يرى الدكتور محمد خاتمي رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية: «الانسان في هذا العالم موجود تاريخي وأسير الزمان والمكان وقابل للتحول والتغيّر»، وحدد معنى الديمقراطية بقوله: «أن إرادة الناس هي التي تحدد اسلوب الحكم وما يقره في نهاية الأمر يتبع ارادة الناس.» من دون أن استمر معه في تعريفاته الاخرى التي أوردها في محاضرات سابقة عام 1996، إنما يطلب رضا الناس «الانسان الايراني» ويرد على المحافظين. قد تأتي نتائج الانتخابات اليوم الثامن من يونيو بالأجوبة المقبولة على ما يمكن أن يطرح من أسئلة في وضع الرئيس خاتمي. أما نحن نلقي أسئلتنا في اتجاه آخر: هل التنافس الكبير في عدد المرشحين لوحة ديمقراطية؟ هل سيمارس المواطن والمواطنة حرية الانتخابات؟ هل ستكون نزيهة؟ ما موقف المحافظين وهم يستشرفون الانتصار من نصيب الاصلاحيين «خاتمي»؟ لماذا لم يقدم المتنافسون برامجهم الواضحة في السياسة الخارجية كما هي في سياستهم الداخلية؟. أم أن مجموع هذه الاسئلة تتمحور أجوبتها في لوحة فسيفسائية خافته الألوان والترتيب؟. المحللون السياسيون، يضعون شارات استفهام على قضايا هامة في اولويتها، عدم الاعلان عن مرشح يمثل المحافظين، وتحاشي القطبية الثنائية، وان كنت أرى أن المترشحين يدورون في فلك التيار المحافظ، وراحوا يشهرون بمحاكمة واعترافات «علي افشاري» القيادي الجامعي الاصلاحي، الذي يدعو الاوساط الطلابية الجامعية إلى فصل الجامعيين عن التدين والنظام، وفصل إسلامية النظام عن جمهوريته، وهذا ما يرفضه الاصلاحيون، ولا يقبلون به، ويقولون: إن الاعترافات أُخذت منه بالقوة، والتلفزة يسيطر عليها المحافظون، ويعرف الرئيس خاتمي هذه الأوضاع التي تجسد قوة المحافظين في القضاء والاعلام وسلطتهم الهائلة في حرس الثورة والاستخبارات، ولا أدل على سطوتهم في الدهاليز الخفية والمعتمة من الاشارة إلى نجاحهم في اغلاق اكثر من اربعين صحيفة في غضون عشرة أشهر معظمها اصلاحية أو مؤيدة للاصلاح ولم ينفع الاصلاحيين هيمنتهم على مؤسستين هامتين هما البرلمان والحكومة. وإثارة قضية «افشاري»، يأتي في المنظور الدعائي الانتخابي لعله يخدم منافسي خاتمي والمترشحين من الاصلاحيين، حتى على الصعيد الرسمي يطفو على السطح الرفض المطلق لأية لافته تشير إلى مرشح بعينه بصورة مباشرة، ذلك كان مبدئياً، حتى كان مهرجان خاتمي وظهوره الاحتفالي، بتقدير اصحاب هذا الرأي أن مصلحة ايران، ومشاكلها الاجتماعي، والاقتصادية، يجب أن تكون هدف التنافس والمتنافسين، ويأتي تصريح «أحمد توكلي» الذي يترشح ثانية -وكان قد رشح نفسه في انتخابات عام 1993 منافساً رفسنجاني- اتهامياً في مقولته: أن جذور مشاكل ايران، مصدرها العائلية، والحزبية، حيث لا يتم تعيين المسئولية على أساس الكفاءة. لكنه لا ينفي ولا يعارض النشاط الحزبي والمنافسة السياسية ويعتبرها توكلي ضرورة لأي مجتمع ديمقراطي تسوده الحيوية، إنما يشدد الآن في نقده وملاحظاته من خلال مرحلة خاتمي كما يرى- وقد ترجحت فيها المصالح الفئوية على المصالح الوطنية وبرزت الالاعيب والمكائد السياسية، لذلك يرى في الجمهورية الثانية شعاره في هذه الجولة الانتخابية- أهمية اعتماد المناصب والمسئوليات السياسية والحكومية على الكفاءة، ونفي المصالح الحزبية والعائلية، وتحقيق الحرية مع أنه يعترف أن الأبواب لم تكن موصدة في وجه اشعاعات الحرية في عهد خاتمي، بل لا بد ان يستفيد الشباب الايراني من الحرية وتحقيق عيش لائق وتوازنات في التنمية السياسية والاقتصادية، ربما يكون توكلي محقاً في آرائه، عندما ننظر إلى وقف استمرارية التنمية السياسية بسبب ما تقوم به الصحف الاصلاحية من الخلط بين مفهومي الاصلاح والانقلاب ولا أدل على ذلك في مفهوم ولاية الفقيه. في هذا الاتجاه يركز وزير الاستخبارات السابق «علي فلاحيان» على عبارة التنمية السياسية التي اعتبرها شعارات يطرحها الاصلاحيون، ومن خلالها عمل خاتمي على السماح بالتعددية الحزبية الواسعة جداً حتى ثمانين حزباً، وقال: حتى لو وصلت هذه الاحزاب إلى ثمانمئة حزب لا يعني ان المشاركة الشعبية اصبحت واقعاً. ومن المهم هنا أن معظم المترشحين /9/ ينتمون إلى التيار المحافظ الذي يلتقي عند حدود النقد العام والخاص للرئيس خاتمي لكن دون أن يكون هناك أي توحد جبهوي في الموقف والاتفاق على شخصية منافسة فعلاً هذا ما نتوقع أن تسعى إليه جماعة «المؤتلفة الاسلامية» أقوى التيارات السياسية المحافظة وقد تتبلور هذه المسألة في الايام الاخيرة قبل الدخول إلى صناديق الاقتراع بيومين أو ثلاثة وهو ما نستنتجه من تصريحات النائب الاصلاحي داوود سليمان: «كلما اقترب موعد الاقتراع سيعمل الجناح المعارض للحكومة لتركيز قواه الناخبة حول مرشح واحد أو اثنين من المنافسين لخاتمي.». قد تشكل هذه الطروحات قاسماً مشتركاً مع اعتبارات وزير الدفاع الادميرال «علي شمخاني» الذي ردها إلى النزاعات السياسية بين الاصلاحين والمحافظين، إذ أن مشاكل ايران الاقتصادية. يجب أن تحتل الاولويات، وحذر من استشراء الفقر، وازدياد جيش الجائعين، وجيش العاطلين عن العمل. ويشاركه في هذا التصور معظم المترشحين الأخرين في وضع الاولوية لمشاكل ايران الداخلية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، واجتثاث الفساد من خلال احترام الدستور واحقاق العدالة والمساواة، ومأسسة بناء الدولة على قاعدة العقلانية، وأعتقد أن معظم المترشحين، يتفقون على قاعدة وارضية الاستقرار السياسي الداخلي، وأهمية تحقيق التنمية الاقتصادية، ويجمعون على عدم تمكن مرحلة خاتمي من معالجة القضايا الاجتماعية والثقافية، وهذا يتطلب تغيراً جذرياً في كيفية اتخاذ القرار، والسياسة العامة في جو من العدالة والاخلاق الاجتماعية، ليتمكن الشعب من المحافظة على الانجازات التي تحققت مهما كانت حجومها. في هذه المعركة الانتخابية وان كنا نرى برودتها مقارنة مع الانتخابات البرلمانية السابقة فهي خجولة في دعاياتها الانتخابية، بتقديري بسبب غياب الثنائية القطبية، كما يبرز مصطلح الليبرالي إلى جانب الاصلاحي وثنائية القطبية في مقابل الاصلاحي والمحافظ. وتجنب المحافظون إلى الآن- طرح مرشحاً يمثلهم، خوفاً من وضع السكين على مفصل الركبة فتعمل على إعاقة مسيرة الاصلاح الداخلي للبلاد، اعتقاداً منهم في ضرورة الابتعاد عن مفهوم الضدية، حتى لا تسوقهم مفاهيمهم الايديولوجية إلى مصطلحي اليمين واليسار، أو الجمهوري والديمقراطي، أو العمالي والمحافظ، رغم ذلك يقولون بالديمقراطية، ويعترفون صراحة أن جميع المترشحين خضعوا لدراسة مجلس صيانة الدستور ولمسات مرشد الجمهورية، وهذا لا تتعارض مع ايديولوجيتهم الديمقراطية التي يطرحونها والرئيس خاتمي يؤكد على الحرية والاعتماد على الدستور وتطبيق مواده. ومضامينه. ويرى: لا يوجد أي حل آخر إلا إقامة الديمقراطية وتعزيزها في هذا البلد. وآراء خاتمي ووعيه الديمقراطي وايمانه بها كان قد تحدث عنه في حوار له مع مجلة المنطلق اللبنانية ع/115 عام 1996 فيقول: «ان الديمقراطية هي سبيل إلى استقرار نظام معين أي انها آلية، وان الحكومة للشعب، وأن إرادة الشعب هي التي تحدد شكل الحكم، وهذا أدى في الغرب إلى العلمانية والليبرالية ولا بد له من أن يؤدي في المجتمع الاسلامي إلى شكل يساير أكثر الناس الاسلامي». فخاتمي الليبرالي الديمقراطي، يُتهم بأنه مناهض للدين، مع أن جميع المترشحين يتكلمون عن المجتمع المدني، وكان قد أجاب في حواره مع المجلة اللبنانية بقوله: «أنه لمن المؤسف أن الحكومات الاسلامية منذ انقضاء العهد الراشدي وحتى تعرفنا إلى الحضارة الغربية تتلبس بلبوس الدين». فهل يتجه خاتمي نحو الغرب؟، وهل يعمل بعد فوزه على إعادة العلاقة مع قوى الاستكبار العالمي؟. لكن التزود من ايدلوجيتهم لا يرى فيها ضرراً أو تعارضاً في تحقيق الاصلاحات التي يناضل من اجلها في دفع ايران نحو الدولة المتحضرة والفاعلة في التاريخ المعاصر، وهذا التوجه لا يرى فيه تعارضاً مع الأسلام المرن الذي يتماشى مع الزمان ولا يقف في وجه التاريخ وهذا هو ما يعنيه خاتمي: الدستور من وضع البشر لكنه معاهدة تنظم حياة البشر، وأنه ميثاق الوحدة الوطنية ويمكن أن يقيم ديمقراطية أفضل من حرية الغرب الليبرالية التي كانت متهمة بالاساءة للاخلاق والقواعد الاجتماعية العامة، من هنا في مساءلة التوفيقية يحافظ خاتمي على الارث الشعبي ويحتفظ به في بلد يطلق عليها أحياناً بلد العجائب، أما جماعة علماء الدين المجاهدين، رغم تأكيد حضورها الفاعل في هذه الانتخابات في فترة حساسة تشوبها شارات القلق على الجمهورية، فهي تدعوا الجميع إلى المشاركة الفعالة واختيار المرشح الملتزم بمبادئ الدين والثورة، وتؤكد في الوقت نفسه على الرئيس المقبل أن يكون حذراً من الأفكار المستوردة ومواجهة الاخطار التي قد تهدد النظام الاسلامي، وهي المسألة التي أشرت إليها قبل قليل، في أهمية الانفلات من الزوايا الغربية، وما قد يتسرب إلى النظام الاسلامي الجمهوري باسم الليبرالية التي تلتقي بشكل أو بآخر بدعوة الحرية التي يطرحها خاتمي. في التصريحات العلنية التي تتناقلها وكلات الانباء لا أعتقد أن ايران سوف تبقى معزولة عن الغرب ومنغلقة على الولايات المتحدة، وأي من الناجحين، خاتمي أم غيره من الاصلاحيين، أو المحافظين سوف يتجه إلى الغرب، يطرح محمود كاشاني على شاشة التلفزة الايرانية: أن على بلاده أن تتعلم الكثير في شأن حقوق الفرد من دستور الولايات المتحدة. ويرى أن ايران متخلفة كثيراً في ركب البلدان المتقدمة في الادارة السياسية، ويعطي رجالات وزناً يعتبرونه صحيحاً أكثر مما يعطون للقانون. ويقول: البلدان المتقدمة حققت معجزات بالتمسك بقوانينها، الشعب الايراني لم يكتسب شيئاً من الوعود السابقة. على الرغم من مصطلح الاستكبار واطلاق مفهوم الشر على المعسكر الغربي بلا استثناء وطرد الدبلوماسيين من السفارة الامريكية واغلاق السفارة الصهيونية والهجوم الحاد العنيف المستمر. اعتقد أن لهذه نهاية. والايرانيون ينظرون إلى علاقاتهم الخارجية بمنظور قومي، وهذا يمكن أخذه والانتباه إليه من التصريحات الأخيرة للاصلاحين وعلى رأسهم خاتمي في امكانية اعادة العلاقة مع الولايات المتحدة شرط أن تعتذر، أو تظهر ندمها، أو تعلن تراجعها عن محاربة الثورة. لكن السؤال الاخير في تحديد العلاقة مع العالم الغربي، والانفتاح على الولايات المتحدة، هل سيكون منوطاً بخاتمي في حال فوزه. أرى أنه الأكثر جدية في هذا التوجه وهو الداعية القوي للحرية والديمقراطية عندما يأخذ ضوءً أخضر من مرشد الجمهورية. وهو ما سيكون! بقلم: عبدالغفار نصر ـ صحفي سوري