عكفت حكومة شارون منذ ان تولت الحكم في اسرائيل على اعتماد خطة المواجهة وقد اكدنا في حينه غياب الخيار السياسي لدى هذه الحكومة، الا اذا اعتبر الاستسلام الفلسطيني خيارا. وكانت هذه الحكومة تتحين الفرصة للانقضاض اخذه بعين الاعتبار وملتزمة باعتبارين اساسيين: اولا الحفاظ على وحدة المجتمع الاسرائيلي وراء الحكومة عند توجهها نحو المواجهة، ثانيا: الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية الثابتة مع الولايات المتحدة الامريكية. وتزيد تجربة شارون في حرب لبنان 1982 من قيمة الاعتبارين ووزنيهما فهو راغب بالمواجهة ولكن في ظروف وحدة وطنية اسرائيلية وتفهم دولي كامل لها، ومفتاح التفهم الدولي هو التفاهم مع الولايات المتحدة. وشكلت خطوة وقف اطلاق النار الاسرائيلية الوهمية البند الاول في خطة المواجهة مراعاة لهذين الاعتبارين وتثبيتا لهما وجاءت عملية تل ابيب فسرعت في تنفيذ الخطة الاسرائيلية ومنحت شارون فرصة نادرة لتثبيت هذين الاعتبارين اي «الوحدة الوطنية الاسرائيلية» و «التفهم الدولي». وكنا قد اشرنا في العديد من المواقع الى ان هذا النوع من العمليات ضد المدنيين والمدفوع بعدم التمييز بين المناطق التي احتلت عام 67 والمناطق التي احتلت عام 48، والذي ينطلق من غياب التمييز بين المستوطن والجندي والمرأة والطفل، يؤدي بمنطقه الى توحيد المجتمع الاسرائيلي، وهو ينطلق اصلا من مفهوم وحدة المجتمع الاسرائيلي وغياب التمايزات فيه، على اية حال استطاع شارون بسهولة اكبر اخراج سيناريوهات المواجهة من ادراج الحكومة الاسرائيلية ولكن هذه السيناريوهات قائمة اصلا بل سهلت طرحها وتنفيذها. ولنتوقف هنيهة عند مفهوم المواجهة، فالمواجهة ليست هواية وانما هي تحرك سياسي لتحقيق اهداف سياسية، واذا كان تحقيقها ممكنا بالتهديد بالحرب فهذا افضل من الحرب لقد اصبحت القيادة الفلسطينية اكثر تعرضا للضغوط واكثر عرضة لها في الايام الاخيرة ومعها مجمل الفصائل الفلسطينية بل والمجتمع الفلسطيني بأكمله، ولذلك ايضا وافقت على مفهوم وقف اطلاق النار، وكان مرفوضا طيلة الاشهر الثمانية الماضية باعتبار ان الانتفاضة ليست اطلاق النار بين الطرفين، بل هي مقاومة مشروعة لتحقيق اهداف سياسية او لمنع فرض املاءات سياسية اسرائيلية. صحيح ان المواجهة لاتقتصر على الحرب ولكنها ايضا لاتقتصر على التهديد بها، وبعدما فوتت القيادة الفلسطينية على شارون امكانية الصدام الشامل بدأت من جديد الجوقة التحريضية التي تستهدف الرئيس عرفات شخصيا والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية عموما، وخلف غبار التحريض بدأت عملية محكمة لتقسيم الضفة الغربية وقطاع غزة الى مناطق معزولة تماما، ومايجري حاليا في الضفة الغربية من تقسيمها الى ثماني مناطق محكمة الاغلاق، هذا عدا التقسيمات داخل بعض المدن الفلسطينية، لاسابق له على الاطلاق، الى درجة السماح فقط الى من هم فوق جيل الـ 45 عاما للتنقل بين بير زيت ورام الله مثلا وسيرا على الاقدام فقط. وتم تفليت المستوطنين في منطقتي نابلس والخليل وارخي لهم الحبل على غاربه، هذه مواجهة وهي تهدف الى تطوير مفهوم وقف اطلاق النار ليشمل التنسيق الامني والاعتقالات وغيرها اي ليتحول الى استسلام، في الوقت نفسه يغلق شارون الطريق امام اي اتصال مقبل مع الرئيس عرفات عندما يستخدم ضده تعابير مثل «كاذب بشكل مرضي» ومثل «قاتل» او عندما يقول لكولين باول انه يشفق عليه لانه مضطر لان يتعامل مع قاتل مثل هذا. هذا ليس تحريضا من نوع السباب والشتائم التي تتنافر من الهواء في «طوشة عربية» وتتلوها «قبل عربية» ايضا هذا التحريض هو اغلاق السياق السياسي، وسوف يحاول رئيس المخابرات المركزية الامريكية الموفد من الرئيس بوش ان يضغط على الفلسطينيين بهذا الاتجاه، اي باتجاه اعتقال النشيطين والمسئولين عن العمليات ضد اسرائيل وباتجاه اجتماع ثلاثي للتنسيق الامني في القاهرة.والاجابة الفلسطينية المعقولة في الظروف الحالية يجب ان تشمل العناصر التالية: اولا التعامل مع وقف اطلاق النار الذي قبل اضطراريا والانتقال به الى عملية تنفيذ البند الاول في تقرير لجنة ميتشيل القاضي بوقف العنف حسب التعابير الامريكية، تتلوه بنود اجراءات بناء الثقة ووقف الاستيطان وعودة القوات الاسرائيلية حيث كانت قبل بداية اكتوبر 2000 وهكذا. من المفترض ان يحاول الفلسطينيون اعادة موضوع الاستيطان الى جدول الاعمال واتهام اسرائيل بالخرق المستمر لوقف اطلاق النار بواسطة الجنود والمستوطنين والحصار والخنق وغيره.في هذه الاثناء يجب ان يكون واضحا ان شارون لم يتخل عن خيار الصدام الشامل وانه حتى الان يتمتع بكونه الوحيد القادر على تأجيله وجمع التأييد السياسي له، وانه لو كان باراك او نتانياهو في سدة الحكم بعد عملية تل ابيب لردوا بالقصف الفوري، لم يرد شارون فوريا لانه قادرعلى الانتظار دون ان يتهم بالضعف وعلى استخدام هذا الانتظار لتجميع التأييد السياسي لما قد يتحول الى صدام شامل. هناك في اسرائيل من يعتقد ان السلطة الفلسطينية قد انهت دورها وهو يدفع باتجاه التخلص منها وضبط الحالة التي تنشأ بعد ذلك، ولكن لاتوجد لدى هؤلاء اية حلول سحرية او غير سحرية لليوم التالي وهناك في اسرائيل من يعتقد ان الافضل للسلطة الفلسطينية القبول بالشروط الاسرائيلية وهؤلاء يدعون الى تأجيل الصدام الشامل.ولكننا في الحالتين امام انماط خطيرة من المواجهة، ولابد من الحفاظ على الوحدة الفلسطينية للتصدي للعدوان الاسرائيلي الجاري حاليا على الارض ولافشال خطة شارون بالتحرك العربي والدولي استنادا الى الصمود الفلسطيني على الارض وفي ساحات المواجهة. بقلم: عزمي بشارة