القى المفكر والاديب والناقد الفرنسي البلغاري الاصل تزفتيان تودوروف في المركز الفرنسي في القاهرة مؤخراً محاضرة بعنوان «حق التدخل» استهدفت توضيح رؤيته للتدخلات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة ودول حلف «ناتو» في بعض الدول تحت ستار ما يسمى بحماية حقوق الانسان. قال تودوروف ان مفهوم التدخل العسكري فى الدول، بات متداولا منذ سنوات منذ أن تدخلت دول حلف الناتو فى كوسوفو فى يوغوسلافيا والذى بررته شخصيات لها اعتبارها المعنوى مثل الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون وكوفى عنان، والرئيس التشيكى هافيل الذى قال (ان هناك شيئاً لا يمكن لأى شخص عاقل أن ينكره وهو أن هذه الحرب (يقصد تدخل الناتو) تتم ليس باسم المصلحة العامة (يقصد مصالح الناتو) انما من أجل المبادئ الانسانية). يقول تودوروف هذه السابقة دشنت مفهوم حق التدخل لحلف الناتو بالتدخل العسكرى اذا حدث أى اختراق لحقوق الانسان فى أى مكان فى العالم وقد واجه هذا المفهوم عددا من الانتقادات استند أصحابها ان هذا المفهوم يتجاهل مبدأ السيادة الوطنية للدولة. ثم يبين تودوروف أن هذا المفهوم للتدخل لم يكن جديدا تماما على تاريخ أوروبا والغرب فقد بدأ موجته الأولى مع الحروب الصليبية تحت مايسمى نشر القيم المسيحية فقد ذهبت قوات لانقاذ المسيحيين الذين يعيشون فى دول غير مسيحية فكولمبس حين غزا أمريكا لم يكن ليذهب الى أقصى الغرب الا للحصول على الذهب الذى يجعله قادرا على الذهاب الى تحرير القدس. الموجة الثانية الموجة الثانية للتدخل كانت في القرن العشرين، يقول تودوروف سوى ان هذه المرة لم يكن التدخل باسم القيم المسيحية بل باسم التقدم والصناعة والصحة وحقوق الانسان، ففرنسا وبريطانيا اللتان كانتا رأس حركة الاستعمار ما كانتا ترفعان مبدأ التدخل لاجل حقوق الانسان، هذا مع فرنسا عند غزوها للهند الصينية علقت لافتة مكتوب عليها حقوق الإنسان فى مدغشقر علقتها على قصر كان يتصاعد منه الدخان لأنها كانت أحرقته بمن فيه من المعارضين الوطنيين أى أن حقوق الانسان لم يكن لها مجال. أيضا هناك تدخلات كانت تتم باسم الشيوعية التى ستأتى بالخير.. ويذكر التاريخ أن جنود الجيش الأحمر السوفييتى كانوا ينشدون وهم يدخلون البلدان التى يفتحونها (على أسنة الرشاشات سنأتى للشعوب الكادحة بالحرية والسعادة). ويقول تودوروف المفارقة أن هذه التدخلات المقنعة باسم حقوق الإنسان صارت تقبل نظريا اليوم فى كل مكان فى العالم خصوصا فى الدول التى لا تحترم حقوق الإنسان. وكل الدول التى حدثت فيها التدخلات من أجل الخير تشعر الآن بعدم الثقة تجاه هذا المفهوم. لأن فرض الخير عن طريق القوة يجعل الخير لا يصبح خيرا أبدا. فالتدخلات باسم الحكومات السيئة التى تقهر شعوبها لا يبرر التدخل بالقوة، فالشعوب لن ترضى وتتسامح فى ذلك. فالتدخل بهذا الشكل يهدم الدولة القومية. وهذا مافعلته قوات حفظ السلام التى نزلت فى البوسنة وأوضح تودوروف أن مبدأ التدخل من قبل مجموعة دول حلف الناتو مبدأ انتقائى فهو لا يطبق على دول مثل الصين وروسيا التى يمكن ان نقول انها تتصرف بظلم تجاه شعوبها (تدخل الصين فى التبت وتدخل روسيا فى الشيشان). لماذا الانتقائية؟ وهذه الدول لا تجد ردعا أو من يتدخل فيها لأن الثمن الذى ستدفعه دول الناتو سيكون باهظا. يقول تودوروف فحق التدخل لا يطبق الا على الدول الضعيفة اذا ارتكبت المظالم تفرض عليها العقوبات.. أيضا هذا الحق لايطبق على دول مثل اسرائيل تبعا لعلاقاتها مع الفلسطينيين أو تركيا تبعا لعلاقتها مع الاكراد. وهنا يجدر بنا أن نتساءل لماذا يتم التدخل فى حالة ولا يتم التدخل فى حالة أخرى . هل يمكن أن نتصور أن تكون هناك عدالة حقيقية فى حق التدخل تنطبق على حالة ولا تنطبق على حالة أخرى، فتركيا واسرائيل دول صديقة لدول حلف الناتو والمصالح المشتركة هنا تحد من أن ترفع دول الناتو حق التدخل، ولكن يمكن رفع هذا الحق فى حالة الدول غير الصديقة والدرس هنا الموجه لدول العالم هو على الجميع إن أرادوا السلامة أن يصطفوا فى جانب القوة. ويتخذ تودوروف مماحدث فى رواندا من قتال ومذابح جماعية متبادلة بين القبائل هناك مثالا آخر على تفنيد حق التدخل الذى ترفعه دول حلف الناتو باسم حقوق الانسان. فيقول اندلع القتال بين القبائل فى رواندا فى العام 1993 ولكن الدول الغربية لم تتدخل والأمم المتحدة اكتفت بارسال لجنة تتكون (2500) فرد بقيادة الجنرال الكندى (بالير).. ومع ضعف الامكانيات اكتفت هذه اللجنة بالمراقبة وارسال التقارير.. وكان الجنرال بالير دائما يرسل للأمم المتحدة التقارير التى تطلب المساعدات.. ومع اشتداد المذابح قامت الامم المتحدة بتخفيض عدد أفرادها هناك لانها رأت أنهم فى خطر. ومجلس الأمن رفض عمدا أى نوع من التدخل فى رواندا. وأمريكا امتنعت عن ارسال أى قوات الى رواندا.. فى اطار توازنات سياساتها الداخلية التى لا تتعرض ادارة الرئيس كلينتون للضغوط الشعبية نظرا للحوادث التى كانت قد حدثت للقوات الأمريكية فى الصومال. وأمريكا حافظت على علاقاتها مع قبائل (الهوتو) الشرسة والتى اثبتت تقارير الجنرال بالير انها هى الضالعة الأولى فى المذابح مع ذلك رأت أمريكا وأوروبا عدم التدخل بل والحفاظ على علاقاتها مع (الهوتو) نظرا للمصالح المشتركة فيما بينهم. مرة أخرى تساءل تودوروف ماذا يعنى هذا. فالمجتمع الدولى كان على علم بأننا عمليا امام ابادة جماعية. ومع ذلك لم يتدخل فكيف يمكن الثقة فى المبادئ التى تقول بحق التدخل؟ الوثيقة ويرى تودوروف أن وثيقة حقوق الإنسان التى يتم الاعتماد عليها للتدخل تجعل العالم كله فى حالة حرب على مدى الحياة. بل أن انتهاك حقوق الانسان تتعدد أشكالها وتزداد واذا أردنا دائما العيش فى حالة صالحة، فسنعيش فى حالة حرب دائمة. ورغم ذلك لا نستطيع القول ان كل اشكال التدخل غير مشروعة وان الاستناد على وثيقة حقوق الإنسان لا يكفى لحق التدخل، أهداف التدخل تستلزم القول اننا التجسيد الوحيد للخير. ولكن هناك أشكال عديدة للخير وطرق عديدة تؤدى الى الله. فالشر ليس وليد الصدفة، انه جزء من هويتنا ولا يمكن أن نتخلص منه بسهولة لأن التخلص من الشر يؤدى الى الفناء البشرى واذا قلنا بعالمية العدالة فلابد من وجود بوليس يقبض على الجناة ولكن هذا البوليس لابد أن يكون تابعا فى النهاية لدولة أو مجموعة من دول هى فى النهاية لها مصالحها الخاصة. ويضيف تودوروف أن تطبيق العدالة العالمية بهذا الشكل ينبع من شكل التفكير (العلموى) الذى يسود فى الغرب والذى يرى فى العلم حلا لكل المشكلات.. وهذا الشكل سيفضى بنا الى نوع من العنصرية العالمية الشمولية. ويرى تودوروف ان هناك قانونين يتنازعان العالم. الاول الذى قال به مونتسكيو فى كتابه (روح القوانين) وهو انه من تنوع الاقدار والثقافات يفضل ان يكون لكل دولة قوانينها الخاصة. فجرائم الاسبان مثلا فى أمريكا لم تكن لأنهم رفضوا القوانين والخير بل لأنهم تصوروا أن كل دول العالم تكون دولة واحدة ومشكلة هؤلاء الغزاة انهم لم يطبقوا قوانين الدولة ذاتها. انما طبقوا قوانينهم الخاصة. ومن هنا فان العالم عندما تقتسمه خمس ديانات فهذا شئ طيب. ولكن عندما تسود ديانة واحدة فى العالم فربما تصبح استبدادية. مقابل هذا القانون هناك القانون الثانى الذى قال به (كوندرسيه) وتنطلق منه النظرة (العلمية) التى تسود الغرب هى النظرة التى ترى أن العلم يمكن أن يوفر لها حلولا لكل المشكلات ومن هنا ترفض مبدأ التعددية حيث أن القانون الجيد صالح لكل الناس. واذا كنا قد وصلنا الى مبدأ واحد للخير فلماذا لا نتخلص من السيئ منها. ويرى تودوروف أنه يفضل مشروع مونتسكيو ومشروعه الانسانى القائل بالتعدد على المشروع العلمي. لأن التسامح والتعدد أفضل من الفكر الواحد. وموقف ردع متبادل بين عدة دول عظمى يمكن ان يكون اكثر فائدة من موقف دولة واحدة تحاول أن تقوم بدور العسكرى فى العالم وفرض قواعد اللعبة على الجميع. ويقول تودوروف ليس هذا ضد مبدأ التدخل ولكنى مع التدخل المشروط فاذا كان عدد الضحايا فى حالة عدم التدخل يفوق بكثير عدد الضحايا فى حالة التدخل. يفضل بالطبع عدم التدخل.. ولكن يعود تودوروف متسائلا لكن من يحدد عدد الضحايا فى كل حالة؟ الاغاثة ويضيف تودوروف انه يجب علينا ان نحدد صورة التدخل فهناك حق التدخل المستند على القوة وهناك واجب التدخل الذى يستند على انسانيتنا لانه من يعانى ينبغى ان يغاث ونحن المستعدون للمساعدة لابد ان نغيثه.. وهنا يصبح واجب التدخل ذا معنى انسانى وهو ماحثت عليه الديانات السماوية. ينبغى ان نفرق بين التدخل العسكرى والاغاثة. فالاغاثة تعنى دورا فاعلا يلعبه السياسيون ودعاة حقوق الانسان ولا تعنى ابدا التدخل العسكرى. فالجيش الأحمر هو وحده الذى كان قادرا على فتح معسكرات الاعتقال. ولكن عمله لم يكن انسانيا. فلا ينبغى علينا مقاومة الشر بدون الوقوع ضحية لاغراء الخير بينما اللجوء الى القوة يؤدى دائما الى زيادة عدد الضحايا. وواجب الاغاثة يجب أن نميزه عن الرغبة فى تحقيق الخير.. لأن أشكال المساعدة ليست محدودة فشعب العراق وحده يتحمل عبء معاناة المقاطعة ليس زعماؤه. فيجب علينا ان نعيد النظر فيما بين البدائل العقيمة بين القصف التام أو الاهمال التام. وقال تودوروف لن ينمحي الشر من عالمنا ربما يقل هنا أو هناك وللأسف مايدور يقوم على علاقات قوة فقط علينا ان نختار القوة التى تحمل (اثما واضحا على تلك التى تتخفى وراء قناع الفضيلة) وفى المناقشات التى أعقبت المحاضرات أجاب تودوروف عن سؤال عن المحكمة الجنائية الدولية مؤكدا ان هذه المحكمة ان وجدت لن تكون مستقلة تماما فلكى يفترض أن تكون مستقلة فهى فى حاجة الى قضاة مستقلين ولكن هؤلاء القضاة انفسهم فى حاجة الى بوليس يحميهم ويساعدهم وهذا لا تستطيع تقديمه الا الدول القوية وهذا بالطبع سيفقد المحكمة استقلاليتها. وقد رفضت أمريكا مؤخرا الانضمام الى هذه المحكمة الا بعد الاستجابة لشرطها وهو بأن تخضع أحكام هذه المحكمة لأحكام الحكومة الأمريكية وتساءل تودوروف هل يمكن ان يتم القبض فى يوم من الأيام على أى وزير أو جنرال أمريكى أو روسى لتقديمه الى هذه المحكمة؟ هذا لن يكون بالطبع والمحكمة ليست سوى مسرحية عبثية لتبرير قرار سياسى ونجاح هذه المحكمة مرتبط (بعدالة دولية) وهو مالم يحدث مطلقا. هذا وقد بدا تودوروف بتحليله العقلانى الهادئ لجرائم الغرب أقرب الى أن يكون من يقف فى المكان الخطأ بقراءته خطابات للضحايا هى أصلا موجهة للجناة ولا تعنى الضحايا الذين ينزفون. ورد على مايحدث من قتل الاسرائيليين للفلسطينيين قال أن الحال يحتاج الى استمرار المساعدات الانسانية التى ليست بالضرورة هى مضمدة لكل الجراح ولكن بعضها فقط. وربما هذا الذى دفع طالب الهندسة الذى حضر الندوة عن طريق الخطأ حين سألته عن رأيه في ماقاله تودوروف ان يقول: انه الكلام العادى المعروف الذى تقوله الجرائد لدينا يوميا ونكرره جميعا من دون فائدة. القاهرة ـ محمد عبدالحميد: