النقاش الذي دار حول جديد الانتفاضة ألا وهو العمليات الاستشهادية لم يقدم دلالات مميزة لهذه العمليات على المستوى البعيد بقدر ما أتى ليحدد نمطية غير واضحة لفهم طبيعة هذه العمليات، فالتجأ البعض لتفسيرها بشكل ديني وأخذ آخرون النمط الإنساني العاطفي ودلالاته ولكن مع تقدم المشهد الى الحقيقة وتنامي العمليات الاستشهادية بات واضحا ان أهدافها تجاوزت الحدود الآنية المؤطرة، وبدأت تأخذ بعدا سياسيا جديدا يمكن أن يكون محورا للتحركات القادمة على المستوى البعيد يدخل في تفاصيل الصراع العربي الصهيوني عامة والفلسطيني الصهيوني بشكل خاص، ويمكن أن نلحظه من بداية الانتفاضة وما فرضته على المسيرة التفاوضية المتوقفة بل لنقل ما يمكن أن تفرضه على مستقبل الصراع. وإذا كانت العمليات الاستشهادية جزءا مهما من مسيرة الانتفاضة فإنها قد أثرت في داخل الكيان الصهيوني وتداخلت مع مجريات الأحداث لتقدم دعما مهما لحركة الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية وتؤثر بشكل كبير على طبيعة البناء البشري الصهيوني وتوجهاته وأفكاره ومستقبل الكيان بكل أبعاده التي يحاول دائما أن يؤسس لها على المستوى الداخلي ليضع مجتمعه كخط مواجهة أول لكل ما هو طارئ ولكن انهيار نظرية الأمن الاسرائيلية أدت إلى اعادة تفكير حقيقية في الشارع الصهيوني وبرزت إلى العلن قضايا اسرائيلية داخلية يمكن لها أن تجعل من أسطورة هذا الكيان المعلنة أسطورة يمحوها الزمن ليعيد صياغتها من جديد. سقوط الداخل الاسرائيلي لقد قدمت الانتفاضة نموذجا ليس جديدا على ساحة النضال الفلسطيني ولكن اعادة نموذج الاستشهادي على الساحة الصراعية كان النموذج غير المتوقع بالنسبة للكيان الصهيوني الذي اعتبر ان حصاره لبيروت عام 1982 واخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان وثم مؤتمر مدريد وبعده اتفاق أوسلو هو بمثابة نهاية اللعبة الأمنية التي كانت اسرائيل ومازالت تعتبرها الضمان الحقيقي لوجودها ووجودها هنا لا يعني تفوقها العسكري المعروف بل يعني بشكل صريح الجانب البشري الذي تسعى اسرائيل لتأمينه عدديا ونفسيا وديمغرافيا، فلا يمكن لدولة أن تقوم دون قناعات بشرية بهذه الدولة، لذلك نلاحظ ان الكيان الصهيوني ما برح يكرر محاولاته ويسعى نحو تأمين قدرات بشرية مقتنعة بهذا الكيان ونجد صورة هذا السعي من خلال تشجيع الهجرة والمستوطنات على البقاء كي يحافظ الكيان ذاته على بقائه. ولكن ما قدمته الانتفاضة الفلسطينية من حقائق أثبتت بداية ان هذا الكيان هو بمثابة المهرب من ظروف معيشية لم تكن مقنعة في الدولة التي كان اليهودي المهاجر يعيش بها، ويمكن أن يتوضح ذلك من خلال المهاجرين الروس وحدهم على سبيل المثال والذين بلغوا المليون مهاجر فهم لم يأتوا أولا إلى الكيان الصهيوني لقناعتهم بهذا الكيان بل أتوا نتيجة الظروف المعيشية السيئة التي عاشوها مع بداية انهيار الاتحاد السوفييتي وثم انهياره، أضف إلى ذلك وباعتراف الأوساط الحاخامية ان أكثر من نصف هؤلاء ليسوا بيهود، وقد يستغرب المرء تعصبهم وتعصب أحزابهم للكيان الصهيوني ولكن مرد هذا التعصب انهم يريدون اثبات الولاء للدولة العبرية وهم المشكوك في ولائهم وفي دينهم. وهذا المثال لتبيان واقع ذلك المجتمع الذي بدأ ينكشف على حقيقته أمام الطارئ الجديد الذي حل عليه الانتفاضة أولا والعمليات الاستشهادية ثانيا، فما الذي حصل في هذا المجتمع؟! نستطيع بداية قراءة المشهد في الكيان الصهيوني من خلال السعي الشعبي إلى الهجرة من اسرائيل وتزايد هذا السعي حتى ان بعض الاحصائيات تؤكد ان 70% من الشباب يرغب في الهجرة من اسرائيل إلى غيرها وهذه النسبة التي تحاول السلطات الاسرائيلية اخفاءها تتوهج أكثر من خلال التعقيدات الجديدة التي وضعتها الحكومة أمام الراغبين بالسفر حتى انها تصل أحيانا إلى حجز جوازات سفرهم وهذا ما حصل بالفعل في فترة الانتفاضة. وإذا كانت الهجرة الخارجية تعاني من الصعوبات فان الدلائل الاسرائيلية ذاتها تشير إلى الهجرة الداخلية المتنامية كما تسميها الأوساط اليهودية فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية وتحديدا في 15 مايو ان الهجرة من المستوطنات «الهروب» باتت تشكل كارثة بالنسبة للحكومة الاسرائيلية حيث أفرغت بعض المستوطنات تماما من سكانها كما في مستوطنة «دوغيت» شمال غزة حتى ان المستشار القضائي السابق للحكومة الاسرائيلية «مايكل بن مائير» وهو أحد المشرعين للاستيطان قال: «ستنتهي هذه الحرب بانتصار الفلسطينيين ويبقى ان نعرف كم من الوقت والدم سوف يهدر لغاية تحقيق ذلك وهنا فان تمسكنا بالمستوطنات التي تعيق عملية التوصل الى اتفاق سلام لا معنى له». وأكثر من ذلك فان مستوطنة نتساريم في قطاع غزة وضعت لها كتيبة كاملة لحمايتها. ورغم ان اسرائيل شقت سابقا طرقاً كثيرة واسعة بكلفة 500 مليون دولار خاصة باليهود فقط للالتفاف على المدن الفلسطينية ولكن هذه الطرق غالبا ما تغلق بوجه اليهود أنفسهم لانها غير آمنة حتى تلك الطرق التي تربط عبر أنفاق مستوطنة انزيوم والقدس تغلق أيضا وهذه الطرق كانت تعتبر أكثر الطرق أمانا وللعلم فان مستوطنة انزيوم تقع جنوب بيت لحم. وعلى مستوى الخدمة العسكرية فان ظاهرة الهروب من الجيش أصبحت ظاهرة طبيعية في اسرائيل وعدم الالتحاق بخدمة الاحتياط أصبح أمرا طبيعيا فقد كان قبل الانتفاضة 25% من الجنود يهربون من الخدمة العسكرية وتضاعف هذا الرقم في فترة الانتفاضة، ويرفض الخدمة أكثر من ثلثي الشباب الاسرائيلي، وفي هذه الظروف التي فرضتها الانتفاضة والعلميات الاستشهادية نشطت حركات جديدة كحركة «بروفايل جديد» وهي حركة شبابية تأسست عام 1998 ونشطت مجددا لالغاء التجنيد ومساعدة من يرغب بعدم الخدمة العسكرية. وهنا يطرح سؤال موضوعي لماذا لا تظهر هذه الأمور على الصعيدين الرسمي والاعلامي في اسرائيل؟! الواقع ان الحكومة الاسرائيلية تعتم على هذه القضايا كي لا تزيد الفزع في الشارع الاسرائيلي وهو الموجود بالأساس حيث ان هذا الشارع وبعد تنامي العمليات الاستشهادية بدأ يلجأ إلى المخدرات والمهدئات التي فقدت من الأسواق الاسرائيلية لتنامي الطلب عليها وصارت مشكلة الخدمة من المشكلات المحيطة بالمجتمع ومشكلة الهجرة من المشكلات الداخلية في صلب هذا المجتمع حيث الفزع والخوف أصبح ظاهرة طبيعية في كل الأماكن العامة الاسرائيلية، وتوج هذا الخوف باعلان مجموعة من الأكاديميين رغبتهم في اقامة «اسرائيل الجديدة» خارج الكيان الصهيوني وزاد هذا الاعلان حدة ان 83% من الاسرائيليين يعتقد ان الكيان سيواجه انفجارا اجتماعيا إذا بقيت الأمور على ما هي عليه ولم تستطع الحكومة الاسرائيلية فرض الأمن الذي تنادي به. ويمكن أن نقرأ امتداد تأثير الانتفاضة والعمليات الاستشهادية على الداخل الاسرائيلي من خلال الخسائر الاقتصادية التي قدرت بحوالي ثلاثة مليارات دولار وتوقع انخفاض الناتج العام في اسرائيل لهذا العام بمعدل 2% وقد انخفض الناتج الصناعي حوالي 12% وكذلك انخفضت الاستثمارات الأجنبية (سندات الدين) من 417 إلى 28 مليون دولار وسحبت الأسهم الخارجية من الأسواق المالية الاسرائيلية، وتأثرت السياحة وبلغت خسائرها حوالي مليار دولار، وتأثر السياحة نتيجة مباشرة للعمليات الاستشهادية. اضافة إلى كل ذلك فان تركيبة المجتمع الاسرائيلي بشكل عام أصبحت مضطربة حيث يغيب الأمن بشكل كامل في جميع المناطق اليهودية مما يشكل فزعا حقيقيا للشارع ويمتد هذا الفزع ليؤثر على الحكومة الاسرائيلية بزعامة ارييل شارون والذي كانت حملته الانتخابية قائمة على قمع الانتفاضة وتوفير الأمن ولكن الأمن الاسرائيلي قوبل بالعمليات البطولية الاستشهادية فبدأت التناقضات تظهر بشكل واضح في الحكومة الاسرائيلية وبدأت هذه الحكومة معرضة للانهيار في أية لحظة بل انها منهارة ولكنها الآن تحاول ضبط نفسها لان الظروف المحيطة لا تسمح لها بالظهور في موقف الضعف. سقوط الأحلام باستطاعتنا القول الآن ورغم اعلان السلطة الفلسطينية وقف اطلاق النار ان اسرائيل قد سقطت أحلامها وسقطت أحلام ارييل شارون تحديدا الذي أتى متحديا الحكومة الاسرائيلية السابقة قبل أن يتحدى الفلسطينيين والأحلام الشارونية اسقطتها الانتفاضة من جهة ومتلازمتها العمليات الاستشهادية فالضغط على السلطة الفلسطينية الذي وعد به شارون أصبح ضغطا عليه من خلال قوة الانتفاضة وذعر الشارع الاسرائيلي مع حكومته من العمليات الاستشهادية حيث فرضت هذه العمليات عجزا حكوميا واضحا على كل الاتجاهات وخاصة الاتجاه الأمني، بل ان العمليات الاستشهادية أكدت ان التفوق الاسرائيلي العسكري لم يعد مجديا أمام الجسد المتفجر. وكذلك فارتفاع تكاليف قمع الانتفاضة وحالة الاستنفار الدائمة لقوى الأمن الاسرائيلي جعلت هذا الكيان يعيش لعنة حقيقية تصفها الأوساط الاسرائيلية بأنها الأشد والأقوى على الدولة العبرية منذ اعلان تأسيسها. وتبقى مقولة الأمن الاسرائيلي هي المقولة الساقطة في حسابات الحكومة وحسابات الشارع لانها قد أفرزت عبر متحديها «الاستشهادي» اندحار النظرية الصهيونية ذاتها وانكسار الايديولوجيا التي تحتمي بها اسرائيل وباتت اسرائيل كما عبر عن ذلك وزير دفاعها بنيامين بن اليعازر «تضع يدها على الزناد لحماية أمن مواطنيها» وضمن هذه الأطر فان حقيقة الأمن باتت مكشوفة بامتياز من خلال مطالبة الشارع الاسرائيلي بحزم شديد تجاه العمليات الاستشهادية التي لم يستطع شارون حتى الآن السيطرة عليها لانها باتت تشكل هاجسا حقيقيا يعيشه الكيان، ونستطيع من كل ذلك أن نستخلص من خلال خيار شارون الذي أعلن فيه وقف اطلاق النار انه موقف جديد اتخذه شارون المعروف بمجازره ولكن الواقع الذي فرضه الاستشهادي الفلسطيني غير النظرية الشارونية التي ترى الحرب اسلوبا للحوار وترى المجازر اسلوبا لحل الأزمات ولكن الوقائع تشير إلى ان شارون بات يعيش قلقا حقيقيا بل اضطرابا مشوبا بالخوف من ذلك الجسد الذي يقدم نفسه وروحه فداء للقضية الفلسطينية. إذن كل المفاهيم التي اعتمدتها الحكومة الاسرائيلية أصبحت بحاجة إلى اعادة صياغة سواء في تركيبتها أو في طرائق تفكيرها لان الواقع قد فرض على اسرائيل طريقا جديدا لم تشقه الحكومة الاسرائيلية هذه المرة بل فتحته حجارة الانتفاضة وأجساد الاستشهاديين، ويبقى الأمل الآن معقودا على الفلسطينيين والعرب ألا يضيعوا دماء الشهداء هدرا بل يعتمدوها طريقا في تفكيرهم الذي يجب أن يكون مختلفا وجديدا. بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني