العملية الاستشهادية الأخيرة التي أسفرت عن مصرع 20 اسرائيليا في قلب تل أبيب مثلت ذروة لعديد من العمليات الاستشهادية (والعسكرية) الناجحة، التي تم تنفيذها على أيدي مناضلي انتفاضة الأقصى.. وهي عمليات شهدت تصاعدا ملحوظا خلال الشهور القليلة الماضية ردا على تصاعد وحشية العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. ومثلت العملية الأخيرة خصوصا ضربة قاسية للدولة الصهيونية ولحكومة مجرم الحرب أرييل شارون واستراتيجيته الأمنية الهادفة الى القضاء على الانتفاضة وتركيع الشعب الفلسطيني البطل من خلال استخدام أقصى أشكال العنف والعدوان، والتي وصلت الى حد قصف المدنيين بطائرات (إف-16) الأمريكية المقاتلة. والمعروف أن شعار: (تحقيق الأمن للدولة والمواطنين) كان الشعار الرئيسي لحملة شارون الانتخابية، والذي مكنه من تحقيق فوز ساحق (غير مألوف في اسرائيل) على رئيس الحكومة السابق إيهود باراك. والواقع أن باراك (لم يقصر) في ارتكاب المجازر ضد الشعب الفلسطيني الصامد، وفرض أبشع أشكال الحصار والتجويع عليه، لكن الرأي العام الاسرائيلي، المتجه نحو التطرف اليميني بصورة متزايدة، اعتبر شارون (رجل الساعة).. الأكثر قدرة على قمع الانتفاضة، بحكم تاريخه الأسود المعروف كمجرم حرب، ومواقفه اليمينية الموغلة في تطرفها و تركيزه المستمر على شعار (تحقيق الأمن)، دون اهتمامات بالشعارات المنافقة حول (السلام) التي كان يرددها باراك باستمرار، وبغض النظر عن سلوكه العملي المناقض لها على طول الخط. فهل نجح شارون في (تحقيق الأمن) الذي وعد به ناخبيه؟؟ الاجابة التي كتبها المناضلون الفلسطينيون بدمائهم الزكية كانت: (لا) قاطعة.. فقد كان الرد الفلسطيني على تصعيد الحكومة الاسرائيلية بزعامة شارون لعدوانها الوحشي، هو تصعيد العمليات الاستشهادية والعسكرية، ورفع مستوى إحكامها وفاعليتها، بحيث أدت الى اسقاط مزيد من القتلى والجرحى الاسرائيليين من العسكريين والمستوطنين والمدنيين سواء في الأراضي المحتلة عام 1948 أو في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتشير التقارير الى أنه مقابل أكثر من (500) شهيد فلسطيني منذ بدء الانتفاضة، لقي (108) اسرائيليين مصرعهم نتيجة العمليات الاستشهادية (والعسكرية) في الفترة نفسها.. أي بنسبة خمسة الى واحد.. وهي نسبة تمثل نجاحا بارزا للمناضلين الفلسطينيين إذا وضعنا في اعتبارنا أن شعبا شبه أعزل يواجه آلة حرب هائلة وبالغة الشراسة. والأمر الأهم يكمن في أن ارادة الشعب الفلسطيني ومناضليه لم تنكسر في مواجهة الوحشية الاسرائيلية المنفلتة والحصار والتجويع والقصف المدفعي والجوي للأحياء المدنية والقرى والمخيمات ومقار السلطة الوطنية، والتدمير المنهجي للبنية التحتية في الضفة والقطاع فاستمرت المواجهات الجماهيرية اليومية. وتصاعدت العمليات الاستشهادية (والعسكرية) التي كانت ذروتها حتى الآن عملية تل أبيب الأخيرة. أوهام الأمن والواقع أن استمرار العمليات الاستشهادية (والعسكرية) الفلسطينية مثل ضربات قاسية متوالية لشعار شارون المتبجح حول (تحقيق الأمن للدولة والمواطنين) ولشعور سكان المدن الاسرائيلية، فضلا عن المستوطنين في الضفة والقطاع بالأمن وتشير التقارير الصحفية الى التناقص الواضح في أعداد المترددين على الأسواق والمحلات التجارية والأماكن العامة في تل أبيب وغيرها من المدن الاسرائيلية. كما تشير الى تزايد أعداد المستوطنين الصهاينة الذين يهجرون منازلهم في المستوطنات بصورة دائمة أو مؤقتة. كما توقفت كليا تقريبا حركة السياحة الوافدة الى اسرائيل منذ بدء الانتفاضة. وألغت المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا برامجها الصيفية المعتادة لارسال طلاب وشباب يهـود وغير يهود للاقامة والعمل التطوعي في (الكيبوتزات) في الأراضي المحتلة عام 1948، والمستوطنات في الضفة والقطاع. وخلاصة القول إن اتساع نطاق العمليات الاستشهادية (والعسكرية) ونجاحها في اسقاط عدد كبير من القتلى بين الاسرائيليين، والصمود الأسطوري للانتفاضة الفلسطينية في مواجهة العدوان الصهيوني الوحشي، كلها أمور برهنت على فشل شارون في تجسيد شعاره الرئيسي حول (تحقيق الأمن) لاسرائيل والاسرائيليين. شعبية تتدهور وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن شعبية شارون بدأت تتآكل. وخرجت مظاهرات المستوطنين وغيرهم من اليمينيين المتطرفين، في تل أبيب وغيرها من المدن الاسرائيلية تندد بعجزه عن (تحقيق الأمن) ذلك الشعار الوعد الذي انتخبوه لكي ينفذه. وأوضح استطلاع للرأي أجراه معهد (جالوب) ونشرته صحيفة (معاريف) الاسرائيلية، يوم الثامن من يونيو الجاري، أن شعبية شارون انخفضت من 69% قبل العملية الاستشهادية الأخيرة في القدس، الى 62% بعد العملية أي أن شارون فقد سبع نقاط من تأييد الرأي العام الصهيوني له خلال أسبوع واحد، بسبب هذه العملية، وما أظهرته من فشل السياسة الأمنية لحكومته. الأمر الأهم هو أن (الرسالة وصلت) الى الجمهور الصهيوني الذي لا يفهم غير لغة القوة والإيلام الذي تسببه العمليات الاستشهادية والعسكرية، وما توقعه من ضحايا في صفوف ذلك الجمهور. فقد وافق 59% من الذين شملهم الاستطلاع على استمرار ما يسمى بسياسة (ضبط النفس) على أمل أن تؤدي الى وقف دائم لاطلاق النار مع الفلسطينيين.. بينما عارض 36% مواصلة هذه السياسة. وأعلن 58% من الذين شملهم الاستطلاع عن تأييدهم لاستئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني بينما عارضه 37% منهم. ونلفت النظر الى أهمية توقيت استطلاع الرأي المشار اليه.. في أعقاب عملية تل أبيب الاستشهادية التي أوقعت عشرين قتيلا اسرائيليا، كما نلفت النظر الى أن غالبية واضحة تؤيد استئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.. بينما كان شارون يعلن باصرار أن المفاوضات الوحيدة المقبولة لديه هي المفاوضات ذات الطابع الأمني (حول سبل ايقاف العنف).. الفلسطيني بالطبع!! وإلقاء السلطة الوطنية القبض على المناضلين الفلسطينيين الذين تشتبه الحكومة الاسرائيلية في أنهم يقفون وراء العمليات الاستشهادية والعسكرية. غير أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تجعلنا نذهب بعيدا في التفاؤل بشأن النزعات (السلامية) للرأي العام الاسرائيلي. (فسياسة ضبط النفس) أو (وقف إطلاق النار من طرف واحد) معروف أنها تجئ في إطار (حملة علاقات عامة) واسعة تشنها حكومة شارون، ومهندسها هو وزير الخارجية شمعون بيريز (أحد أقطاب حزب العمل) المعروف بكونه سياسيا داهية وضليعا في الكذب والنفاق و(بيع) الشعارات والمواقف (السلامية) الفارغة من أي مضمون حقيقي. واستئناف المفاوضات هو أيضا أمر يضع له حتى الساسة (المعتدلون) شروطا كثيرة، تهدف في النهاية لوقف الانتفاضة التي يسمونها (العنف)! وشق الوحدة الوطنية الفلسطينية من خلال ممارسة أعنف الضغوط على الرئيس عرفات لحمله على قمع مناضلي (فتح) و(حماس) و(الجهاد). والأرجح أن المغزى الأساسي الذي تشير اليه أرقام استطلاع الرأي المذكور، هو فشل سياسة حكومة شارون الأمنية، وشعور الاسرائيليين بالذعر من استمرار أو اتساع نطاق العمليات وما تسببه من خسائر بشرية فادحة في صفوفهم.. ومعروف حساسية الاسرائيليين البالغة لمثل هذه الخسائر. وإذا كان هناك شعور واسع النطاق في اسرائيل بفشل وعقم سياسة شارون الأمنية.. واذا كانت شعبية الأخير تتراجع.. وإذا كان هذا الفشل وقوة الضربات الفلسطينية للدولة الصهيونية قد أجبرت الولايات المتحدة أخيرا على التدخل وارسال مبعوثيها الأمني (تينيت) والسياسي (بيرينز).. فهل تعني هذه المؤشرات إفلاس حكومة شارون بصورة تجعلها مرشحة للسقوط خلال وقت قصير.. بفرض استمرار الانتفاضة والعمليات الاستشهادية؟؟ الواقع أن الاجابة على هذا السؤال أبعد ما تكون عن البساطة، لأنها تتعلق بعوامل كثيرة متشابكة ومتبادلة التأثير فيما بينها.. وهي عوامل فلسطينية واسرائيلية وعربية ودولية. فعلى الجانب الفلسطيني يتوقف الكثير على مدى صلابة القيادة وقدرتها على المناورة بذكاء، ومواجهة العدوان الوحشي وسياسة الحصار والتجويع اللذين تفرضهما اسرائيل على الشعب الفلسطيني والارتقاء الى مستوى صلابة وبسالة هذا الشعب الشقيق. وقد أبدت القيادة الفلسطينية، حتى الآن، الكثير من الصلابة والحكمة والمرونة والقدرة على المناورة بذكاء. ونعني على وجه التحديد في قيادتها للانتفاضة.. ولا نمد هذه الأوصاف على عملية أوسلو وتوابعها ونهجها، الذي برهنت الانتفاضة على عقمه وإفلاسه. لكننا يجب أن نضع في اعتبارنا الظروف بالغة القسوة التي تو اجهها الانتفاضة بإرادة جبارة، نابعة من إدراك الشعب الفلسطيني أنه يخوض معركة مصيرية بكل معنى الكلمة. وبتعبير أوضح، فإن الانتفاضة في مسيس الحاجة الى دعم عربي أكثر جدية، على المستوى السياسي والاقتصادي والمعنوي. ولابد من الاعتراف بأن الدعم العربي للشعب الفلسطيني الشقيق أقل بكثير جدا من المستوى الضروري على جميع الأصعدة والمطلوب أن يتضمن هذا الدعم علاوة على التنفيذ الجدي لمقررات قمتي القاهرة وعمان موقفا عربيا واضحا أمام الولايات المتحدة، وانحيازها المطلق لاسرائيل، وضغوطها العنيفة المستمرة على الشعب الفلسطيني وقيادته. ولا ندعو الى مواجهة مع أمريكا، نعرف أن الأنظمة العربية غير قادرة عليها. لكن هناك أشكالا ومصالح عديدة يمكن من خلالها الضغط على واشنطن إذا توافرت الإرادة السياسية. ومثل هذا الموقف العربي الجاد، يجب أن يكون واضحا للجميع أنهم يتحملون أمام التاريخ مسئولية ترك الشعب الفلسطيني وحيدا في مواجهة قوى عاتية، وفي ظروف دولية معاكسة.. فإلى متى تستطيع الارادة الجبارة والبطولة الصمود؟! أما على الجانب الاسرائيلي، فإن رئيس الحكومة الحالي قد تم انتخابه لولاية من المقرر أن تستمر حتى مايو عام 2003 أي لمدة عامين مقبلين.. وهو يرأس ائتلافا حكوميا يؤيده أكثر من سبعين نائبا. ومثل هذا الائتلاف يمكن أن يتعرض للتفكك - وبالتالي تسقط حكومة شارون في حالة اذا ما استمرت أو تصاعدت ضغوط الانتفاضة والعمليات العسكرية التي تقوم بها وثبت ضرورة البحث عن طريق للتسوية تحت ضغوط الرأي العام. أو إذا نشأ وضع بالغ الخطورة في المنطقة يمثل تهديدا جديا للمصالح الأمريكية بحيث تجد واشنطن نفسها مضطرة للتدخل للجم تطرف رئيس الحكومة الاسرائيلية، أو أن تضغط أمريكا على اسرائيل بشدة لتغيير مواقفها بدرجة أو بأخرى. وكما سبق أن شرحنا فإن كل هذه الاحتمالات وثيقة الصلة بالموقف العربي.. فهل نتحرك؟؟ بقلم: د. محمد فراج أبو النور ـ كاتب مصري