لم يعد ثمة عاقل يعتقد بأن إيمانا لدى الفلسطينيين بامكانية الوصول إلى حلول أو الحصول على حقوق عبر المفاوضات السياسية والقنوات الدبلوماسية.. فالفلسطيني لا يلدغ من تفاوض مرتين.. كما لم تندلع الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدما انسدت كل الطرق وانغلقت جميع الآفاق أمام الآمال الفلسطينية بامكانية تحقيق التسوية السلمية لقضية الشرق الأوسط بواسطة الطاولة والأوراق. لقد جرب الفلسطينيون كافة الخيارات السياسية والدبلوماسية والسلمية ـ العلنية منها والسرية ـ ولم يبق قبالتهم سوى خيار الانتفاضة التي أثبتت أشهرها الثمانية إنها تزداد أوارا وتتسع مدارا. منذ انطلاقتها في أواخر سبتمبر الماضي، بالرغم من ان شارون قد حشد لمواجهتها كافة صنوف الأسلحة، من دبابات ومدفعية وصواريخ وسفن حربية وطائرات مروحية، حتى انه لجأ مؤخرا إلى استخدام الطائرات المقاتلة «اف 16» الأمريكية! غير ان كل هذه المحاولات لم تجد نفعا حتى هذه اللحظة. فقد كانت الانتفاضة تزداد اشتعالا كلما هدم بيت أو استشهد طفل أو رضيع أو اعتقل شاب أو صبي. وأتت العملية الاستشهادية الكبرى في النادي الليلي بتل أبيب، مؤخرا، لتؤكد ان جميع الوسائل متاحة وكل الاحتمالات مفتوحة في مضمار المقاومة الفلسطينية المشروعة للاحتلال الاسرائيلي الجاثم كالسرطان على الجسد العربي منذ ما يزيد على 53 عاما. اليوم، لم يعد ثمة أدنى شك في ان الشعب الفلسطيني، بكل فئاته، يؤيد ـ على نحو قاطع ـ استمرار انتفاضته، بل ويعتبرها الحل الأمثل للوصول إلى حل مقبول تقتضيه، في ظل التخاذل العربي والتغاضي الدولي اللذين باتا يصبان في وعاء المصلحة الاسرائيلية، بل ويعززان الموقف الاسرائيلي الذي صار نموذجا صارخا للتشدد والعنجهية والغطرسة. لكن في الوقت نفسه، يعرب بعض المراقبين عن تخوفهم من ان كرة اللهب ـ الآن ـ موجودة في الشارع الاسرائيلي، لكن الخوف من أن تتحول هذه الكرة إلى الشارع الفلسطيني، في حال دب الخلاف بين السلطة الفلسطينية والحركات الوطنية والاسلامية الناشطة في الساحة، لا سيما ان السلطة ترفض العمليات الفدائية والاستشهادية، فيما تؤيدها وتسهم فيها بقية الفصائل.. وفي كل الأحوال، بات واضحا ان حكومة شارون لا تستطيع احتمال وضع خطير كهذا، فهي حكومة تعدم استراتيجية للسلام برغم انها تمتلك تكتيكا للقتل ومخططات للابادة.. وهو الأمر الذي يعني ان هذه الحكومة باتت تدق آخر المسامير في نعشها أو تحفر قبرها بيديها الملوثتين بالدم الفلسطيني والاسرائيلي على السواء! حسن عبدالوارث