق ـ3) منذ مدة: «لقد صارت الهوة النوعية بين اسرائيل والعرب تقاس بالسنوات الضوئية لا بالسنوات العادية، فهؤلاء لا يزالون يحاولون انتاج صواريخ تنطلق من تكنولوجيا قديمة، تعود إلى أيام الحرب العالمية الثانية، لكن رغم كل ذلك يبدو ان شيمون بيريز ذاته لم يعد بعد سلسلة العمليات الاستشهادية الأخيرة مجرد حامل أختام لشارون، بل صار حسب بعض الصحف الاسرائيلية ومنها «معاريف» من المقتنعين ان هذه الأعمال النوعية التفجيرية قد أحدثت فعلاً ثغرة في جدار الأمن الاسرائيلي، وهو الأمر الذي قلب الكثير من المعادلات منها ان استطلاعاً للرأي أُعلن عن نتائجه قبل أيام أظهر ان نسبة غالبة من الاسرائيليين ترى أن إيهود باراك أكثر عقلانية في التعامل مع الفلسطينيين، والانتفاضة من شارون، وهو ما يعني أن هناك تبلوراً لقناعة سياسية اسرائيلية في اسرائيل تقوم على اعتبار السلام خياراً يجب ان يكون ثنائياً ومن الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وبذلك يسقط اعتبار السلام فرضاً تمليه اسرائيل بالقوة، أو تهديه للفلسطينيين بدون مقابل كصدقة منها. إن الفزع الذي تحدثه العمليات التفجيرية في الأوساط الاسرائيلية ينعكس على «القناعة» عند الرأي العام الاسرائيلي، وهو أمر يؤثر ولا شك على استمرارية التزكية لرئيس الوزراء الحالي شارون، ويطرح فكرة موسم البحث عن رجل آخر للمرحلة. ولا شك ان سياسة الردع التي تتبناها اسرائيل ازاء الدول العربية والإسلامية والتي تجعلها مصنعاً للانتاج العسكري والحربي قد سقطت في الوقت الذي ظنت فيه انها حسمت الأمور لصالحها، إذ ان سقوط خيار الحرب عند الدول العربية ضد اسرائيل نتيجة لتفوقها في ميزان القوى قد أوهم الاسرائيليين انهم قد استفردوا بالفلسطينيين، وآنذاك فيمكن ان يفرضوا تسوية مهينة، غير ان هذه العمليات قد أسقطت هذا الوهم، كما أسقطت وهم «الردع» وأصبح بالامكان الوصول إلى العمق الاسرائيلي، ليس عن طريق القوات العسكرية للدول العربية والإسلامية، بل فقط وفقط عن طريق شاب فدائي واحد. ثم ان هذه العمليات قد أسقطت من القاموس كلمة «إرهاب» فيما يخص العمل الإسلامي الفلسطيني، إذ ان هناك اجماعاً عربياً وإسلامياً شعبياً ورسمياً تسانده بعض المواقف الأوروبية والروسية حول كون كلمة «الارهابي» المُدانة لا تنطبق على المنتفض أو المقاوم الفلسطيني، حتى وإن كان ينتمي إلى حركة «الجهاد» أو حركة «حماس» وهي حركات إسلامية كما هو معلوم، كما قد يظهر ذلك في التفاف الشعب الفلسطيني حول العمليات الأخيرة كردة فعل شعبية لا إرهابية ضد الغطرسة الاسرائيلية. كل هذا يدعونا إلى القول ان العمليات الفدائية الاستشهادية قد أعادت صياغة الكثير من الآفاق السياسية وهو ما يجعلنا نقول ان عملية استشهادية واحدة ستحكم سياسة التفاوض والسلام بأطر الحذر والخوف من الفشل لسنوات طويلة مقبلة. بقلم: محمد جربوعة ـ صحفي جزائري