كنا نظن ان المرض قد اقعد هنري كيسنجر ومنعه مما عودنا عليه من التسلل الى القضايا المعقدة ليجعلها ـ باختصار ـ اكثر تعقيداً. ذلك ان كيسنجر اصيب بنوبة قلبية في نهاية العام الماضي، وقيل وقتها ان هذا الدبلوماسي الذي لم يشأ ابداً ان يريح ويستريح يوشك بالفعل ان يفعل هذا بالضبط، اي ان يريح ويستريح. الا ان تصريحا عابراً لمورتون كلاين رئيس المنظمة الصهيونية الامريكية وهو يقف على درج بناية فيدرالية امريكية في واشنطن جاء ليذكرنا بأن من الصعب ان ينال المرء كل ما يتمنى. كان ذلك خلال يوم ربيعي في اواخر ابريل الماضي حين كانت قضية تعيين سفير امريكي جديد في اسرائيل تتفاعل بين قوى مختلفة في واشنطن. وبعد ان اعرب مورتون عن اعتراضه على تعيين دانييل كيرتزر سأله احدهم سؤالاً عابراً عن زيارة وزير الخارجية الاسرائيلية شيمون بيريز لواشنطن التي كان مقرراً لها ان تبدأ بعد ذلك بيومين، فقال كلاين «طبقاً لمعلوماتي سيعقد وزير الخارجية بيريز اجتماعاً عند وصوله مع هنري كيسنجر يتبع ذلك بمسلسل من اللقاءات الرسمية والاعلامية هنا. هنري كيسنجر؟ ولكن ماذا يفعل كيسنجر بالضبط في هذه المعمعة؟ ما الذي يستدعي وجوده في اية جملة مفيدة تتعلق بالشرق الاوسط الان؟ لم نستطع بطبيعة الحال معرفة اي شيء مما دار بين بيريز وكيسنجر، بل ان اغلب الظن ان احداً لن يعرف ابداً ما دار بينهما. ولكن السعي نحو معرفة دور هذا الدبلوماسي العجوز في احداث الشرق الاوسط الراهنة اسفر عن امر مقلق، وذلك هو ان هنري كيسنجر يلعب الان دوراً بالغ الاهمية ليس فقط في المشاركة في صياغة «الخط» الذي تتبعه الحكومة الاسرائيلية الحالية، وذلك عن طريق علاقته الوثيقة بشيمون بيريز، وانما ايضاً عن طريق المشاركة في صياغة مواقف الادارة الامريكية الحالية ايضاً، ربما عن طريق الاتصال المباشر مع الرئيس جورج بوش، والعلاقة الدائمة مع مستشار الامن القومي السابق برنت سكوكروفت، الذي يتصل يومياً تقريباً بمسشارة الامن القومي الحالية كوندوليسا رايس، وعن طريق عشرات القنوات الاخرى. ولأن «مسألة كيسنجر» مسألة محيرة، ولانه بدا في لحظة «شماعة» يعلق عليها الجميع مآسي كثيرة، ولتحري الدقة فحسب في رصد دور هذا الدبلوماسي العجوز، نقلنا هذه المسألة الى اثنين سبق ان وضعا كتاباً عن هنري كيسنجر تحت اسم «محاكمة هنري كيسنجر». والكاتبان هما كريستوفر هتشينز وكارول ريشتون. ورغم ان الكتاب الذي صدر في 1996 لم يتعرض لكيسنجر والشرق الاوسط الا بصورة عابرة جداً، الا اننا رجحنا ان هذين الاثنين يعرفان الكثير عن دور الدبلوماسي العجوز في الشرق الاوسط، ولم يخب ظننا هذا. رجل الدمار الكبير في حوار مطول مع الكاتبين معا وفي لقاء واحد بمبنى الصحافة الوطني بالعاصمة الامريكية وبعد تصريحات مورتون العابرة رد هتشينز على سؤال وجه للكاتبين استفز علاقة الكاتبين بكيسنجر، بالنفي. ـ قيل للكاتبين: يبدو ان صديقكما العجوز هنري كيسنجر يعود الى الشرق الاوسط الان؟ ـ هتشينز: انه اولاً ليس صديقنا، لقد حاولنا في كتابنا الذي اشرت اليه ان نكشف حجم الدمار الذي الحقة هذا الرجل بالمنطق الذي تتبناه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية. قبل حرب فيتنام كانت سياستنا الخارجية تصاغ على اسس اكثر بساطة واكثر قرباً من مجموعة الافكار التي تأسس عليها هذا البلد. كانت هناك مدرستان، واحدة تعتقد ان على الولايات المتحدة ان «تواجه دورها التاريخي» بأن تتحول الى لعب دور البديل للامبراطوريات الاستعمارية القديمة «ولكن بوسائل اخرى»، واخرى تقول ان الولايات المتحدة نفسها كانت مستعمرة بريطانية، وقد نالت استقلالها ببحر من الدم، ثم تمكنت من عبور مؤامرة بريطانية اخرى لفصل الجنوب عن الشمال في ستينيات القرن التاسع عشر وذلك عبر حرب داخلية اسفرت بدورها عن بحر من الدم.. ومن ثم لا ينبغي بأي حال ان تنزلق الولايات المتحدة الى «وراثة» دور من يفصلهم عنها تاريخ طويل، ومن تبيان افكارهم وايديولوجياتهم عنا. وجاءت الحرب العالمية الثانية لتمنح مدرسة وراثة دور القوى الاستعمارية دفعة ما، ولكنها ظلت مع ذلك المدرسة الاضعف والاقل تأثيراً. فقد بقيت «المدرسة الامريكية» مسيطرة، ولكنها كانت تتعرض لمنافسة متزايدة من المدرسة التي اسميناها في كتابنا «المدرسة الامبراطورية» وكانت التحولات العالمية تقدم مغريات كثيرة للانزلاق الى تعاليم تلك المدرسة الامبراطورية، وهو انزلاق ما لبث ان حدث بالفعل في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، وكان هنري كيسنجر احد مهندسيه. لقد تمت اعادة صياغة المؤسسة الدبلوماسية الامريكية، او بالاحرى مؤسسة السياسة الخارجية الامريكية، وفق منطق جديد تماماً، وتم تفكيك المنطق القديم ـ الامريكي حقاً ـ بصورة تدريجية، حتى بات الحديث عن امور من نوع «مبادئ مونرو» التي وعد فيها رئيس الولايات المتحدة بتقديم العون لكل الشعوب الضعيفة التي تعاني من قهر الامبراطوريات الاستعمارية، بات الحديث عن هذا الان مدعاة للضحك والسخرية في المؤسسة الدبلوماسية الامريكية. بدلاً من هذا حل منطق يسمونه «براجماتياً»، اي انه لا يربط بين الوسائل والغايات، ولا يهتم بأي قيم اخلاقية او بأي قواعد تتصل بالقانون الدولي، لقد قال كيسنجر ذات مرة في العام 1973: «لا يمكن لنا ان نترك مصير بلد مثل تشيلي يحدده شعب لم ينضج بقدر كاف لادراك الاخطار التي تواجهه، لا يمكن ان نترك هذا لصناديق تصويت يضعون فيها اختيارات خاطئة.. كان كيسنجر يتحدث عن شعب شيلي وعن اختياره لحكومة معينة لم تعجب وزير الخارجية آنذاك. واعقب ذلك دعم كيسنجر للجنرال بينوشيه الذي اطلق قواته المسلحة ضد الشعب الشيلي فأراق دماء مئات الآلاف من المدنيين العزل. خلال ذلك قدم هنري كيسنجر كل الدعم الممكن لهذا الجنرال السفاح بحجة مكافحة الشيوعية. ولكن الحكومة الشيلية آنذاك لم تكن شيوعية، بل كانت تحالفاً بين احزاب كثيرة منها الشيوعيين.. ولو كان كيسنجر ترك العملية الديمقراطية تمضي في طريقها لكان الشعب التشيلي قد ابعد الشيوعيين عن الحكم بعد ذلك بطرق ديمقراطية كما اسقطهم مثلاً في اوروبا الشرقية. ولكن كيسنجر لم يرغب في الانتظار، ولماذا ينتظر اذا كان الثمن هو 100 الف شخص من ذوي البشرة الداكنة.. ان هذا الرجل ليس صديقاً، انه لامر مؤلم عدم محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب حتى الان. رئيس وزراء الظل ـ وماذا عن الشرق الاوسط؟ ـ هتشينز: ان هنري كيسنجر يمكن ان يسمى بحق «رئيس وزراء الظل» في اسرائيل.. ولنذكر فقط بعض الامثلة. في العام 1968 فقد عين اسحاق رابين سفيراً لاسرائيل في واشنطن. وخلال ذلك تعرف رابين على كيسنجر. كان كيسنجر معجباً بالجنرال الذي استولى على القدس الشرقية، وكان رابين «ولعاً» بالدكتور كيسنجر. حتى انه كان يعتبره استاذه. ونشأت علاقة خاصة بين الرجلين ادت الى ان كيسنجر اقترح ان تستقيل جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل آنذاك، وان يضع حزب العمل، الذي كان يحتكر الحكم في اسرائيل آنذاك، اسحاق رابين رئيساً للوزراء رغم انه لم يشغل من قبل حتى مقعد متواضع في الكنيست. وحين تحفظ حزب العمل على ذلك بحكم ان رابين لم يدخل مضمار السياسة بعد، غضب الدكتور، وهدد بمعاقبة جولدا مائير على نحو ما. وانصاعت رئيسة الوزراء لرغبات الدكتور كيسنجر، وعينت اسحاق رابين وزيراً للعمل، الا ان كيسنجر لم يجد ذلك مقنعاً، فدعمت جولدا مائير اسحاق رابين للوصول الى رئاسة حزب العمل، ثم ليصبح رئيساً للوزراء عام 1974، بالضبط كما اراد له كيسنجر ان يكون، وبعد 6 سنوات فقط من لقائهما الاول في واشنطن. وانهمك كيسنجر ورابين في مناقشات مطولة حول كل منطقة الشرق الاوسط. ماذا ينبغي ان يكون هنا، وماذا ينبغي الا يكون هناك. كانت المسألة الفلسطينية لا تحتل القسم الاكبر من نقاشاتها، فقد اكتفى كيسنجر بطرح «منطق» جديد لحل هذه المسألة، وهو منطق غزة اولاً او اريحا اولاً او غزة وبقعة اخرى في الضفة الغربية كخطوة اولى، اما زخم المناقشات الاساسي فقد كان يدور حول امور تتعلق بدور مصر في المنطقة، ودور سوريا في لبنان، ودور العراق، واوضاع منطقة الخليج، كان كيسنجر يعلم رابين كيف يفكر على نحو «جيوسياسي سياسي» اقليمي وليس فقط على اساس من الاعتبارات السياسية الداخلية في اسرائيل، او لمجرد مواجهة الفلسطينيين. ـ هل كانت علاقة «الدكتور» باسرائيل عن طريق رابين وحده؟ ـ ريشتون: نعم.. وان كان الادق القول انها كانت علاقة مع الشريحة المتحكمة في حزب العمل بصفة عامة، واسحاق رابين بصفة خاصة.. ولكن كان لكيسنجر علاقة مع كل قادة حزب العمل بلا استثناء. وسوف اقص عليك هنا واقعة طريفة. في العام 1994 حلقت طائرة وزير الخارجية شيمون بيريز في طريقها الى جنوب افريقيا. وبعد نحو نصف ساعة من تحليقها اتصل كيسنجر ببيريز وقال له انه ينتظره في نيويورك لأمر هنا. واصدر بيريز اوامره بتغيير وجهة الطائرة وببدء مسلسل من الاتصالات الدبلوماسية المرهقة مع جنوب افريقيا لتأجيل مواعيده واستقبالاته هناك، ومع بعض السلطات الاوروبية لابلاغها بأن طائرته في طريقها الى الولايات المتحدة. وحط بيريز في نيويورك، وذهب لمقابلة كيسنجر في احد المطاعم المعروفة بالمدينة حيث تحدثا لمدة ساعتين، ثم غادر بيريز متجهاً الى جنوب افريقيا. ـ ولكن الليكود وصل الى السلطة بعد ان ازاح حكومة العمل في السبعينيات، هل استمرت علاقة كيسنجر باسرائيل على ما كانت عليه؟ ـ ريشتون: كلا.. انه لم يكن يعرف احداً في هذا التجمع الجديد الصاعد. فضلاً عن هذا فإن مناحيم بيجين لم يكن يهتم كثيراً بعبارات معقدة مثل عبارات النظريات الجيوبوليتيكية، اي «مهنة» هنري كيسنجر. ان هنري كيسنجر مثلاً لم يوافق على غزو لبنان في 1982، ولكن مجموعة الليكود تهتم باعتراضه. الا ان رموز الليكود بدأوا بعد ذلك تدريجياً ينصتون لكيسنجر، فقد كانت التجارب تعلمهم ان هذا الكلام المعقد الذي يقوله الدكتور قد يكون مهماً في نهاية المطاف. علاقة طيبة ـ هل ارتبط كيسنجر ابداً بعلاقة ما مع ارييل شارون؟ ـ ريشتون: بالتأكيد.. طوال 25 عاماً وفي كل زيارات ارييل شارون الى الولايات المتحدة كان يلتقي بكيسنجر. رغم ذلك فان كيسنجر لم يكن معجباً بصفة خاصة بارييل شارون ولذا كان يفضل ان يلتقيه «بصورة ثانوية» ودون لفت كثير من الانظار. اذكر مثلاً ان شارون التقى كيسنجر في فندق بحي مانهاتن بنيويورك. وحين سئل كيسنجر عما اذا كان قد التقى بشارون الذي كان يزور نيويورك لحضور «منتدى رجال الاعمال الامريكيين والاسرائيليين» نفى الدكتور ذلك. الا ان صحيفة «جيروزاليم بوست» نشرت صورة للرجلين يتصافحان بعد لقائهما في اليوم التالي. وقال رعنان جيسين المتحدث باسم شارون آنذاك «لا اعرف لماذا يثير الجميع هذه الضجة حول التقاء الدكتور كيسنجر بارييل شارون، ان هناك علاقة طيبة تربط بين الرجلين منذ حرب اكتوبر .1973. وفي مناسبة اخرى قال كيسنجر ان ما فعله شارون من اختراق القوات المصرية غرب القناة اظهر شجاعة فائقة وعقلية عسكرية من طراز مميز .. ان الدكتور يعتقد ان شارون غير مسار حرب 1973 وانه لولا ما قام به لكانت الامور انتهت بصورة مختلفة تماماً. ـ وبنيامين نتانياهو؟ ـ هتشينز: لم نكن نعرف في البداية بوجود اي علاقة. ولكن حين راجعنا الاوراق وجدنا بعض الامور الملفتة للنظر، من هذه الامور مثلاً ان نتانياهو غادر نيويورك حيث كان يعمل في «بوسطن جروب» وهي مجموعة عملاقة للنشر وتنشط في مجالات متعددة. كان نتانياهو يعمل في بوسطن جروب براتب 100 الف دولار في السنة، وقد ترك وظيفته ليعمل في شركة لتجارة الاثاث في اسرائيل براتب مقداره 25 الف دولار في السنة. والطريف ان ايرا مجارزينا صاحبة مجموعة بوسطن جروب وصديقة الرئيس بيل كلينتون الحميمة اقامت حفل وداع لموظفها، غير المعروف لأحد، حضره كل كبار الشركة. بعد ذلك قرر نتانياهو ان يعقد مؤتمراً لدراسة سبل مكافحة الارهاب في ذكرى مقتل شقيقه يوناتان الذي لقي مصرعه خلال اقتحام الطائرة المخطوفة في مطار عنتيبي. من هو نتانياهو ـ آنذاك ـ ليدعو الى عقد مؤتمر عالمي لدراسة سبل مكافحة الارهاب، لم يكن احد يعرف اسمه حتى. ولكن المذهل ان مجلس العلاقات الخارجية، احد اكثر مراكز الدراسات الامريكية رصانة واتزاناً، والذي لعب فيه هنري كيسنجر دوراً حاسماً، وضع كل ثقله خلف المؤتمر، فارسل اعضاء في المجلس من طراز الرئيس جورج بوش الاب (قبل ان يصبح رئيساً) وجورج شولتز وزير الخارجية الاسبق لحضور المؤتمر. وبدا ان ايرامجارزينا «ارسلت» نتانياهو الى اسرائيل لسبب ما، وتولت دعمه «من بعيد» عن طريق الدكتور كيسنجر الذين يدين لإيرا بالكثير. وبعد انتهاء مؤتمر مكافحة الارهاب الذي عقده نتانياهو في اسرائيل قام موشيه آرنيز، وكان سفيراً لاسرائيل في الولايات المتحدة آنذاك، ثم اصبح وزيراً للدفاع بعد ذلك، باستدعاء نتانياهو كي يعمل مساعداً له في السفارة الاسرائيلية بواشطن، وما لا يعرفه كثيرون هو ان من انقذ نتانياهو من عبودية العمل تحت رئاسة موشيه آرينز في السفارة كان شيمون بيريز لا غيره، فقد طالب بيريز بتعيين نتانياهو سفيراً لاسرائيل في الامم المتحدة. ورغم معارضة رئيس الوزراء آنذاك اسحاق شامير فقد تمكن بيريز من «تمرير» رغبته، وعين نتانياهو بالفعل سفيراً لاسرائيل في الولايات المتحدة ليبدأ العالم في معرفة الاسم. ـ هل تدخل كيسنجر في ذلك؟ ـ ريشتون: من الصعب افتراض ان يقترح بيريز تعيين اي شخص كسفير لاسرائيل في الامم المتحدة بالذات دون استشارة هنري كيسنجر.. ليس لدينا اي دليل على ان كيسنجر تدخل في ذلك، ولكن سياق الامر وطبيعة العلاقات وكيفية اتخاذ قرارات تتعلق باطلالة اسرائيل على العالم ترجح انه استشير. رغم ذلك فاننا نعرف بالتأكيد ان بنيامين نتانياهو وجورج شولتز ارتبطا بعلاقة صداقة حميمة خلال عمل الاول سفيراً لاسرائيل في الامم المتحدة والثاني وزيراً لخارجية رونالد ريجان. ان شولتز لم يذهب الى نيويورك ولو لمرة واحدة دون ان يلتقي نتانياهو. ونحن جميعاً نعرف ان شولتز هو واحد من المقربين جداً لهنري كيسنجر. رغم ذلك فان كيسنجر ظل ينظر الى نتانياهو باعتباره «احد المتحمسين الهواة» يقال مثلاً ان نتانياهو اتصل بكيسنجر وطلب منه ان يساعده في استصدار قرار من الادارة يرفض وضع قوات اجنبية في هضبة الجولان وذلك حين كان نتانياهو في الامم المتحدة، الا ان كيسنجر رد قائلاً «بيبي.. لا تضايقني بمثل هذه السخافات فليس لدي اي وقت لذلك». بعدها قال كيسنجر لرابين ان امام نتانياهو الكثير ليتعلمه. ـ هل كان كيسنجر ـ في نفس الوقت ـ مؤثراً في قرار واشنطن المتعلق بالشرق الاوسط؟ ـ ريشتون: بدون شك.. ولنأخذ مثلاً. في 5 يوليو 1996 عقد منتدي الشرق الاوسط الاقتصادي في العاصمة الاردنية عمان. وحضر المؤتمر هنري كيسنجر وكونراد بلاك صاحب جريدة «جيروزاليم بوست». وقالت الجريدة بعد ذلك ان هنري كيسنجر وكونراد بلاك وسيمون فيل (رئيسة البرلمان الاوروبي انذاك) واللواء ويدينفيلد حضروا المؤتمر لرصد انعكاسات ما يحدث على الاقليم ولوضع التوصيات الملائمة.. ولكن بأي صفة قانونية يحضر كيسنجر؟ ولمن سيرصد انعكاسات ما يحدث؟ ولمن سيرفع التوصيات الملائمة؟ كان كيسنجر دائماً يلعب دوراً في صياغة النظرة.. التي تتبناها أي ادارة الى منطقة الشرق الاوسط. تعديل ميزان القوى ـ وماذا عما يحدث الان؟ ـ هتشينز: ما نعرفه من خلال تصريحات متناثرة للدكتور كيسنجر هو انه ينظر الى الوضع الحالي كالتالي: عرض الاسرائيليون على عرفات «السقف» الذي بوسعهم تقديمه، أي «سقف» ما يمكنهم تقديمه للفلسطينيين من تنازلات. ورفض عرفات وقد سأل كيسنجر الاسرائيليين عما اذا كان بوسعهم تقديم اكثر، فقالوا انه من الصعب مجرد تقديم ما سبق تقديمه، ورد كيسنجر بقوله: ان من الضروري اذن تعديل ميزان القوى على الارض اذا ما اراد احد الطرفين تعديل مسار المفاوضات. هذه هي الرواية الشائعة التي تعززها تصريحات هنري كيسنجر العلنية. ونعتقد ان ما يحدث الان على الارض هو محاولة للقيام بتعديل ميزان القوى لاقناع الفلسطينيين بأنه ليس لديهم من الاوراق العملية في الوقت الراهن ما يدعوهم الى المبالغة في مطالبهم، او بالاحرى ما يراه الاسرائيليون مبالغة في هذه المطالب. لقد ساهم هنري كيسنجر ـ اغلب الظن ـ في صياغة معادلة مشابهة ووضعها امام العواصم الغربية الاساسية.. وما سأقوله الان هو استنتاج فحسب وان كانت تعززه معرفة طريقة الدكتور كيسنجر في التفكير، وشبكة العلاقات الدولية الواسعة التي تتمحور حوله حتى الان. ذلك انني اعتقد ان رسالة كيسنجر كانت شيئاً شبيهاً بما يلي: انتم جميعاً تريدون احلال السلام والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط ذات الاهمية الاستراتيجية الحساسة. واحلال السلام يتطلب توقيع الطرفين، اسرائيل والفلسطينيين، على اتفاق للسلام. وقد عرض الاسرائيليون اقصى ما يمكنهم عرضه، ولكن عرفات رفض. لابد اذن من تخفيض آمال عرفات ومطالبه بعض الشيء كي يمكن ان تلائم مقاس اقصى ما يمكن لاسرائيل تقديمه.. عرفات يحاول ان يفعل العكس، أي رفع سقف ما تقدمه اسرائيل كي يلائم مطالبه هو. ولكن اسرائيل لا تستطيع. وهو سيحاول ان يستخدم الرأي العام الدولي والضغط الاوروبي او الدولي للمساعدة في ذلك. الا ان الاستجابة لعرفات تعني الوصول بقضية المفاوضات الى طريق مسدود تماماً. اذا كنتم تريدون احلال تسوية واقعية في الشرق الاوسط عليكم تحمل بعض الاجراءات الاسرائيلية القاسية للضغط على عرفات.. ذلك ان مساعدة الزعيم الفلسطيني في هذه اللحظة الحساسة لن تفضي الى اقناعه بخفض مطالبه. وحيث ان اسرائيل غير مستعدة لتقديم اكثر مما قدم باراك فان مساعدة عرفات الان تعني ابعاد اي آمال بتحقيق التسوية التي تريدونها. اعتقد ان هذا هو منطق كيسنجر.. لقد ذكر ذلك بصورة عابرة في حوار تلفزيوني، ثم المح اليه مرة اخرى خلال محاضرة في نيويورك عن العلاقات الاوروبية ـ الامريكية في ابريل الماضي. وفي كل الاحوال فان صياغة من هذا النوع تتفق الى حد كبير مع منطق الدكتور كيسنجر الذي نعرفه تماماً. ـ ماذا ينبغي على عرفات ان يفعل اذن؟ ـ ريشتون: لسنا متخصصين في الشرق الاوسط ولكن يمكن القول مع ذلك ان ما يحدث هو محاولة مكثفة من الطرفين لتعديل شروط المفاوضات التي يعلم كل منهما انها لابد قادمة. ـ هل لعب الدكتور كيسنجر دوراً في تحديد الموقف السلبي للادارة الحالية تجاه الفلسطينيين؟ ـ بالتأكيد.. انه عميد كلية السياسة الخارجية للحزب الجمهوري، ومن يحملون نهج هنري كيسنجر في النظر الى العالم يشكلون قسماً اساسياً من «آلة التفكير» في قضايا هذا العالم داخل الحزب، بل وداخل الحزب الديمقراطي ايضاً. واشنطن ـ عصام عبدالعزيز: