هل اختفت من الحياة العربية ظاهرة البطل ؟ هل توقفت الأمة عن إنجاب الزعماء الملهمين ذوي الشعبية الكاسحة والقادرين على تحقيق إنجازات تاريخية؟ راودني السؤال وأنا استرجع ذكرى (9) يونيو 1967. في ذلك اليوم وكان قد مضى على الحرب والنكسة أربعة أيام كنا جلوسا في الدار الصحفية التي عملت بها حينذاك وهي دار «روزاليوسف»، تجمعنا عمالا ومحررين في غرفة رئيس التحرير حيث يوجد جهاز التلفزيون والذي كان قد أعلن أن هناك خطابا مهما للرئيس جمال عبد الناصر. كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها عبد الناصر بعد الأحداث الجسام التي شهدتها ساحة الحرب .. وكان عبد الناصر كما روى محمد حسنين هيكل منذ شهور قد قضى اليوم كله وجزءاً من الليلة السابقة في دراسة قرار التنحي ومراجعة الخطاب الذي صاغه محمد حسنين هيكل بكلمات دقيقة. في ذلك اليوم امتنع عبد الناصر عن أي مقابلات أو اتصالات ورفض النصح بالاستمرار وأصر أن يتحمل المسئولية وحده وأن يعلن إنسحابه من جميع الأعمال التنفيذية وأن يتفرغ للعمل السياسي عضوا في الاتحاد الاشتراكي . أي: العودة للشارع . كان ذلك هو قراره الذي لم نكن نعلمه حين بدأ الخطاب المتهدج والحزين . ولم نكن نعلم حينذاك تفاصيل ما جرى.. فقبلها ولعدة الأيام كانت الإذاعة تبث أخبار الخسائر على الجانبين ، وقبلها في يوم الأربعاء 7 يونيو كنت في زيارة لسفير الجزائر في مصر الأخضر الإبراهيمي والذي كانت تربطه صلة صداقة بالرئيس ناصر . وسألت الرجل والذي كان يجري الإتصالات بين ناصر وبومدين طوال فترة المعركة .. سألته : ما هي أخبار الحرب؟ .. ورد الإبراهيمي فى أسى: أي حرب .. لقد انتهت الحرب ثم روى لي كيف تم قصف المطارات من الجو ، وكيف تم القضاء على سلاح الطيران في الساعات الأولى . كنت أعلم ذلك ، لكني والجالسين معي في إنتظار خطاب عبد الناصر مساء الجمعة لم نكن نتوقع ما سمعناه. بدأ الرجل بلسان متثاقل ونبرة حزينة ، وأخذ يروي وبصدق ما جرى .. حتى وصل بعد أكثر من نصف ساعة إلى الفقرة التي تقول: (لذلك قررت التنحى عن جميع مسئولياتي .. الخ ) وانفجرت القاعة بالبكاء، وخرج الجميع دون أن يكملوا الاستماع للخطاب . ولكن إلى أين؟ قال أحد العمال : سوف ننزل إلى الشارع، ورد أحمد حمروش رئيس التحرير ومسئول التنظيم الطليعي بالمؤسسة وهو أحد الضباط الأحرار : (إنتظروا لنسأل القيادة. المظاهرات شئ خطير ، سأتصل بالسيد شعراوي جمعة ) . وكان شعراوي جمعة هو وزير الداخلية حينذاك ، لكن كان أيضا مسئول التنظيم الطليعي، وهو تنظيم القلب داخل الاتحاد الاشتراكي.وثار عامل طباعة اسمه صبحي أبو الفتوح في وجه حمروش : إسأل أنت .. إحنا نازلين الشارع. وبالفعل إتجهنا جميعا إلى الشارع ، ولا نعرف لنا وجهة .قال واحد منا : فلنتجه إلى مجلس الأمة (حيث كان أنور السادات رئيساً للمجلس) .. وسرنا في شارع قصر العيني، فإذا بالشارع يمتلئ، وإذا بالكثيرين راودتهم نفس الفكرة .. فكرة التظاهر والاتجاه لمجلس الأمة معلنين رفض قرار عبد الناصر .. تراجعت حكاية الحرب .. استوعب الجميع فكرة الهزيمة وبرزت أمامهم فكرة التمسك بالقيادة واستمرار المعركة والنضال .. ويتكلف عبد الناصر بأن يستمع لصوت الشارع. قبل الوصول إلى مجلس الأمة والذي يقع في مواجهة مجلس الوزراء فقدت الأديبة والكاتبة الصحفية سعاد زهير (فردة ) حذاء .. لكنها استمرت حافية حتى المجلس ، ثم عادت إلى منزلها . بينما استمر الحشد يتزايد ويأخذ طريقا آخر هو منزل جمال عبد الناصر في منشية البكري وعلى بعد أكثر من «15» كيلو مترا. انطلقت بعض المدافع ، واطفئت الأنوار .. وكانت على الأرجح غارة وهمية قصد بها المسئولون فض المظاهرات خوفا على أمن المدينة الكبيرة التي تقف في مهب الريح، والتي أصبحت بلا حماية حقيقية بعد إنكسار الجيش. كان الظلام كاملا، وأصوات المدافع تردد من حين لآخر، لكن ذلك لم يثننا عن التوجه شرقا إلى بيت الرئيس حيث أغلقت الجماهير الطريق ، وحيث تم الاعتداء على وزير الاعلام محمد فائق ، فقد ظن المتظاهرون وهو يدلف إلى بيت عبد الناصر أنه زكريا محيي الدين والذي رشحه ناصر ليخلفه . اعتدوا عليه ومزقوا ثيابه لكنه استطاع أن يفلت ويدلف إلى منزل الرئيس الذي بدأ يستقبل كل المسئولين في لحظات . و.. بقية القصة معروفة فقد انفجرت المظاهرات في كل العواصم العربية. واستمرت لليوم الثاني ، وانتحر لبناني عندما استمع لخبر التنحي ، وسقط البعض في المظاهرات نتيجة الحشد الكبير، والذي انتهى بعدول عبد الناصر عن الاستقالة . المشهد غير متكرر والتعليقات الغربية حينذاك كانت تتساءل : لماذا تتمسك الجماهير بقائد مهزوم ؟ وكان الجواب بعد ساعات عندما أمر عبد الناصر بدخول معركة رأس العش (شرق بورسعيد )، وكانت معركة رمزية تقول إن الحرب مستمرة .. وإن فلول الجيش المنسحب سوف تحارب حتى تعيد تنظيم صفوفها ، وتنتصر . وهكذا بدأت حرب الاستنزاف ، ثم حرب التحرير. لملم الشعب جراحه، وتوحد مع البطل الذي لم يتخل عن شعبه لحظة واحدة. لم يضع أموال الدولة في خزينة خاصة خارج البلاد، ولم يأمر طائرته الخاصة بالرحيل إلى جنيف أو زيوريخ هربا من الحرب والهزيمة . ولم ينس يوما أن الثورة قد قامت من أجل الفقراء والحفاة، وأن أكبر عدو خارجي لها : وللأمة العربية كلها: إسرائيل. في الأيام الماضية وحين أجرى التلفزيون المصري لقاءات داخل فلسطين المحتلة قال أحدهم: ليس لدينا غير كلمة عبد الناصر (إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ). لقد كان ناصر ومازال معبرا عن روح الشعب . توحد مع الأمة وتوحدت معه الأمة أصبح الكل في واحد . نجا أم غرق .. إنتصر أم إنهزم .. لا فرق. إنه الزعيم، أو هي ظاهرة البطل، ومازلنا نبحث عنه من جديد. بقلم: محمود المراغي