خففت وسائل الاعلام المصرية، وغالبيتها تابعة للقطاع العام، حملتها ضد قرار نزع ملكية جزيرة الذهب وتحويلها «للمنفعة العامة»، الضاحية الجنوبية للقاهرة، الا ان الغموض ما زال يحيط بالقرار وما رافقه من اتهامات مرتبطة «بفضائح وصفقات». ورغم انخفاض وتيرة الجدل حول المسالة التي اثارت عاصفة من الاحتجاجات والانتقادات الشديدة طالت حكومة رئيس الوزراء عاطف عبيد وعددا من الوزراء، فان التساؤلات بشان ابعادها ما زالت مطروحة وسط اعتبار البعض ان الامر لا يعدو كونه مجرد «ثرثرة فوق النيل». وفي حين اشار مصدر مطلع، رفض ذكر اسمه، الى «فضيحة كبرى» وراء قرار تحويل المنطقة الزراعية في وسط نهر النيل الى مشاريع سياحية واستثمارية يتولاها رجال اعمال محليون واجانب، رفضت اوساط اخرى ذلك موضحة ان القرار اتخذ «لاعتبارات اقتصادية بحتة» وان ما يحصل هو بمثابة محاولة اخيرة للحفاظ على ماء الوجه. وكانت جزيرة الذهب مخصصة للزراعة وتربية المواشي وقد اصبحت جزءا من التنظيم المدني في حي المعادي على الضفة الشرقية لنهر النيل وحي الجيزة على الضفة الغربية. وتظاهر في اواخر مايو الماضي خمسة آلاف من سكان المنطقة احتجاجا على قرار الحكومة باستملاك منازلهم وتجمعوا على جسر المنيب الذي يجتاز النيل فوق الجزيرة وهم يرددون هتافات معادية للحكومة. ومن جهتهم، اصدر مثقفون مصريون بيانا تضامنيا مع الاهالي واكدوا وقوفهم مع «الفلاحين المصريين الفقراء من ملاك وسكان جزيرتي الذهب والوراق ضد محاولات انتزاع ملكيتهم الشرعية وطردهم من الارض التي يزرعونها ويروونها بعرق جبينهم».وفي السياق ذاته، ندد الاديب نجيب محفوظ الحائز على نوبل للآداب عام 1988 بتحويل الاراضي الزراعية الى منطقة سكنية. واشار في مقابلة مع مجلة «اخبار الادب» الى «قيام وزارة الاوقاف قبل نصف قرن ببيع اكثر من ثلاثة آلاف فدان من اخصب الاراضي الزراعية في مصر تحولت الى ضاحية المهندسين السكنية». واعتبر الاديب المصري ذلك «بمثابة قصر نظر في رؤية المستقبل وتحويل لاراض خصبة الى مناطق سكنية وان تنفق بعد ذلك مئات الملايين من الجنيهات لاستصلاح الاراضي الصحراوية». وكان المخرج يوسف شاهين اول من تصدر التحرك عبر قيامه بزيارة تضامنية مع الاهالي معلنا انه سيقوم بتصوير فيلم تسجيلي يفضح فيه المستفيدين من قرار تحويل الجزيرة الى مشروع سكني. وتساءل مخرج «المصير» و«المهاجر» في مقابلة مع وكالة فرانس برس عن «الفرق بين (رئيس وزراء اسرائيل ارييل) شارون ورئيس وزرائنا (عاطف عبيد)؟ لان الاثنين يريدان طرد الناس خارج ارضهم». وكانت مجلة «المصور» وصحيفة «الاهرام» اشارتا الى «تورط وزير الاسكان محمد ابراهيم سليمان بتمرير القرار لصالح سلطان بروناي حسن البلقية والملياردير المصري المقيم في بريطانيا محمد الفايد وعدد من كبار اصحاب رؤوس الاموال». وبدورها، كشفت «الاهرام العربي» ان القضية تعود الى الحكومة السابقة برئاسة كمال الجنزوري، وان المسألة لم تعد قضية الجزيرتين «فثمة فضيحة اكبر من ذلك» متهمة وزير الصحة اسماعيل سلام بـ «الاستفادة من النيل» عبر «اقامة مشروع سياحي عالمي للاستشفاء قرب معهد ناصر». واشارت الى محاولات قام بها سلام ابان توليه المنصب ذاته في الحكومة السابقة لكنه ووجه برفض شديد.. ولكن «مع مجيء الحكومة الحالية ، فهم سلام اسرار اللعبة ونجح في الحصول على قرار مفاجئ بتخصيص مساحة لما يحلم به». الا ان نواب مجلس الشعب عن محافظة الجيزة، التي تتبع لها المنطقتان، شنوا قبل ايام قليلة هجوما عنيفا على القرار بحيث اعلن عبيد «انه لن يتم المساس بالمواطنين وان من لديه منهم سندات تمليك قانونية فسوف تعمل الحكومة على تمليكهم الارض او المنازل حسبما ذكرت مجلة «اكتوبر». يشار الى ان الجزيرة تعتبر رئة حيوية بالنسبة للقاهرة لانها من الاراضي الزراعية الخصبة واحدى المناطق الخضراء القليلة في العاصمة التي يقطنها اكثر من 16 مليون نسمة. أ.ف.ب.