في حوار سابق مع السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله بلبنان، جرنا الحديث الى ما يقال عن اختلاف الظروف بين المقاومة اللبنانية والفلسطينية، واستحالة تطبيق نموذج الكفاح الوطني الذي أدى لانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في الأراضي الفلسطينية. وكانت وجهة نظر نصر الله تختلف. فهو يرى أن ظروف المقاومة الفلسطينية أفضل فهي موجودة في عمق العدو، وضرباتها توجعه أكثر مما فعلت به المقاومة اللبنانية لو أحسن التخطيط والتنفيذ، ولو حسمت القيادة الفلسطينية أمرها وانحازت للكفاح المسلح طريقاً وحيداً لاسترداد الحقوق المسلوبة والأرض المغتصبة. وهذا ما فعلته العملية الاستشهادية في تل أبيب التي أوقعت عشرين قتيلا وعشرات الجرحى في صفوف العدو الصهيوني، وأثبتت أن كل احتياطات الأمن الاسرائيلية لا تصمد أمام إرادة من يدركون أن طريق التحرير لابد أن يتعمد بدماء الشهداء. عملية تل أبيب قلبت الأوضاع.. فاسرائيل أدركت أنها ليست القلعة التي لا يمكن اقتحامها، وصيحات الانتقام التي أطلقتها تل أبيب كانت تخفي وراءها الخوف الحقيقي من انتشار روح الاستشهاد وتأثيراتها المدمرة داخل المجتمع الاسرائيلي الذي جاء بشارون ليحقق له الأمن.. فجاءه بالموت في قلب تل أبيب. وأمريكا التي كانت قد أعطت تأييدها لخطة شارون في ضرب الفلسطينيين حتى الركوع والاستسلام، ليقبلوا بعد ذلك ما يعرض عليهم، ويقدموا كل التنازلات المطلوبة، تخلت عن موقف الترقب بعد أن أدركت أن وصول القنابل البشرية الى قلب اسرائيل يغير الموازين، وأن رد اسرائيل بالمزيد من العدوان الهمجي سوف يجر المنطقة الى حرب لن تقتصر آثارها على طرفي المواجهة، بل ستمتد لتشمل المنطقة كلها وستضع المصالح الأمريكية في قلب الخطر. .. وهكذا تحركت واشنطن، وتحركت أوروبا، وخضع عرفات وأعلن على الفور التزامه بوقف العنف وإدانته للعمليات الاستشهادية.. لينفتح الطريق لمدير المخابرات الأمريكية لكي يتولى بنفسه، وعلى أرض الواقع، إحياء التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية واسرائيل لاعادة الهدوء واعتقال رجال المقاومة واثبات حسن السير والسلوك الفلسطيني تمهيداً لمفاوضات قد تبدأ أو لا تبدأ، فإذا بدأت أو انتهت فبشروط شارون التي تدعمها أمريكا! نعلم أن الظروف صعبة، والضغوط على السلطة الفلسطينية هائلة أمريكيا وأوروبياً وحتى عربياً، ولكن ذلك لا يبرر ضرب الانتفاضة، والانجرار الى تنسيق أمني والعودة الى نفق أوسلو المظلم .. وكأن ما حدث من أوسلو حتى الآن لا يكفي، وكأن هناك شيئاً يمكن أن يردع الاسرائيليين إلا أن يطاردهم شهداؤنا داخل بيوتهم، وإلا ان يدركوا أن ثمن بقائهم على أرضنا فادح واستمرار وجودهم عليها مستحيل.. هذا هو الدرس من الجزائر الى بورسعيد الى جنوب لبنان، ومن فيتنام حتى عملية تل أبيب.. والبقية ستأتي حتما! جلال عارف