دخل (الاتحاد الافريقي) حيز التنفيذ الفعلي يوم السبت 26 مايو لعام 2001، وبذلك سيحل (الاتحاد الافريقي) مكان (منظمة الوحدة الافريقية) بعد فترة انتقالية تنتهي في 25 مايو لعام 2002. وكانت نيجيريا في 27 ابريل الماضي هي الدولة رقم 36 التي تصادق على معاهدة (الاتحاد) وبالتالي اكتمل النصاب القانوني المطلوب لاعلان تأسيسه حيث ينص القرار الذي اتخذه الرؤساء الافارقة خلال قمة سرت الثانية بان (النظام) التأسيسي للاتحاد الافريقي يجب أن يدخل حيز التطبيق الفعلي بعد 30 يوما من ايداع اليات المصادقة من قبل ثلثي الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الافريقية).. ويصل عدد (الثلثين) الى (36) من أصل (53) دولة افريقية لكي يحل الاتحاد مكان المنظمة التي كان قد تم تأسيسها يوم 25 مايو عام 1963. وفي هذا الاطار.. يقدم الخبير الافريقي الكبير، الدكتور عبدالملك عودة، قراءة في هيكل الاتحاد الافريقي والميثاق الذي ينظمه، وذلك في ندوة عقدت مؤخرا بالقاهرة ونظمها مركز البحوث والدراسات السياسية التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. ورغم أن د. عبدالملك عودة من الخبراء الافارقة الذين يمكن أن نطلق عليهم (حرس الخبراء القديم) في القارة، وانه واحدا من الذين شاهدوا تأسيس منظمة الوحدة الافريقية في أديس ابابا ضمن الوفد الصحفي الرسمي الذي صاحب الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الا أنه يؤكد في هذه الندوة على ضرورة وأهمية أن تصادق مصر سريعا على ميثاق الاتحاد، حيث يعتبره نقلة تاريخية جديدة في مسيرة القارة تنظيميا وسياسيا واقتصاديا. يقول د. عبدالملك عودة: (إن أبرز المحطات التي مر بها مشروع الاتحاد الجديد هي محطة، سرت الأولى) حيث كان الكلام بين الزعماء الافارقة في هذه القمة التي عقدت بشكل استثنائي بناء على طلب من الزعيم معمر القذافي قد اخذ شكلا حكوميا، أي مابين الدول الافريقية وبعضها، وذلك من خلال تنظيمات واجتماعات رسمية. وكانت الجماهيرية الليبية في مؤتمر قمة (سرت الأولى) قد طرحت مشروع انشاء (ولاية متحدة افريقية)، وكان المشروع تطويرا لتفكير (نيكروما)، و(سيكوتوري) قبل ذلك، والذي ردد في 1963، وقت وبناء المنظمة. واضافت اليه الجماهيرية، إن العقيد معمر القذافي استدعى العديد من الخبراء الافارقة في القانون الدولي والعلوم السياسية والتنظيمات كي يعطي أفكارهم في هذا المشروع، وبمجرد أن عقد المؤتمر بدأ الرؤساء الافارقة في مناقشة هذا المشروع، وهناك روايتان لا أريد أن أتعرض لمناقشتهما الآن، والرواية الأولى تفيد بأن العقيد القذافي قال في بداية المؤتمر (عندكم المشروع الليبي، وعندكم أيضا المشروع البديل وهو انشاء الاتحاد الافريقي). أما الرواية الثانية فتنفي ذلك وتؤكد أن البديل مشروع الاتحاد لم يعلن عنه الا في اخر جلسات المؤتمر، وانه في البداية عرض انشاء مشروع (الولايات المتحدة الافريقية)، وعندما بدأ الرؤساء يتحدثون تكلموا عن افكار تحويل المنظمة الى اتحاد وليس دولة اتحادية.. وبصرف النظر عن هذه المناقشات الا أن النقاش توصل الى مايسمى (اعلان سرت).. وهي مجموعة من المبادئ العامة، والذي يهمنا فيها الآن أمرين.. الأول: أن الرؤساء الافارقة كلفوا وزراء الخارجية عقد مؤتمر يناقشوا فيه صياغة المشروع صياغة قانونية وذلك بالاستعانة بخبراء القانون لعرضه على قمة لومي2000، والأمر الثاني: ان يعرض هذا المشروع على مؤتمر (الاستقرار والأمن والتعاون في افريقيا) لبحثه، ومن المعروف أن هذا المؤتمر قد عقد مرة واحدة فقط في أوائل الثمانينيات. من سرت إلى لومي ومن مؤتمر (سرت الاول) في 1999 الى (لومي) 2000 شهدت القارة ثلاثة مؤتمرات، الأول عقد في ابريل 2000 في أديس ابابا وضم الخبراء القانونيين لعمل الصياغات، والثاني في مايو 2000 وعقد في أبوجا وهو مؤتمر التعاون والتنمية وناقش هذا الموضوع والثالث كان مؤتمر وزراء الخارجية الافارقة في يوليو من العام نفسه وناقش الموضوع أيضا. وفي وجهة النظر السياسية كانت كل الخلافات التي ظهرت تدور حول مصالح الدول، وستلاحظون ان هناك مجموعة كبيرة من الدول اهتمت بمصالحها (الخاصة الضيقة) أو المكانة الدولية والدور الافريقي وغيره، وهناك دول صغيرة مثل بروندي وليسوتو وغيرهما أرادت ان تعرف ما عليها، مثل السيادة، والتدخل، الى آخره.. وهناك دول كانت مطالبها صغيرة مثل اثيوبيا، التي سألت.. (أين سيكون المقر الدائم للاتحاد؟)، فقالوا: أن النص صريح وهو أن الاتحاد الجديد سيكون مقره الدائم في أثيوبيا).. وبذلك انتهت مشكلة اثيوبيا بعد هذا الرد.. أيضا كانت الجزائر قد سألت هي الأخرى.. كيف سيدخل الاعضاء الى الاتحاد الجديد.. هل سينتقل أعضاء المنظمة الى الاتحاد بشكل (أوتوماتيكي).. أم انه سيتم فتح باب العضوية من جديد؟!وكانت عين الجزائر هنا على مشكلة (الصحراء الغربية) لانه اذا كانت العضوية ستنتقل من المنظمة الى الاتحاد فهذا معناه أن (الجمهورية الصحراوية) ستدخل الاتحاد هي ايضا.. أما اذا كان سيفتح باب العضوية من جديد وان تكون هناك مقاييس للعضوية وغيره، فهذا معناه أن الجمهورية الصحراوية لن تدخل الاتحاد الجديد، لأن الأغلبية الافريقية التي أيدت الجمهورية الصحراوية في دخول المنظمة سحبت اعترافها بعد ذلك.. ولكن معدي مشروع الاتحاد قالوا ان جميع أعضاء، المنظمة سينتقلون (تلقائيا) الى الاتحاد، ولن يستبعد أي طرف كان في المنظمة من عضوية الاتحاد.. وبالتالي حلت مشكلة الجزائر. المهم ان اجتماع أديس ابابا أعد صياغة، والكلام لايزال للدكتور عبدالملك عودة الذي يواصل: انا مهتم بمؤتمر أبوجا لأنه هو الذي أكد فكرة الاتحاد الافريقي على غرار الاتحاد الأوروبي ليس صورة طبق الأصل وقال ان الاتحاد سيبنى على مؤسسات معاهدة أبوجا.. أي سيظل برلمان عموم افريقيا موجود، وتظل فكرة السوق المشتركة موجودة، وكذلك محكمة العدل والصندوق الاجتماعي والبنك المركزي الى اخره.. كما سيظل هذا البناء الجديد قائما على مانسميه المنظمات الفرعية الاقليمية التي هي (سادك) في الجنوب الافريقي، و(كوميسا) في الشرق، و(ايكواس) في الغرب، اضافة الى تجمع (دول الساحل والصحراء) خاصة أن قمة (لومي) اعطته صفة (منظمة اقليمية افريقية للتكامل الاقتصادي).. وبالتالي أصبحت هذه المنظمات الفرعية الاقليمية هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الاتحاد الافريقي الجديد. وبعد أن تم ادخال تعديلات عديدة على المشروع ظلت المشكلة الباقية وهي (التصويت وحق التدخل).. هل القرارات تصدر بأغلبية الأصوات أم بالاتفاق؟! في المنظمة القديمة كانت القرارات تأخذ بالاتفاق، وحتى لو وافقت الدول ولم تنفذ لم تكن هناك مشكلة.. والمفروض أنهم اذا كانوا سيعملون على غرار الاتحاد الاوروبي فلابد أن يكون هناك أغلبية. أيضا حق التدخل.. فعندما يقام اتحاد افريقي فان ذلك يعني انشاء منظمة (سوبر ناشونال)، أي أن الدول الأعضاء فيها يجب أن تتنازل عن جزء كبيرا أو صغير من السيادة التقليدية على المستوى الأعلى.. وهذا هو الصراع الذي دار في مؤتمر وزراء الخارجية وفي القمة.. والمهم انهم توصلوا الى صياغة معينة واقروها وخرج الليبيون (مرتاحين) جدا وأظن أن أبلغ دليل على ذلك هو التصريح الذي قاله القذافي حول (أنهم قدموا تنازلات، ونحن قدمنا تنازلات، ونجحنا فيما قمنا به). ويواصل الدكتور عبدالملك عودة: أريد أن انتقل الآن الى التعرف على ميثاق الاتحاد الجديد.. وسوف تلاحظون أولا أن أهداف الاتحاد الجديد مختلفة عن أهداف المنظمة القديمة، فقد كانوا خمس أهداف وهي.. تصفية الاستعمار.. الاستقلال.. المحافظة على الاستقلال.. الحياد الايجابي.. التعاون مع الأمم المتحدة، وأظن أن الهدف الأخير هو الذي بقى في الميثاق الجديد.. أيضا تم صياغة المبادئ من جديد لأنه كان هناك مبادئ المنظمة القديمة، والمبادئ التي وردت في الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان، والمباديء التي وردت في معاهدة أبوجا وهي انشاء الجماعة الاقتصادية الافريقية، فتم دمج هذه المبادئ وتطويرها واصبح هناك مبادئ جديدة في حق التدخل وحل الازمات. طبعا كان اول شئ حدث هو أن المسميات تغيرت، بدل ما كان مسمى (مؤتمر رؤساء الدول والحكومات) اصبح اسمها في المنظمة الجديدة (جمعية الرؤساء).. وبدل ماكان مسمى (الامانة العامة) اصبح (اللجنة العامة).. وبدل ماكان مسمى (اجتماع وزراء الخارجية) اصبح اسمه (المجلس التنفيذي).. وتبديل الاسماء ليس مسألة مهمة في القانون الدولي طالما ان المستويات موجودة. اهداف الاتحاد الجديدة ويقول الدكتور عودة: الأهداف الجديدة للاتحاد اعتبرت أن معاهدة أبوجا كانت تنشئ السوق الافريقية المشتركة والتكامل الاقتصادي الافريقي وليس الوحدة.. واستكثروا ان يتم هذا التكامل في 34 سنة لانه قد مر منها عشر سنوات.. من 1991 الى 2000 دون أن يحصل شئ، واتفقوا على أن يتم تسريع تنفيذ أهداف التنمية والتعاون المعروفة في معاهدة أبوجا.. ايضا اتفقوا على التعاون مع الأمم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الإنسان مع التأكيد على ضرورة أن تكون هناك مشاركة شعبية سياسية على مستوى الاتحاد. . كما أكدوا على ضرورة الديمقراطية والحكومة الصالحة، أو الحكم الرشيد الصالح كما ورد في المثياق.. وأكدوا على مبدأ السيادة ووحدة التراب الوطني. وهناك ملاحظة مهمة انه عندما تنظر الى المبادئ التي كانت موجودة من قبل ستكتشف أن هناك اشياء كثيرة منها لم تكن مكتوبة في ميثاق 63، وانما صدرت في قرارات مؤتمر قمة، ثم تم اضافتها الى الميثاق.. فمثلا احترام الحدود الموروثة لم يكن مكتوبا في ميثاق منظمة الوحدة الافريقية الذي صدر عام 1963، وانما صدر به قرار في قمة 64 التي عقدت بالقاهرة، ثم تم تسجيلها بعد ذلك في الوثيقة.. تضاف اليه قرار توقيع جزاءات على الدول التي تتأخر في سداد مستحقاتها وان تحرم من التصويت هذا أيضا كان بقرار مؤتمر قمة وليس موجودا في الميثاق.. والملاحظ في الاتحاد الجديد أن جزءا كبيرا من القرارات التي صدرت من المنظمة قديما اصبحت في صلب الوثيقة الاساسية التي نسميها القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي.. وأول نقطة نلاحظها هنا هو احترام الحدود السياسية القائمة بين الدول عند يوم الاستقلال، وهذا معناه أنه ولابد أن تجد الصومال واثيوبيا وكينيا حلا لمشاكلها لأن هذا البند أصبح جزءا لايتجزأ من مثياق الاتحاد الافريقي. أيضا المشاركة الشعبية في نشاط الاتحاد، لابد أن يتم بصفة أساسية وبرلمان وهذا موجود فعلا في معاهدة أبوجا ولكن لابد أن يتم النقاش حوله.. كذلك احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون، والحكم الصالح الرشيد، ورفض الاغتيال والارهاب والانقلابات.. وان أي حكومة تأتي عن طريق غير مقرر في دستور الدول تمنع من المشاركة في نشاط الاتحاد ولا يقبل أي تغيير في نظم الحكم مالم يكن منصوصا عليه في الدستور.. وان يكون حل النزاعات والمنازعات طبقا لقرارات جمعي الرؤساء. والجديد ان مبدأ التدخل في أوضاع أي دولة يتم بقرار من جمعية الرؤساء، وهذا القرار يصدر بالتوافق العام وان لم يحدث هذا التوافق فسوف يأخذ بأغلبية الثلثين.. وأعطوا أمثلة لهذه الحالات الخطيرة التي يجوز التدخل فيها وهي جرائم الحرب والابادة والجرائم ضد الإنسانية.. أيضا أعطوا حق للدول الاعضاء ان تتقدم للاتحاد بطلب التدخل لحفظ الأمن والسلامة في بلادهم.. ثم هناك نصا لفت نظري وهو انشاء سياسة دفاعية موحدة للقارة. المشاكل التي كانت تشغل بال العديد من الدول تم حلها.. المقر أصبح في أديس أبابا.. رئاسة الاتحاد أصبحت دورية مثل ما هو معمول به في الاتحاد الأوروبي، والمنظمة القديمة.. وتم حل المشكلة.. القرارات اصبحت بالتوافق وأن لم يحدث فبأغلبية الثلثين، وتطبق أيضا في المجلس التنفيذي الذي هو مجلس وزراء الخارجية، والمجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي سيتم تعيينه من المنظمات المهنية والاستشارية والمجتمع المدني. أما البرلمان فسوف يكون له برتوكول خاص، وقد نصوا صراحة في البرلمان على صندوق النقد الافريقي وبنك الاستثمار، وقالوا ايضا أن توقف العضو عن سداد حصته السنوية المقررة بموجب قرارات جمعية الرؤساء سوف تفرض عليه عقوبات وكما قلت سابقا ان هذا كان قرار من قمة المنظمة الافريقية والآن هو مكتوب في ميثاق الاتحاد وضربوا أمثلة للعقوبات مثل أن يحرم العضو من حق الاجتماعات، ثم من حق التصويت أو الترشيح لمناصب في الاتحاد، ويحرم من حق التنقل والاتصال في القارة، أي مثل عقوبات الأمم المتحدة في هذا الخصوص. هذا هو تقريبا الهيكل العام للقانون التأسيسي الذي أقر في (لومي) ووافقت عليه 27 دولة في الاجتماع ثم توالت الموافقات من 53 دولة، أما التصديقات فقد كانت خلال شهر ابريل الماضي وصلت الى 36 دولة وهو المطلوب لدخول الاتحاد حيز التنفيذ الفعلي لأنه بموجب نص ميثاق منظمة الوحدة الافريقية لابد أن يصادق الثلثان على ذلك ويتسلم الأمين العام للمنظمة هذه المصادقات في يده ليدخل حيز التنفيذ بعد 30 يوما من ذلك. وأيضا انعقد في جنوب افريقيا برلمان عموم افريقيا، في نوفمبر 2000، وكما قلت أن المبدأ كان مقرا وهذا يعني أن المسألة كانت مستعجلة وتسير بسرعة وفي هذا المؤتمر ناقش البرلمان الافريقي العديد من المسائل التي اتفق على أغلبها ولكن كانت هناك مسائل أخرى شائكة مثل تساوى الدول الكبرى من حيث حجم السكان أو المكانة في عدد الأعضاء مع الدول الصغيرة،.. قالوا: لا يمكن أن تتساوى لأن المقترح الذي قدم يقضي بان تمثل كل دولة بـ (5) أعضاء في البرلمان أي (265) عضوا.. وأيضا كان ما يشغل الدول الأخرى هو أي نوع من القرارات التي تعطى لسلطات هذا البرلمان، وهل سينتخب الأعضاء مباشرة من الدول أم من البرلمان.. وماذا سنفعل مع كل الدول التي ليس فيها برلمان؟! كل هذه المسائل نوقشت ووصلوا الى مسودة وافقوا عليها وهي التي عرضت في سرت الثانية.. وقالوا ان البرلمان يأخذ فترة انتقالية من 5 إلى 10 سنوات، وبعد السنوات الخمس الأولى يصبح هيئة استشارية يجتمع ويعطي التوصيات بمقترحات لكن غير ملزمة، ثم بعد ذلك يعاد صياغة الميثاق البرلماني لأن الهدف النهائي هو انشاء هيئة تشريعية على نمط البرلمان الأوروبي، وذلك سوف يخضع لتفاوض الدول بعد السنوات الخمس التي اشرنا اليها سابقاً. القاهرة ـ أحمد مراد: