اهتم بعض شباب جامعة الإيمان ممن تربطني بهم علاقة ود وحوار بدعوتي لحضور احتفال تخرج الدفعة الاولى من طلبة الجامعة، ولم يكن امامي من خيار سوى حضور الاحتفال لانني من ناحية لا استطيع رفض دعوة اصدقائي الشباب ومن ناحية اخرى كان لي دوما رغبة في التعرف على هذه الجامعة التي تثير جدلا كبيرا الى حد قال فيه مسئول يمني كبير «اسأل الله ان يميتني قبل ان يحكم اليمن بعقلية جامعة الايمان». كان الاحتفال تظاهرة اكثر منه احتفالا ولعل معديه انطلقوا من الحديث النبوي «رحم الله امرءا ارانا من نفسه قوة» وبشكل خاص في ظرف تتجه فيه النخبة الحاكمة الى اضعاف التجمع اليمني للاصلاح وتجفيف منابعه عن طريق سحب المعاهد من خيمة التجمع. كان الاستقواء من الجامعة واضحا ايضا في الحرص على دعوة شخصيات من خارج اليمن للاشعار بأن الجامعة ذات بعد دولي، وفي خطاب رئيس الجامعة اشارة ذات دلالة على ان جميع الضيوف هم ضيوف قبيلة بني الحارث التي احتل مشائخها كراسي متقدمة في الحفل، والاحتماء بالقبيلة في اليمن يعني الاحتماء بالسلاح، ولعل هذه الرسالة هي ماجعلت القوات الخاصة في صباح اليوم التالي مباشرة تقوم بالمراوحة على امتداد خط الستين المواجه لجامعة الايمان. عموما لقد استنفرت تخصصي في الصحافة والاعلام وسجلت الملاحظات التالية: ـ كان الحشد للاحتفال كبيرا وقد جاء المحتفلون كما قال رئيس الجامعة من جميع مناطق اليمن. ولكن التنظيم ـ للأسف ـ لم يكن في مستوى هذا الحشد مما شكل ارباكا في السير وحرجا في تدبير اماكن الجلوس، وفوضى في حركة البشر. ـ المثير للقلق والاستغراب ان تعاليم الاسلام واخلاقياته لا يتم تجسيدها في السلوك العملي حتى في حرم جامعة متخصصة بتدريس الشريعة ومهتمة كما اكد اساتذتها بخلق جو تربوي اسلامي داخل الجامعة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ثلاث قضايا: 1 ـ القاعة التي اقيم فيها الاحتفال هي في الحقيقة مسجد الجامعة حيث تقام به الصلوات الخمس كل يوم، لقد نزع من هذا المسجد وقاره وحرمته بتحويله الى صالة احتفال مملوءة بالكراسي منها الكراسي الوثيرة لذوي الجاه والسلطان، ومنها الكراسي الخشنة لمن عداهم من الحاضرين وفيهم علماء واساتذة جامعات، ورجال فكر، لقد كان من المفترض الا تنزع حرمة المسجد بادخال الكراسي وكان بامكان الحاضرين جميعهم الجلوس على ارض المسجد المفروشة بالبسط الجميلة، وكان هذا المسلك يعطي للايمان معنى افضل، ويعطي للحفل روحانية اكبر لكنه التقليد لأعراف الخواجات. 2 ـ بالنسبة لجلوس المدعوين.. الاخلاق الاسلامية والالتزام بالسنة النبوية كان يتطلب ان يترك لكل مدعو ان يجلس حيث ينتهي به المجلس وليسوا بأفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يجلس حيث ينتهي به المجلس كما ان الاهتمام والاحتفاء بأصحاب النفوذ والوجاهات والتعامل بالاهمال مع غيرهم ممن قد يفوقونهم علما وفضلا يكشف عن مسلك لايتفق مع تكريم الله للعلماء، ولايدل على ان المنظمين للحفل قد قرأوا قصة ابن ابي مكتوم وعتاب الله لرسوله «عبس وتولى ان جاءه الاعمى وما يدريك لعله يزكى او يذكر فتنفعه الذكرى اما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك الا يزكى واما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى» صدق الله العظيم. 3 ـ ممارسة بعض الخطباء التضليل في سبيل الاثارة ومن ذلك ماجاء في كلمة عمر احمد سيف عن اغلاق مدارس تحفيظ القرآن وهذه قضية غير صحيحة، ان الاسلام كل لا يتجزأ وانعكاس الاخلاق الاسلامية في سلوك الدعاة هو ما يجعل لهم مصداقية لدى الناس. ـ الوجوه المتجهمة لبعض الخريجين أوحت لي بخاطر اقلقني وارجو ان اكون مخطئا فيه وهو ان يتصور الخريجون ان الوجه المتجهم، والتعالي المصطنع هي من صفات العلماء ولزوم الشغل، وهو ان صح فانما يدل على عدم العلم وعلى الجهل المركب، وسيشبهون في ذلك المسئول الذي احس ان كرسي المسئولية اكبر منه فأحب ان يغطي النقص بالفظاظة وطول اللسان وتعقيد الحواجب، ومضاعفة الحرس، وحمل السكرتير لحقيبة اوراقه، واخيرا بتعقيد معاملات الناس والاستمتاع باذلال ذوي الحاجات. ـ حين استمعت الى الطالب الذي القى كلمة الخريجين وهو يؤكد ان دراستهم قد اقتصرت على عقيدة اهل السنة والجماعة تذكرت فورا جامعة عدن في ظل حكم الحزب الاشتراكي والذي كان يمنع تدريس طلبة الحقوق اي قوانين مقارنة تخالف الاتجاه الماركسي او اليساري وقلت ياسبحان الله ما اشبه الليلة بالبارحة وما الفارق اذن بين الجامعتين كل منهما لا تعترف بالاجتهاد او الرأي الاخر ولاتريد من الطلبة ان يسمعوا او يقرأوا غير رأي واحد، وهذا النوع من السلوك هو ما يلتقي فيه كل اصحاب الايديولوجيات الضيقة المتعصبة بصرف النظر عن محتوى الايديولوجية المعتمدة، اما المثير للدهشة فهو اصرار بعض منتسبي جامعة الايمان ومن قبلها المعاهد على القول بأنهم قضوا على المذهبية والطائفية غير مدركين انهم يعترفون بأنهم فرضوا قناعتهم على المجتمع وانهم يعتبرون انفسهم الوحيدين الذين يمتلكون الحقيقة وان الاخرين من الفرق الضالة، لم يقل الشموليون والماركسيون اكثر مما يقوله هؤلاء. لا اذكر يوما وانا عضو في هيئة التدريس بجامعة صنعاء ان جامعة الايمان قد دعت احدا من الاساتذة ممن لا يسيرون في نفس التيار لزيارة الجامعة او القاء محاضرة فيها، ولا اذكر انها دعت يوما الى ندوة مشتركة بين طلبة الجامعتين من ذوي الاتجاهات والاراء المختلفة ولا اتاحت يوما فرصة للحوار لكي يستمع طلبة جامعة الايمان الى اراء اخرى وتختبر جامعة الايمان بذلك تمكنهم من علومهم وقوة حجتهم وقدرتهم على الحوار والقبول بالرأي الاخر وتحت شعار الامام الشافعي رضي الله عنه «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» ان هذا الاتجاه المنفتح على المذاهب الاخرى والرأي الاخر والاحتكاك بالمجتمع في مرحلة التحصيل افضل من عزل الطلبة في حرم الجامعة ثم يخرجون الى المجتمع وكأنهم هبطوا من الفضاء. اخيرا اود ان اعبر عن الارتياح للقسم الذي ردده الطلبة وراء رئيس الجامعة مع العلم ان القسم لايتفق مع المنهج التعليمي والتربوي الذي حصر الطلبة في التعرف على مذهب واحد واجتهاد واحد والتجهم لاينسجم مع الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. أبارك للخريجين النجاح وابارك لجامعة الايمان ادارة واساتذة هذا الانجاز، ونجاحهم في ارسال رسالة واضحة بأن الزمن قد تجاوز قدرة النخب الحاكمة على فرض ارادتها ـ قهرا على شعوبها والله من وراء القصد. بقلم: د. عبدالملك المتوكل