بعد الاعلان عن مدينة برلين عاصمة لالمانيا الموحدة قبل عشرة أعوام توقع بعض المراقبين أن تنكمش مكانة مدينة بون العاصمة القديمة، دوليا لتعود إلى وضعها الاقليمي السابق فلا يصبح لها ما تفخر به سوى أنها مسقط رأس الموسيقار العظيم لودفيج فان بيتهوفن. ولكن خلافا لتلك التوقعات فقد طبعت بون بصماتها الدولية في كل المجالات ومضت قدما على طريق العالمية، بدءا من قيام بطرس بطرس غالي الامين العام السابق للامم المتحدة برفع علم الامم المتحدة الازرق في بون في 20 يونيو 1996. وفي غضون ذلك فتحت ما لا يقل عن عشر وكالات تابعة للامم المتحدة مكاتب لها وعلى رأسها وكالة متطوعي الامم المتحدة التي تساند حوالي أربعة آلاف منظمة تنموية في أنحاء العالم. وهناك هيئات دولية أخرى لها مقار في بون مثل مكتب معاهدة الامم المتحدة للتغيرات الجوية ومؤتمرات الامم المتحدة لمكافحة التصحر ومركز اليونسكو الدولي للتعليم المهني والفني والتدريب. وهناك أيضا منظمات دولية من ضمنها مركز قانون البيئة ومنظمة التعاون الاقتصادي في مجال التنمية ومراكز أبحاث التكامل الاوروبي وأبحاث التنمية ومنظمة «فير تريد ليبيلينج» الدولية للاتفاقيات التجارية بين المنتجين والبائعين. ويوجد في بون مركز الدراسات الاوروبية والابحاث المتقدمة الذي يعرف باسم «سيزار» وتبلغ ميزانيته 750 مليون مارك ويعمل به حوالي 180 عالما ينقسمون الى مجموعات تبحث في التبادل التكنولوجي بين الرياضيات والفيزياء والكيمياء والاحياء وتطبيقاتها العملية. ونظرا لوجود العديد من المنظمات الدولية وحوالي عشرة آلاف أجنبي يحملون إقامات مؤقتة، يوجد في بون وضواحيها مدارس دولية تضم أطفالا من جنسيات شتى. وشهادات التخرج من هذه المدارس معترف بها دوليا بحيث تقبل في موطن كل تلميذ سواء كان أمريكيا أم فرنسيا أم عربيا أم بريطانيا. وقد أصبحت بون مكانا مفضلا لابرام المعاهدات، على الاقل بسبب التسهيلات التي يقدمها مركز المؤتمرات الضخم ووجود فنادق كبرى بها ومطاعم فاخرة ومراكز ثقافية متنوعة. وكان من شأن ذلك كله تعزيز مركز بون كمدينة تجذب السياح. ويوجد فيها متاحف مثل متحف «كونستميوزيم» للفن الحديث ومتحف التاريخ الالماني ومتحف «الكسندر كونيج» للتاريخ الطبيعي الذي يعرض حيوانات بدءا من الثدييات المحلية والطيور وانتهاء بالزواحف الاستوائية والحشرات. وربما أهم معلم من معالم المدينة هو بيت بيتهوفن الشهير الذي تم ترميمه مؤخرا بتكلفة بلغت 2.5 مليون مارك (1.08 مليون دولار) ويضم سجلات وصورا مرسومة لاشخاص وقطعا موسيقية وآلات موسيقية ترجع الى عصر الموسيقار العظيم. وعلى الصعيد الثقافي يوجد في بون دار أوبرا ومسارح وملاه ليلية وقاعات ومسارح لموسيقى البوب والجاز بالاضافة إلى المهرجانات الصيفية التي تستضيف فنانين بارزين. وقد احتفظت بون بمكانتها الريادية السياحية على الرغم من غياب الافواج التي كانت تزور مقر البرلمان في العاصمة الالمانية السابقة. وتشير دراسة أجرتها مجلة «كابيتال» الاقتصادية في مارس الماضي إلى أن بون تعد من ضمن أبرز 20 مدينة سياحية في ألمانيا. وترتيبها 16 في قائمة هذه المدن. وهي تتقدم بفارق ضخم على برلين التي يجيء ترتيبها 47 في قائمة المدن الالمانية السياحية عموما. وهناك حوالي ثلاثة ملايين زائر يمضون ليلة على الاقل في بون سنويا بينما في الوقت نفسه يتوجه 15 مليون شخص اجمالا لقضاء الاجازات في منطقة بون والراين. ويبلغ تعداد بون وضواحيها مليون نسمة. وقد كان مستقبل بون غامضا عندما قرر مجلس النواب الالماني في 20 يونيو 1991 نقل البرلمان والحكومة إلى برلين. ولكن القانون الخاص بوضع كل من برلين وبون الذي صدر في إبريل 1994 حدد الدور الجديد للمدينة في ألمانيا الموحدة ونص على أن «تقتسم العاصمة الاتحادية برلين والمدينة الاتحادية بون العمل بشكل عادل ومستمر». وأكد المستشار جيرهارد شرويدر مؤخرا تطبيق هذا القانون ودعا إلى تهيئة بون لتصبح مقرا لمنشآت وطنية ودولية. د.ب.ا