شخصية وزير الخارجية الامريكية كولن باول شخصية محيرة من بعض جوانبها، واذا كانت بعض الشخصيات التاريخية تكشف عن بعض جوانب غموضها اثر اعتزالها مسرح الممارسة العملية بنشرها لمذكراتها فإن نشر كولن باول لمذكراته على اثر اعتزاله سلك الجندية لم يزد المراقبين الا تحيرا على تحيرهم عما خالط حياته من غموض مريب. الأصل والفرع في تلك المذكرات اضاف باول المعلومة الجديدة المتصلة بأصل دمه الاسود المختلط بالدم اليهودي النيويوركي، وهذا عامل يعقد مشهد حياته كثيرا ويجعل عملية التحليل عسيرة عند الكثيرين، وحرجة عند الاكثرين، وذلك بسبب حساسية الموضوع بالنسبة للجانب اليهودي ذي السطوة في كل من نيويورك وواشنطن ومهما يكون فيمكن القول بأن كولن باول تحمّل منذ البدء عقدة الاحساس المزدوج فهو أسود وأبيض في حين واحد. وانه مصنف من قبل الجميع كأسود، وذلك لان نقطة دم سوداء واحدة تسري في عروق المرء كافية لتحويله الى انسان اسود وتصنيفه في سجلاتهم كما كان يقول مالكولم، ولكن باول يحس ويتصرف ويتحدث كانسان ابيض ولذلك اختار بتصميم ان يتميز سياسيا عن ابناء جنسه بانتمائه الى الحزب الجمهوري الذي لاينتمي اليه اكثر من 3% من سود امريكا، وفي داخل الحزب الجمهوري لم يقف موقفا في الوسط او الى يسار الوسط كما شاء بوش الابن ان يصور نفسه اثناء الانتخابات، انما اختار ان يقف على يمين اليمين كتفا الى كتف مع ملهمه وأبيه الروحي رونالد ريجان. ومع ان سود امريكا معجبون بالاداء العسكري لباول، وبالمنصب الضخم الذي تولاه، الا انهم لا يتفقون تماما مع ميوله اليمينية ونزوعه البرجوازية وتفكيره كانسان ابيض ومن هنا فلم يكن احد يتوقع ان يبدي كولن باول كل هذا الاهتمام بالقارة الافريقية وان يجشّم نفسه عناء التطواف بأنحائها لمدة خمسة ايام، في رحلة بدأت بمالي، وانتهت بيوغندا، مرورا بجنوب افريقا وكينيا! المنظار المزدوج باول الذي يحب ألا ينجلي عنه الغموض، اعطى اجابتين متناقضتين في اولاهما قال: انه لاينظر الى مشاكل القارة الافريقية وعلى رأسها مشكلة وباء الايدز الطافح على انها مشكلة تخص عشيرته من السود، وانما ينظر اليها على انه وزير الخارجية الامريكي، الذي ينبغي ان يهتم بجميع المشكلات الكبرى في العالم، ولما احتج سود امريكا على هذه الاجابة المغيظة لشخص يحاول ان يتجاهل انه اسود، عاد فقال ان شيئا خاصا يربطه بقارة افريقيا ذلك «انه قبل اجيال قليلة جاء اهلي من هناك.. ان هذا امر له مغزى بالفعل بالنسبة لي!». ولكنه سريعا ما عاد لينفى ما قال، اذ دعا اهله الافارقة الا يعلقوا عليه الآمال ففي مالي عندما وقف وزير خارجيتها ماديبو سيديي قائلا: ان زيارة كولن باول لبلاده تعني دعما امريكيا اكيدا لمشروع قوات آلية حفظ السلام الافريقية التي تنفذ مالي الجزء الاعظم منها حاليا، اجاب كولن باول قائلا ان الدعم الامريكي لتلك الآلية سيكون محدودا وسيكون دائما في الحد الادنى، وقد سارع باول لذكر تلك الاجابة مع انه لم يكن يحتاج لذلك لان حجم التمويل الامريكي كله للمشروع لا يزيد على عشرين مليون دولار وقد قام وزير الدفاع الامريكي، اثناء زيارة باول لافريقيا، بتقديم توصية للرئيس بوش بالغاء ذلك المشروع بالكلية. وفي جنوب افريقيا عندما سأل مذيع التلفاز كولن باول عن اصوله الافريقية وتأثيراتها، انبرى يقلل من قيمة ذلك التأثير، ناصحا الافارقة بألا يعولوا على مثل تلك الامور، واردف بفقرة جافة قائلا: «ارجو ألا تجلسوا عطالى، بانتظار ان يأتي المال اليكم، وانتم على تلك الحال!». وفي كل المحافل التي قام فيها باول خطيباً قدم احاديث عامة، وتجنب تماما ان يقطع بأي وعد بتقديم دعم مادي للقارة الافريقية إلا فيما عدا القليل الذي قدم لاحدى الاقطار ولاحدى حركات التمرد. كان ذلك الموقف العملي «متساوقا» مع التصريحات التي ادلى بها بوش الابن اثناء حملته الانتخابية، في العام الماضي، عندما قال انه لا يرى لبلاده اي مصالح تذكر في القارة الافريقية، لتجعل منها اولوية في اجندة السياسة الخارجية الامريكية، وقد اغضب ذلك التصريح ـ غير الدبلوماسي! ـ نواب الكونجرس السود واعضاء اللوبي الافريقي الصغير بواشنطن، لكنه لم يغضب كولن باول، الذي لا يرى اي اهمية، ولا ينظر اليها إلا من منظار فقط مرض الايدز الذي يعتورها ويحطم 25 مليونا من سكانها يمثلون 70% من مرضى الايدز في العالم اجمع ويزعم باول ان من رسالته «كوزير» ان يعمل شيئا بازاء ذلك ولكنه في نفس الوقت يعلن انه يرفض دعوة لجنة حقوق الانسان العالمية، لتخفيض اسعار ادوية الايدز! طفح التاريخ هذه التضاربات زادت حيرة المراقبين والمحللين الذين تابعوا رحلته، فهاهو المحلل السياسي الاثيوبي البارز عبدالله محمد، يقول ان من حق الافارقة ان يستريبوا في ادارة بوش، ولكن من حقهم ايضا ان يستبشروا خيرا بمجيء كولن باول في طاقمها، ان كل ما قاله هذا المحلل الاثيوبي انما يضرب على وتر الاماني فهو مع اعترافه بلا مبالاة بوش بافريقيا، يعلل نفسه برجاء ان يقوم باول باقناع بوش بأهمية افريقيا لامريكا، واضح ان هذا المحلل لم يضع يده على خلفية باول ولا يعرف ان باول لا يختلف عن بوش في الفهم والتقدير حتى في شئون القارة الافريقية التي يفترض ان يفهم شئونها ويقدر شجونها افضل من بوش. محلل آخر من جنوب افريقيا، هو سيفو سيبي، ذكر بأن للافارقة الحق في ان يفخروا بكولن باول، لانه اول امريكي من اصل افريقي يصل الى منصب وزير الخارجية، ولهم الحق كذلك ان يحسوا انه سيكون له احساس اعمق بما تعانيه القارة من فقر عارم ولكن لسيفو ادراك ـ جيد بخلفية باول، لذا عاد يقول: ان سجل كولن باول كجمهوري لا يؤكد احساس الافارقة بتعاطفه معهم، فالحزب الجمهوري تاريخيا ـ كان معاديا لكل تطلعات القارة الافريقية، وكان يؤيد سياسات التفرقة العنصرية الفظيعة بجنوب القارة، وبالامس القريب فقط صوت ديك تشيني عندما كان نائبا بالكونجرس ضد مشروع قرار كان يناشد الحكومة البيضاء لجنوب افريقيا لاطلاق سراح نلسون مانديلا! فكيف يرجى من كولن باول ان يفعل شيئا لافريقيا طالما ان رئيسه يعلن على الملأ عدم اهتمامه بافريقيا، وطالما ان نائب الرئيس الامريكي له تاريخ طافح بمعاداة تطلعات القارة الافريقية وعدم احساس او تعاطف مع احرج قضاياها كقضية التفرقة العنصرية. الديمقراطية المنتقاة هذا التاريخ المعادي لتطلعات القارة الافريقية والذي افصح عن نفسه في الوقوف ضد حكم الاغلبية السوداء لنفسها في جنوب افريقيا، ابى إلا ان يستصحب الآن دعوة لنشر الديمقراطية في بعض الاقطار الافريقية وكلمة بعض مهمة جدا. لان كولن باول استهدف قطرين فقط بهذه الدعوة «تصادف» انهما ليسا على اتفاق كامل مع امريكا، هما «كينيا» و«زيمبابوي» ففي كينيا لاحظ باول ان حزب الاتحاد القومي الافريقي ظل يسيطر على القطر منذ استقلاله في 1963، وان عودة القطر الى النظام الحزبي المتعدد في 1992 لم تؤد الى نشوء احزاب سياسية قوية تنازع وتزعزع سلطة حزب المؤتمر القومي الافريقي، لذا اعلن باول معارضة الولايات المتحدة لترشيح دانيال آراب موي مرة اخرى لرئاسة القطر.. وفي زيمبابوي لاحظ باول ان روبرت موجابي ظل يحكم القطر لمدة عشرين عاما متتابعة لذا دعاه الى التنازل ودعا الشعب الزيمبابوي لكي يقرر من يحكمه عبر انتخابات حرة مباشرة. لقد جاء رد موجابي عنيفا على باول اذ دعاه ليترك الافارقة على حالهم، بدون محاولة من فرض وصاية اجنبية عليهم واكد انه سيقود حزبه في الانتخابات المقبلة، وسيرشح نفسه مجددا للرئاسة ، قبلت امريكا ام ابت. واعلن ان موقف بلاده من معارضة نهب يوغندا للكونجو لن يتغير مهما ساندت امريكا موقف يوغندا في ذلك الشأن. هذا عن موجابي اما دانيال آراب موي فقد فضل الانحناء لعاصفة النقد الصادر من باول، ربما لاعتبارات دبلوماسية لان باول كان في كينيا ولان باول خاطبه مباشرة بذلك النقد خلال لقاء مغلق وقد نقلت رويتر عن احد شهود اللقاء من الطرف الامريكي ان باول خاطب دانيال قائلا: عندما اقول لك يجب ان تتبع الدستور، فإنني اعني الدستور الحالي وهذا يعني انه لا يجوز لك ان تعدل الدستور ليسمح لك بفترة حكم مقبلة لمدة خمس سنوات اخرى. هذا ما قاله باول في اللقاء المغلق «راجع رويترز 26/5/2001» اما ما قاله في المؤتمر الصحفي المشترك مع موي عقب ذلك فهو انه على كينيا ان تقوم باصلاحات ديمقراطية كثيرة ان كانت تريد اية مساعدات من صندوق النقد الدولي، او البنك العالمي. اما في يوغندا فلم ير كولن باول حكماً استبدادياً ولم يعرف ان موسفيني ظل في الحكم لمدة عشرين عاما، ولم يسمع بأن يوغندا ظلت تحكم بواسطة نظام الحزب الواحد منذ ذلك الحين، لذا تطوع للاشادة بيوغندا، وبتنميتها الاقتصادية ووعد بدعمها بخمسين مليون دولار. لقد بدا واضحا ان امريكا لم تغير منهجها «الانتقائي» في استخدام سلاح «الديمقراطية» كما لم تغير منهجها الانتقائي في استخدام سلاح «حقوق الانسان»، وكان مذهلا ان يقدم وزير الخارجية على استخدام ذلك السلاح الانتقائي بذلك الشكل اثناء زيارته الافريقية حيث بدا منفذا لسياسات استراتيجية، لا شأن لها بالمباديء، التي يتغنى بها. ان الافريقي، والدبلوماسي العالمي «كوفي عنان» عندما يتغنى بالديمقراطية وعندما يدعو لمكافحة «الايدز» يحس المراقبون بالمبدئية والصدقية والجدية فيما يقول ولكن ما من احد احس بشيء من ذلك في اقوال وتصريحات ومواقف كولن باول المتناقضة اثناء زيارته الافريقية الاخيرة. د. محمد وقيع الله