جاء حادث الاستشهاد في تل أبيب مدويا، فقد قتل عشرون اسرائيليا معظمهم من أصل روسي، والبعض منهم غير معترف بيهوديته من قبل الحاخامات وجرح أكثر من مئة وعشرين شخصاً آخرين، وإذا بالدبلوماسية الدولية تنفجر، والساسة الاقليميين يهرعون لاحتواء الأزمة قبل أن تستفحل واسرائيل تهدد على ألسنة مسئوليها، وعرفات يخضع للضغط الأمريكي والأممي «كوفي عنان» والأوروبي «فيشر وسولانا وموراتينوس» والعربي لكي يستمر توقف اطلاق النار، ويقبل عرفات ويقول انه وقف فوري لاطلاق النار، أما الاسرائيليون وساساتهم فيكتفون بضبط النفس، وعدم ضرب الفلسطينيين ضربة موجعة كان الكل قد وضع الرأس بين اليدين تحسباً منها. ولقد سبق انفجار «تل أبيب» عدة محاولات بين تفجير أشخاص فدائيين لأنفسهم، أو عن طريق تفجير سيارات مفخخة، ولكن هذه المحاولات لم تفلح في إحداث القتل بقدر ما أكدت استمرار اختراق الأمن الاسرائيلي، وتذكير شارون وزمرته ان قدرته على ضبط الأمور لم تفلح، ولكن المحاولة الأخيرة في تل أبيب نجحت، ولم يعلن أحد لمدة تزيد على 36 ساعة مسئوليته عن الحادث، ولم نعرف اسم الفدائي الذي نفذها إلا بعد يومين، وفوجئ الرئيس عرفات به، وبالضغط الكبير الذي تلاه من تصريحات لبوش أو شيراك، وعدد كبير من زعماء العالم، وكذلك كوفي عنان، واشتعلت دبلوماسية الهاتف، وجاء رئيس المخابرات المركزية «جورج تينت» إلى المنطقة، ودار البحث عن الوسائل الأمنية، وترتيباتها وخرجت تصريحات شارون التي تنهال بالشتائم ضد الرئيس عرفات الى صحيفة روسية، جاء توقيت نشرها محرجاً لشارون الذي رأى ان قدرته على التعامل مع الفلسطينيين محدودة بغض النظر عن فارق القوة. لو عدنا إلى ما قبل حادث «تل أبيب» وسألنا: كيف كان مشروع ميتشيل سيوضع موضع التنفيذ، لقد قبل به الفلسطينيون على أن تؤخذ جميع النقاط التي فيه، وقبل به الاسرائيليون شريطة أن يكون البعد الأمني هو المهيمن، مع سعي للتحايل على موضوع تجميد النشاط الاستيطاني، وهذان الموقفان ما كانا ليوصلا إلى شيء، أو ليحركا موضوع الدبلوماسية وعمليتها، ولذلك جاء الحادث ليضع حداً لنزعة شارون الانتقامية، وليفرض على الرئيس عرفات قبول وقف اطلاق النار. وبعدها تحرك شارون فأغلق الضفة، وأطلق عصابات المستوطنين لتعيث في الأرض فساداً، وتهلك الزرع والضرع، وتحرق البيوت، وتروع السكان العزل الآمنيين، وتراجع الرئيس عرفات الى موضع معقول يقول فيه ان وقف اطلاق النار لا يعني توقيفه للانتفاضة المدنية، وهكذا، تلخص الموضوع في ترتيبات أمنية تمنع احتكاك الجيش الاسرائيلي برجال الأمن الفلسطينيين، ويتفرغ كلاهما لابقاء الانتفاضة حالة من التعبير المدني الغاضب على الاحتلال وهذا يعني ان الرئيس عرفات قد قدم الانتفاضة مقابل تجميد الاستيطان. وإذا حصل هذا، فإن الدبلوماسية ستعود بقوة، والجميع يريد خلال هذا الشهر الوصول إلى حل، ولو مؤقت حتى تتفرغ السياسة الأمريكية للحالة الأخرى في المنطقة، وهي تمرير قرار العقوبات الذكية ضد العراق. إن المطلوب خلال هذا الشهر المقبل تضامناً عربياً، ليس ضد اسرائيل فحسب ـ بل وعلى الجبهة الشرقية ـ وإلا فإن الأمة سوف تستمر في دفع ثمن باهظ مقابل أمنها في فلسطين، وثرواتها النفطية في الخليج. نستطيع إن وحدنا مواقفنا، ولو مؤقتاً، أن نجعل الذين يتجاهلوننا ينظرون إلينا عبر شاشاتهم ومن يدري، فقد تصبح الرؤية الخيالية على شاشة التلفاز، مطابقة للرؤية المادية على أرض الواقع. اعمار من خاطبتهم دون الثلاثين، وكانوا جميعا اكثر مني حظا ونزوة وغرورا. بقلم: د. جواد العناني