أن يطلب شارون من الفلسطينيين وقف اطلاق النار، هذا ما لم يكن احد يتوقعه حتى اكثر المتفائلين من الغرب اذ لم يكن من السهل كبح جماح هذا الصهيوني العنصري واجباره على التوقف عن ممارسة نزاوته السادية من خلال التفنن بقتل الاطفال والشيوخ الفلسطينيين، والغاء كل اتفاق قطعته الدولة العبرية على نفسها لولا ضربات رجال المقاومة الاستشهاديين والذين حملوا شارون على الاستنجاد بكل الدوائر الغربية من اجل ممارسة الضغط على عرفات لايقاف العمليات الاستشهادية التي زلزلت الارض تحت اقدامه وشوهت كفاءته النازية امام المجتمع الاسرائيلي. لقد صنعت العمليات الاستشهادية في المجتمع الاسرائيلي ما لم تصنعه اية اداة نضالية اخرى، فالمواطن الاسرائيلي لم يعد يأمن على حياته اينما كان داخل هذه الدولة المصطنعة، سيما وان هذه العمليات الاستشهادية كانت تضرب في العمق الاسرائيلي وفي اماكن من الممكن القول انها كانت تخضع لحراسة امنية مشددة اشبه بالسياج الامني مما افرغ الاسواق والشوارع والتجمعات من اليهود وادى الى شل مرافق الحياة هناك وجعلهم يعيشون اجواء الحرب بعد ان كانت مقتصرة على فلسطينيين ويلعنون اليوم الذي انتخبوا فيه شارون. لا شك انه لولا تنادي الوسطاء الغربيين وممارستهم الضغط على الرئيس عرفات لايقاف العمليات الاستشهادية كان من المؤكد سيدخل حكومة شارون في دوامة لا يمكن التنبؤ بدقة بنتائجها بعد ان ظهر عاجزا عن وقفها رغم كل ما اوتي من قوة وجبروت فهو لا يستطيع ان يخيف او يجبر انسانا على التوقف عن مهمته يكون سلامه الموت خاصة وان كل المؤشرات كانت تدل على ان هذه العمليات ستزداد ضراوة بعد ان فهم مخططوها متطلبات المرحلة وتهيأت الظروف لممارسة نضالهم المشروع. عرفات ورغم انه لا يملك السلطة الفعلية لحمل الاسشهاديين على وقف عملياتهم الا انه يملك السلطة الاخلاقية اللازمة لذلك، خاصة وان هناك اجماعا من قبل معظم الوان الطيف السياسي الفلسطيني على شخص عرفات الذي اصبح رمزا للقضية ويتمتع بقبول عالمي لتمثيل الشعب الفلسطيني. وعلى اية حال فان حكومة شارون وكما يراها بعض المراقبين ليس من السهل ان يقدم الاسرائيليون على اسقاطها في المرحلة الراهنة، خاصة وان شارون يعتبروه الورقة الاخيرة والتي يمكن ان يلعبوا بها في وجه كل المحاولات لاقامة الدولة الفلسطينية وبسقوطه في الظروف العصيبة التي تمر بها الدولة العبرية حاليا يعني بداية الهزيمة خاصة وان شارون هو الاشد تطرفا على مدى تاريخ هذه الدولة وبالتالي سقوط جميع اللاءات الاسرائيلية والقبول بخيار الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين وهو الشيء الذي يرفضوه ويصروا على عدم اتاحة الفرصة لامكانية تحقيقه. وشارون الذي بدا اصفر الوجه على شاشات التلفزيون بسبب حاله الحرج التي وقعت بها حكومته جراء العمليات الاستشهادية من المؤكد انه لن يعيد تجربه لبنان والغوص في وحل الاحتلال المباشر بمعنى ان تجربه لبنان كانت قاسية بالقدر الذي لن يسمح له بأن ينساه خاصة مع تصريحات القادة الفلسطينيين بأن أي حماقة تقدم عليها اسرائيل وتهدف الى اعادة احتلال مناطق انسحبت منها ستواجه برد لن تتوقعه وسيكون على بركة من الدماء لن تستطيع اسرائيل أن تتحمل نتائجه. ومن المؤكد ان اقدام اسرائيل على اعادة احتلال مناطق السلطة سيواجه بردود فعل عالمية وعربية قاسية رغم أن المؤشرات الحالية لا تدل على ذلك، ولكن العالم وخاصة الغرب لن يقف مكتوف الايدي وهو يرى عودة تصدر قضية فلسطين قائمة الاهتمامات العربية والتي من شأنها زعزعة الوضع في منطقة تعتبر الاهم ضمن مناطق مصالحها عالميا، صحيح ان العالم يقف الان موقف المتفرج مما يحدث في الاراضي الفلسطينية ولكن اعادة الاحتلال ستضع الغرب امام محك حقيقي لتطبيق المباديء التي ينادى بها وسيفتح الباب مشرعا امامه ويحرجه للبدء بتصفية حسابات في مناطق اخرى من العالم كالعراق مثلا. لقد ناضل الشعب الفلسطيني طوال القرن الماضي نضالا شاقا وطويلا ولكن نضاله هذا لم يسبقه بتحقيق استقلاله اسوة بباقي الشعوب العربية نظرا لاستهدافه من قبل عصابة دينية يهودية تستهدف ارضه وتعتبرها حقا مقدسا تاريخيا ولذلك كانت المعركة مع العصابة ستأخذ نفسا طويلا وتتطلب التغيير في الادوات النضالية والجهادية ضدها. ومن المفيد هنا الاشارة الى ان العمليات الاستشهادية هي قمة سنام هذه الادوات نظرا لامكانيات الشعب الفلسطيني المادية والعسكرية المتواضعة ولما تحدثه هذه العمليات من تأثير على المجتمع الاسرائيلي تفوق بكثير التوقعات بحيث ان عملية واحدة تستطيع ان تساوي بفعلها وتسقط قتلى اكثر من أي معركة خاضتها اسرائيل مع الدول العربية وهذا ما يخشاه الاسرائيليون واكثر ما يزعجهم هو رؤية مواطنيهم يذهبون قتلى بالعشرات وهم عاجزون عن حمايتهم رغم ما يمتلكوه من قوة. تعلمنا من اليهود وعبر صراعنا الطويل معهم انهم لا يخضعون الا عندما يشعرون بالخطر وهذا ما اثبتته الاحداث فكلما كانوا يحسون بضعف موقفهم العسكري كانوا يلجأون فورا الى استدعاء الوسطاء لعقد هدنة من شأنها ان تسمح لهم بالتقاط انفاسهم واستعادة تجميع قواهم من جديد وهذا ما يحدث فعلا الآن. فشارون بعد كل ما مارسه من مجازر اجبرته العمليات الاستشهادية على الدعوة لوقف اطلاق النار وهو ما لم يكن واردا في قاموسه العسكري ابدا والتلميح بقوله العودة الى طاولة المفاوضات التي كان اسلافه يجيدون اللعب عليها في المغالطة والتسويف. اذن شارون من المؤكد انه سيلزم بالجلوس الى طاولة المفاوضات لتخليص حكومته من الحرج وسيجبر على مفاوضة كوادر فلسطينية اعلن اكثر من مرة بأنه لن يضع يده بأيديهم الملطخة بالدم كما يدعي. وتظهر العمليات الاستشهادية تماسكا شعبيا وتنظيميا نادرا بعد ان عززت الاحداث الاخيرة شعبية عرفات خاصة بعد رفضه لمساومات شارون الرخيصة فيما يتعلق بمساحة الارض والحدود والمستوطنات واللاجئين حيث ظهر المشهد التنظيمي السياسي الفلسطيني على اعلى الدرجات المسئولة والتنسيق ومن الواضح تماما ان العمليات الاستشهادية التي تنفذها التنظيمات الاسلامية «حماس» والجهاد الاسلامي بدأت بعد ان فقد الرئيس الفلسطيني صبره ولم يعد امامه سوى التلميح لهذه التنظيمات ببدء العمل سيما وان السلطة اطلقت سراح معظم كوادر الاجنحة العسكرية لهذه التنظيمات. من حيث الولايات المتحدة الأمريكية فان المطلع على اوضاعها الداخلية والتركيبة السياسية في هذا البلد لا يستغرب ابدا الموقف المنحاز لاسرائيل والمستنكر لسقوط الضحايا الإسرائيليين، بينما يغض الطرف عن سقوط المئات من الشهداء الفلسطينيين على ايدي القوات الصهيونية رغم علمها الاكيد بأن المتسبب هو اسرائيل وان ما يسقط من الجهود لا يقارن باعداد الشهداء الفلسطينيين. فان قرار الكونجرس الأمريكي، فيما يتعلق بالشرق الاوسط هو بيد لوبي صهيوني يعمل لصالح اسرائيل من خلال استخدام كل امكاناته المادية والانتخابية الضخمة يمارس بها الضغط على اعضاء وفي النهاية عضو الشيوخ او النواب الأمريكي لا يهمه أي قرار لا يضر بمصالح امريكية وان كان يصب في مصلحة اسرائيل وبالتالي فان السياسة الخارجية الامريكية في هذه المنطقة محكومة برغبات هذا اللوبي. ومن الواضح بأن اسرائيل بدأت مؤخرا وعلى اثر العمليات الاستشهادية بمغازلة المبادرة الاردنية المصرية وتقرير ميتشيل كأساس للعودة الى طاولة المفاوضات ولكن اعتقد ان هذه المغازلة ستقتصر على وسائل الاعلام ريثما ينجلي الوضع بعد محاولة وقف اطلاق النار من قبل الجانبين والذي لن يكون من مصلحة الفلسطينيين في كل الاحوال، فشارون لا يمكن التسليم بأنه من رجال السلام وانه سيصنع سلاما شاملاً، ومن المؤكد بأنه اذا ما استمرت الانتفاضة سيلجأ إلى تصدير ازمته الى الخارج بافتعال معركة محدودة مع سوريا ولبنان وربما ستنيب عنها احدا في ذلك وتقف هي موقف المتفرج والذي يمارس ضبط النفس كما حدث في ازمة الخليج الثانية ونجحت فعلا به حيث استطاعت صرف الانظار عن الانتفاضة الاولى وجعلها على نار هادئة. وهذا فعلا ما ستؤكده الاحداث في المستقبل القريب فالاسرائيليون لم يأتوا بشارون من اجل السلام فهم يعرفون تماما ما يريدونه، ومخطيء من يظن ان اسرائيل ستحقق السلام العادل يوما مع الفلسطينيين وانها راغبة فعلا بالسلام مع جيرانها من الدول العربية الا ان هذا ما لا تريده مع الفلسطينيين لانه يعني لها بداية النهاية فالارض الفلسطينية من النهر الى البحر لا تحتمل دولتان وان احتملت فلن تحتمل اسرائيل مسألة الدولة المزدوجة القومية حتى مع العرب الذين يعيشون في اراضي الـ 48 والذين ترى فيهم اسرائيل قنبلة سكانية موقوتة ستنفجر قريبا. بقلم: ماهر الشوابكة ـ صحفي اردني