حزنت كثيراً من مشاهدتي الرئيس ياسر عرفات يقرأ البيان الذي اعدته آليات الدبلوماسية حول وقف اطلاق النار، حزناً لمحتويات القرار وللترتيبات التي تمت وراء الكواليس لظهور عرفات امام الميكروفون، وبمشهد امام فضائيات العالم، وخلفه كل من ممثل السكرتير العام للامم المتحدة، وبجانبه الى اليمين يقف وزير خارجية المانيا. قرأ الرئيس عرفات القرار بتوقف واضح امام كل جملة، مردداً التأكيد على فورية وقف اطلاق النار، وبنبرة حزينة معبرة عن آلام الرئيس عرفات، وبمشهد دراماتيكي يجسد المأزق الذي دخلت فيه تطورات القضية، والتي وضعت القيادة الفلسطينية امام خيارات ليس فيها طعم، ان لم تكن مملوءة بالمرارة. ومع تأييدي للموقف الذي اتخذه الرئيس عرفات، في تلك الموقعة التاريخية والحاسمة في يوميات نضال شعب فلسطين، لم استطع مقاومة البحث عن اجابات للتساؤلات التي يطرحها كل مواطن عربي، وكل من شاهد ذلك المنظر الحزين. لم يسحب الرئيس عرفات آلة الميكروفون في موقف تلقائي حركته مشاعر الغضب او مشاعر الحزن وباختيار شخصي، وانما جاء المشهد وليد اتصالات سريعة وثقيلة وضاغطة، ان لم تكن حاسمة في ضرورة اتخاذ الرئيس عرفات القرار الذي كان يتحاشاه طوال الاشهر الثمانية الماضية، وفي الحقيقة، كان قرار عرفات هو القرار المصيب والعاقل والناجح في حماية ـ الشعب الفلسطيني ـ من دمار لا يمكن التكهن بحجمه، ومهما قيل فإن دور القيادة هي اتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب وفي المكان المناسب للحفاظ على سلامة الشعب وحريته وسيادته، والقيادة هي التي تتوفر لها القدرة على اتخاذ القرار الصعب والمؤلم، وليست القيادة التي تصاب بالشلل والضياع عند الشدة. واعترف بأن الرئيس عرفات اتخذ القرار الشجاع واللائق والصعب لحماية ابناء شعب فلسطين، وعلينا، مهما كانت منحنيات التداخل، دعم الرئيس الفلسطيني في قراره، ومساندته في مجابهة النقد اللاذع وغير المبرر من المزايدين عليه، من المنظمات الفلسطينية الاخرى التي لها حسابات دوغماتية وشعبوية وجماهيرية، وربما لها استراتيجيات لا تستقيم مع مصالح الشعب الفلسطيني، وفق المنظور الاستراتيجي المحدد. ودورنا في دول مجلس التعاون مؤثر وحيوي في هذه المرحلة، في دعم القرارات التي يتخذها الرئيس عرفات والمقصود بها وقاية الشعب الفلسطيني من كارثة اخرى، يسببها حماس غير منتظم، او غضب خارج ادارة السيطرة. ومن المهم ان يسمع الرئيس عرفات الصوت الخليجي الداعم لمواقفه من اجل توفير الاطمئنان له ولقيادته في التأكيد على ان الاستراتيجية للسلطة الفلسطينية ترتكز على موقف عربي حددته قمة عمان وقبلها قمة القاهرة. كما انه من غير المعقول ان يخرج الرئيس حسني مبارك، والملك عبدالله الثاني في دعم علني لمبادرة عرفات وتبقى دول الخليج بعيداً عن المؤازرة التي يحتاجها عرفات في هذا الوقت الدقيق. ولحسن الحظ بأن الرئيس عرفات رجل يجمع بين الثورية وبين البراجماتيكية، بين التخاطب مع الشارع الفلسطيني، والتعاون مع المسئولية الدولية، ويجمع بين دعم شعبه له، وبين مساندة العرب، ووقوف المجتمع الدولي وراءه. اكتسب الرئيس عرفات خبرة واسعة في العمل الدبلوماسي ويعرف موازين القوة، ويدرك حسابات المخاطرة، ويفهم الكوابح المفروضة عليه، ويتفاعل مع الواقع العربي من حصيلة تجارب طويلة ومريرة. ومهما قيل عن خطواته من خصومه، ومن منتقديه، يظل الرئيس عرفات القائد الوحيد الذي يؤمن للشعب الفلسطيني المساندة من قبل الاسرة الدولية، ورغم خروجه في كثير من المؤتمرات عن الخطاب المسئول في نقده الجارح لمؤيديه، يظل، في النهاية العارف بالسقف العربي الذي لن تتجاوزه الدول العربية، وعارف بالسقف العالمي الذي لن تتجاوزه الاسرة العالمية. ويمكن لي في هذا المقال ان اوجز الافرازات التي تركتها عملية تل ابيب الانتحارية، وهي افرازات تتداولها الصحف، وقرأها الرئيس عرفات ورصدها اكثر من غيره من القيادات الفلسطينية. اولاً: يجمع المحللون العالميون، بما فيهم العرب والاسرائيليون، على ان الهجوم الانتحاري يوم الجمعة الماضي في تل ابيب خلق نكسة اعلامية ونفسية وسياسية للجانب الفلسطيني، وادخل تحولات لصالح السياسة الاسرائيلية امام الرأي العام العالمي. ثانياً: جاء انذار حكومة شارون العنيف والحاد الموجه الى السلطة الفلسطينية في اعلان وقف اطلاق النار خلال اربعة وعشرين ساعة، وفي حال رفض السلطة، ستلجأ اسرائيل الى عمليات واسعة ومدمرة ضد السلطة، مستفيداً من الاستنكار العالمي ضد عملية تل ابيب، ومن مواقع صديقة لعرفات بما فيها روسيا التي اصدرت بياناً وصفت فيه العملية بأنها عملية ضد الانسانية ووحشية، كما اصدر الناطق الرسمي للبيت الابيض بياناً طالب فيه عرفات باتخاذ قرارات سريعة وحاسمة ضد منفذي العملية، كذلك فعل الاتحاد الاوروبي. ثالثاً: يثمن الرئيس عرفات الدور البارز للاتحاد الاوروبي، في معركته السياسية والحياتية مع اسرائيل، وقد جاء وقوف وزير خارجية المانيا بجانب عرفات خلال قراءاته لبيان وقف اطلاق النار مؤشراً على حساسية الدور الاوروبي في الحفاظ على سلامة السلطة الفلسطينية، ولم يكن الرئيس عرفات في موقف يستطيع فيه مقاومة الضغط الاوروبي والامريكي والروسي في آن واحد، خاصة وان الاتحاد الاوروبي يضم دولاً متعاطفة مع عرفات مثل السويد والنرويج وايطاليا وفرنسا، يقول الرئيس جاك شيراك رئيس فرنسا «بأنني اتصلت بعرفات ووبخته وطلبت منه الخروج باعلان لوقف اطلاق النار فوراً». خامساً: خرجت اصوات من الدول العربية تدين العملية وتتحدث عن اضرارها وخسائرها على عرفات وقيادته، ومن الواضح بأن بعض الدول العربية مثل الاردن ومصر، لا تستطيع ان تتبنى المواقف المتطرفة للمنظمات الفلسطينية المعارضة لعملية السلام، ولا تستطيع ان توفر الدعم المعنوي لها، ومن المؤكد بأن العملية سببت احراجاً للدول العربية، وفي مسعى للتهدئة اتصل وزير خارجية مصر احمد ماهر بالوزير الاسرائيلي بيريز، يحثه على التهدئة، وكان رد الوزير الاسرائيلي المعروف بالاعتدال بأن اسرائيل حرة في اتخاذ ما تراه للدفاع عن شعبها، وواضح بأن هذا الرد يعبر عن عدم ارتياح من التدخلات الموجهة لاسرائيل بدلاً من توجهها ضد عرفات. سادساً: كان عرفات خلال الانتفاضة يسعى في اتصالاته ودبلوماسيته، بجهوده وجهود معاونيه، على التركيز على الاحتلال، وبناء المستوطنات والمستوطنين كسبب رئيسي لاندلاع الانتفاضة، وان الجانب الاسرائيلي هو الذي يمارس العنف ضد الشعب الفلسطيني، ويحتل اراضيه، وان العنف يتوقف عند انسحاب اسرائيل من الاراضي المحتلة، لكن هذا الموقف تلاشى تماماً بعد ساعات من العملية، فقد اضطر عرفات لادانة الانفجار تحت الحاح من المجموعة الاوروبية والولايات المتحدة، وبعض العرب واعلان وقف اطلاق النار لأول مرة منذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر الماضي. سابعاً: كانت استراتيجية عرفات هي الاصرار على ان استئناف المفاوضات السلمية رهينة بموقف اسرائيلي تجاه العنف ضد الفلسطينيين، واعادة نشر قواتها واعادة فتح الضفة الغربية، وقطاع غزة، اما الحركات العادية، وتجميد بناء المستوطنات، ورفع الحصار على الشعب الفلسطيني الذي فرضته اسرائيل منذ الانتفاضة، كل هذه الشروط، التي كانت معالم المطالبات الفلسطينية، انتهت تماماً، ولم يقترن وقف اطلاق النار بأي شروط، بل جاء، كما قال عرفات، بلا شروط وفورياً. ثامناً: اعلن عرفات وقف اطلاق النار من جانب واحد، دون ان يربط ذلك بقبول اسرائيل بتقرير ميتشيل، الذي يدعو في خط متوازن، الى وقف الاستيطان، ووقف اطلاق النار من الجانب الفلسطيني، وصار الوضع الان وقف من جانب واحد، دون قيد على الجانب الاسرائيلي ودون التزام بمحتويات تقرير ميتشيل، بمعنى لا وقف للاستيطان ولا وقف للحصار، ولا حديث عن الانسحاب. تاسعاً: لا يوجد اي حديث عن استئناف المفاوضات من نقطة توقفها، ولا حديث مطلقاً عن موعد المفاوضات دون شروط، وترك قرار عرفات بوقف اطلاق النار حقوق المبادرة بيد اسرائيل وحسب مزاجها، ووفق سماحتها وكرمها، وبما ينسجم مع استراتيجيتها. عاشراً: وقف عرفات وحيداً في مواجهة احتمالات الضربة العسكرية الاسرائيلية الانتقامية دون اي تأييد دولي يرتكز عليه، ودون غطاء يخفف من حجم الدمار الذي قد يصيبه، مع تفهم دولي لنزعة الانتقام التي قد تدفع اسرائيل الى تخريب كل ما حصلت عليه السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق اوسلو. احد عشر: كسب الشعب الفلسطيني الكثير من التعاطف العالمي لاسيما في اوروبا وامريكا من خلال سقوط الابرياء والاطفال برصاص الجيش الاسرائيلي الذي يتعامل مع الاطفال بعنف غير متكافئ، وقد اختفت هذه المشاعر المؤيدة لشعب فلسطين بعد عملية انفجار تل ابيب، حينما تولت القنوات الفضائية التركيز على عملية النادي الليلي، باجساد الشباب والشابات متناثرة ونظرات الفزع على وجوههم. ثاني عشر: لم يكن امام عرفات اي خيار، فلا بديل لاعلان وقف اطلاق النار، فقد انحسرت خيارات عرفات الاستراتيجية، وكان امامه خياران، اما وقف اطلاق النار، أو مواجهة عزلة امريكية ـ اوروبية لا يستطيع عرفات تحملها، فضلاً عن كارثة محققة من عدوان اسرائيل واقع. ثالث عشر: لم يكن في مقدور الدول العربية اسعاف الرئيس عرفات من مأزق العملية، فقد ضاعت خياراتها مع تبنيها استراتيجية السقف الدبلوماسي في قمة عمان، التي لم تبق للدول العربية سوى خيار المواجهة وهو الشأن المستحيل. ومع هذه اللائحة من الافرازات المؤلمة، تطالب الولايات المتحدة الرئيس عرفات بالقاء القبض على المتطرفين، واعتقال الارهابيين، والدخول في فصل التهدئة الاعلامية، واستبدال اللغة العدائية بلغة تدعو الى الاعتدال والتعاون. كانت الولايات المتحدة، قبل العملية تطالب الطرفين بوقف العنف، والمساهمة في خلق اجواء تمهد الى استئناف المفاوضات وتناشدها باتخاذ اجراءات بناء ثقة. هذه صورة موجزة تحملها اللائحة المؤلمة للعملية التي صارت محطة انعطاف بمسيرة الانتفاضة، وبالتالي بتطورات نضال شعب فلسطين. بقلم: عبدالله بشارة