وصف الدكتور مصطفى عثمان، وزير الخارجية والمكلف مؤقتا بالاشراف على مستشارية السلام، قمة الايقاد الأخيرة فى نيروبى بأنها لم تسفر عن تقدم ملموس (التعبير الدبلوماسى لكلمة الفشل) فى مسار السلام، فقد كانت الحكومة تطمع فى أن تصل القمة الى وقف شامل لاطلاق النار ولو لأمد محدود وقدمت فى سبيل ذلك عددا من التنازلات. قبلت الحكومة لأول مرة بوجود مراقبة دولية لوقف اطلاق النار حتى لا يقال انها استفادت عسكريا من الوقف ، ولا تطالب بتسليم أسلحة حركة التمرد أو الأراضى التى تسيطر عليها، وأن تبدأ المباحثات بين الحركة والحكومة على أعلى مستوى فورا تحت رعاية الرئيس موى فى نيروبى، وأن تكون فترة وقف اطلاق النار واجراء المباحثات ستة أشهر، والتزمت الحكومة بتقديم كل الضمانات من أجل الوصول الى السلام، ولا أدرى ما هى الضمانات التى تستطيع الحكومة أن تقدمها فى هذا المجال! ويجوز للحركة أن تعود لعملياتها العسكرية فى حال فشل المحادثات، هذا ما قالته الحكومة «بعضمة لسانها»! ورأت الحكومة تشكيل لجنة برعاية الايقاد لوضع تفاصيل المراقبة الدولية لوقف اطلاق النار و كيفية اجراء المباحثات. ورفضت حركة التمرد هذا العرض السخى من الحكومة واشترطت لوقف اطلاق النار وقف انتاج وتصدير البترول، وينسجم هذا الشرط مع ادعاء الحركة غير المعلن بأن البترول ملك للجنوب وهو الأولى باستغلال عائده كما يخدم مصلحة الشركات الأمريكية التى ترى أن بترول السودان الواعد قد فلت من يدها رغم أنها كانت السابقة فى اكتشافه وتنقيبه. وقد يكون من المفهوم أن لا تستجيب الحركة لعرض الحكومة مهما كان سخيا من باب «عدوك سهره ولا منامه»، ولكن ليس من المفهوم أن تفقد الحكومة تعاطف دول الايقاد أو تأييدها لهذا الموقف المرن بالرغم من الجولة التى قام بها وزير الخارجية لكل من اثيوبيا واريتريا وجيبوتى عقب زيارة الرئيس موى للسودان بهدف توضيح موقف الحكومة فى محادثات قمة الايقاد القادمة وقال انه وجد استحسانا من قادة تلك الدول وأحسبه صادقا فيما قال. ومع ذلك الاستحسان لموقف الحكومة رفضت دول الايقاد تأييد قرار بالوقف الفورى الشامل لاطلاق النار مع أنه الموقف الذى سبق أن تبناه اجتماع شركاء الايقاد فى روما بل وتضمنته مسودة الايقاد الأولى التى قدمت لاجتماع القمة، تراجعت صياغة تلك النقطة فى البيان الختامى لتصبح مجرد طلب من الطرفين (الحكومة وحركة التمرد) الدخول فى مفاوضات من أجل وقف شامل لاطلاق النار، ولا تحتاج الحكومة لمفاوضات جديدة مع الحركة حول هذه القضية فهى تعرف النتيجة سلفا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الرئيس موى طلب فى خطابه الختامى صراحة من الحكومة السودانية أن تتنازل وتقبل بمبدأ فصل الدين عن الدولة الذى تطالب به الحركة رغم كل الشرح الذى قدمته الحكومة بأن تقبل بالمساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات على أساس المواطنة وأن الحرية كاملة فى الاعتقاد و أ داء الشعائر الدينية وأن دستور البلاد وضع على أساس التنوع الثقافى. وخسرت الحكومة أيضا الجولة الاعلامية لأن وفدها أسرع مغادرا (من باب الحرد) دون أن يشرح لوسائل الاعلام موقفه فى تلك المفاوضات، وزاد الطين بلة تصريح رئيس الجمهورية بأنه يرفض مقابلة قائد الحركة جون قرنق مع أنه لم يكن هناك أصلا أي ترتيب لتلك المقابلة! واستغل جون قرنق ذلك التصريح غير الموفق فى مؤتمره الصحافى بأن الحكومة غير جادة فى الوصول الى سلام. ينبغى على الحكومة أن تقوّم تجربة المفاوضات تقويما دقيقا، وبناء على ذلك التقويم تضع خطتها لمستقبل المحادثات فى قضية جنوب السودان لأنها قضية السودان الأولى منذ الاستقلال الى يومنا هذا . ان فشل الحكومة فى هذه المفاوضات سببه ضعف سياسى أكثر منه تعنت فى رفض شروط الحركة، فالحكومة لا تحمل معها فى هذه المفاوضات ولا ما سبقها ثقل القوى السياسية الشمالية دعك من القوى الجنوبية ذات الوزن. فان كانت قضية الجنوب هى قضية عامة وذات جذور تاريخية بين الشمال والجنوب وأن الحركة تمثل القوى الفاعلة التى تدافع عن حقوق أهل الجنوب كان على الحكومة أن توحد معها فى معالجة تلك القضية القوى السياسية الشمالية. وقد ألمح وزير الخارجية لهذا المعنى حين قال ان ملف السلام يجب ألا يكون قاصرا على الحكومة ولا بد أن يشارك فيه المجتمع المدنى. ولكن ماذا فعلت الحكومة لاشراك المجتمع المدنى وعلى رأسه الأحزاب السياسية الفاعلة فى الساحة؟ بل يستطيع قرنق أن يقول انه استطاع أن يصل الى حل لمشكلة الجنوب مع كل فصائل التجمع فى قرارات مؤتمر أسمرة (1995) بما فى ذلك أكبر القوى السياسية الشمالية (حزب الأمة، الاتحادى الديمقراطى، الحزب الشيوعى) وأخيرا وصل الى تفاهم مع المؤتمر الشعبى الذى يقوده الدكتور حسن الترابى حليف الحكومة السابق كما هو بصدد الاتفاق مع رياك مشار الذى عقد اتفاقية الخرطوم مع الحكومة ثم نفض يده عنها. لماذا تصر الحكومة على خوض المفاوضات فى قضية قومية كبيرة مثل قضية الجنوب منفردة دون الاستعانة ببقية القوى السياسية؟ ان شرعية الحكومة القانونية لا تعنى شرعيتها السياسية ، وحتى الحكومات ذات الشرعية السياسية لا تتردد فى عقد اجماع قومى حول قضايا البلاد الكبرى مهما كلفها ذلك من تنازل عن بعض أطروحاتها و من مشاركة للآخرين معها فى السلطة . فهل تستطيع الانقاذ أن تفعل ذلك؟ بقلم: د. الطيب زين العابدين