اذا ما رجعنا الى الانتخابات الرئاسية الايرانية عام 1997، والتي حقق فيها الرئيس محمد خاتمي انتصارا ساحقا على منافسة ناطق نوري سنلحظ ما يلي: إن هذه الانتخابات قد شهدت أكبر نسبة مشاركة من جانب المواطنين اذ شارك فيها 70% ممن لهم حق التصويت، وحصل محمد خاتمي على أصوات 20 مليون ناخب من أصل 29 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات. إن المرشح المنافس لمحمد خاتمي وهو ناطق نوري كان يحظى بتأييد المؤسسة الدينية الرسمية وكبار المراجع الدينية في قم ومشهد وطهران بالاضافة الى عدد كبير من الوزراء والشخصيات الدينية المحافظة، الأمر الذي وفر له دعاية واسعة من خلال الاذاعة والتليفزيون الخاضعين لاشراف الولي الفقيه وهو ما جعل أنصار خاتمي يتهمونها بالانحياز لناطق نوري وبالرغم من هذا حقق خاتمي هذا الفوز الكبير وهو ما يعني أن القوى المساندة لخاتمي تقع في نطاق خارج المؤسسة الدينية، ومن ثم فانتخابه جاء تعبيرا عن الارادة الشعبية في ايران. إن هذا الفوز الكبير لم يلعب برأس محمد خاتمي الذي يدرك قواعد اللعبة في نطاق النظام الايراني ومن ثم أكد في أول تصريح له بعد انتخابه أن أحد خيارات النظام الايراني المقبولة، ومن ثم فقد أتى الى موقعه من خلال الآليات الدستورية والسياسية للنظام ولا يمثل انتخابه انقلابا على هذا النظام. إن الولي الفقيه علي خامنئي والذي كان مؤيدا لناطق نوري استقبل أعضاء البرلمان الذي كان يسيطر عليه المحافظون آنذاك وحثهم على التعاون مع محمد خاتمي مؤيدا ما يريد فعله الرئيس المنتخب حول حاكمية القانون واشاعة التعددية الفكرية والسياسية، وهو ما يعني أن النظام الايراني كان أمام عدة خيارات، وأنه ترك للشعب مهمة الاختيار وأن الشعب قد حسم الموقف لصالح التيار الاصلاحي، ومن ثم فعلى الجميع الالتزام بهذا الخيار. إن الجناح المحافظ قد قبل بالنتيجة حيث هنأ ناطق نوري الرئيس المنتخب وبدأ هذا الجناح في دراسة الأسباب التي أدت الى هذا الفشل. هذه الملاحظات الخمس لها دلالات مهمة بالنسبة للتجربة الديمقراطية في ايران، إذ تشير الى أن النظام الايراني قد بلغ مرحلة من النضج السياسي والفكري التي تجعله يتعامل بتسامح ملحوظ مع ما يقرره الشعب عبر صناديق الاقتراع، وتوضح كذلك أن النظام قد اتجه صوب الاستناد الى الارادة الشعبية بوصفها السند الرئيسي لشرعية النظام كمقدمة للتحول من الشرعية الثورية التي استند اليها النظام السياسي الايراني منذ وصول آية الله الخميني وحتى الفترة الأولى للرئيس هاشمي رفسنجاني، ومن ثم فإن فترة الرئيس محمد خاتمي الأولى كانت تعبر من واقع الأمر عن مرحلة انتقالية جديدة صوب الشرعية الدستورية بوصفها الأساس الذي يقوم عليه النظام وهو ما يعني التحول من مرحلة الثورة الى مرحلة الدولة. ـ ماذا تحقق خلال الفترة الأولى لرئاسة الرئيس محمد خاتمي؟ في خطابه أمام مجلس الشورى قبل الانتخابات الرئاسية قدم الرئيس محمد خاتمي عرضا مفصلا لأهم ما تحقق خلال فترة رئاسته الأولى ومن الناحية السياسية أوضح ما يلي: ـ التأكيد على خيار اقامة نظام ديمقراطي ديني وهو ما دعت اليه الثورة الاسلامية على أن يتم ذلك من داخل النظام وليس من خارجه، فهذا هو الاتجاه الذي تبناه الرئيس خاتمي والذي يمكن أن يفسر العديد من المواقف والقرارات التي اتخذها وهو ما سنشير اليه فيما بعد. ـ الاستجابة الى الحرية الكبيرة في المجتمع الايراني الداعية الى الاصلاح والتغيير الأمر الذي جذبها الى النظام السياسي الايراني والى أهدافه. ـ الاتجاه نحو الوسطية والاعتدال وتثبيت النظام والتشديد على الدستور كمبدأ ومرجع لادارة المجتمع والاهتمام بحقوق الشعب وحرياته وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاهتمام بحقوق المواطنة والنظرة الأمنية في المرافق العامة خاصة في المجال الثقافي والسياسي. ـ الاعتماد على الدستور وتطبيق مضامينه وهذا هو أهم المحاور التي اعتمدها رئيس الجمهورية، ولقد حظي هذا الاعتماد على الدستور خلال السنوات الأربع الماضية بمكانة مرموقة داخل المجتمع، فأصبح الاتجاه العام نحو العمل بالقانون مرتكزا داخل المحاكم وأجهزة الأمن والشرطة والاحتكام الى الدستور أساسا، وهذه خطوة مباركة إذ سعت كل المؤسسات الى العمل على اظهار الالتزام بالقانون في ادائها لأعماله وهذه خطوة مهمة وثقافة أصبحت أساسا يلتزم به الجميع. ـ تشكيل لجنة مراقبة الدستور ومتابعته والتي أنجزت أعمالا مهمة وقامت بدراسات جيدة، خاصة وأنها تقوم بتقويم نجاح أو عدم نجاح رئيس الجمهورية في تنفيذ الدستور والحيلولة دون خرق مواده مع الاهتمام بالامكانات والصلاحيات المتوافرة. ـ تطوير الديمقراطية والحرية والفكر بما يتلاءم مع التقدم، والتأكيد على أن الدين يتلاءم مع حقوق الأفراد وحريات المواطنين، والحرية تتلاءم مع معايير الثقافة الاسلامية للمجتمع الايراني. ـ ازدياد المشاركة النشطة للمواطنين وهو ما أكدته الانتخابات البرلمانية والمحلية التي جرت خلال السنوات الأر بع الأخيرة، والتي أظهرت أن المواطنين يعتمدون على حقهم وأصواتهم وهم حاضرون بقوة في الساحة السياسية. ـ ازدياد عدد الأحزاب والمجموعات التي تتمتع برخص رسمية تتيح لها فرصة العمل السياسي والعمل العام من 39 عام 1997 الى 82 مجموعة هذا العام. ـ عقد الكثير من المحاكمات بصورة علنية جعلت كثيرا من القضايا تتوضح وتظهر الى العلن، حيث لم تعد هناك محاكمات تجري من قاعات مغلقة لا يعرف أحد ماذا يجري بداخلها، وإن كانت هناك بعض المحاكمات التي جرت بطريقة سرية أو بصورة غير علنية فلابد من العمل على جعلها علنية كما يؤكد ذلك القانون. ـ اتساع نطاق حرية الصحافة نسبيا وإن كانت هناك بعض الصعوبات التي واجهت الصحافة خلال الفترة الماضية نتيجة للاختلافات الفكرية والثقافية إلا ان هذه الصعوبات يجب التوصل الى حلول لها. ـ التأكيد على مبدأ فصل السلطات فلا يحق لأي سلطة أن تتدخل في شئون السلطات الأخرى، خاصة السلطة التنفيذية التي عندما تتدخل في هذا الصدد فإن هذا يعني بداية الديكتاتورية. والمتابع للسلوك السياسي للرئيس محمد خاتمي يلحظ أن الرجل قد حرص على عدم التدخل في شئون السلطات الأخرى، بالرغم من محاولات التدخل في سلطاته. هذه المؤشرات التي تم استخلاصها من خطاب الرئيس خاتمي أمام مجلس الشورى الايراني تؤكد ما سبق أن أشرنا اليه من أن الفترة الرئاسية الأولى له كانت تركز على بناء أسس الشرعية الدستورية والقانونية للنظام السياسي الايراني، وقد أنجز الرجل جانبا من هذه المهمة ومازال أمامه جوانب أخرى لتحقيق هذا الانجاز، ويرجع ذلك الى أن هذه العملية هي عملية تغيير جذرية في بنية النظام ذاته، ومن ثم لابد من أن تواجه بمقاومة شديدة من جانب الذين يرون في هذه العملية ما يهدد مصالحهم وأفكارهم وهو ما أوضحه الرئيس خاتمي بين ثنايا خطابه المشار اليه. والواقع أن التحليل السياسي لتطور النظام الايراني خلال السنوات الأربع الأخيرة يوضح أن الجانب الاقتصادي لم يكن بعيدا عن رؤية الرئيس خاتمي، ولكن كل ما هنالك أن الرجل قد رأى أنه من الأفضل البدء بالاصلاح السياسي لأن هذا الاصلاح عند تحقيقه يسهل عملية الاصلاح واعادة البناء الاقتصادي ويؤكد هذا أحمد توكلي أحد المرشحين في انتخابات الرئاسة الجديدة في ايران منافسا لمحمد خاتمي إذ أشار الى أن أهم الأعمال الضرورية لتطور ايران هو تغيير طريقة تحرك السلطة التنفيذية، من التركيز على التنمية السياسية الى خط التنمية الشاملة والمتوازنة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومن ثم يرى أن الفترة المقبلة لابد أن تشمل تحولاً سريعاً في اصلاح الاقتصاد، خفض الدور الحكومي في مجال النشاط الاقتصادي ومواجهة الفساد. واذا ما نظرنا الى الحملة الانتخابية للمرشحين فسنجد أولا الانقسام الواضح التقليدي بين الاتجاهين الاصلاحي والمحافظ، إلا أن المؤسسة الدينية الرسمية والجماعات المعبرة عن الاتجاه المحافظ لم تعلن مساندتها لأي من المرشحين المنافسين للرئيس خاتمي، في حين تقف الجماعات الاصلاحية بقوة الى جانب الرئيس خاتمي وقد انتقد المرشحون لمنصب الرئاسة في حملاتهم الانتخابية الكثير من الأوضاع القائمة، خاصة الأوضاع الاقتصادية، وأتيحت الفرصة لهم للقيام بدعايتهم الانتخابية، وهو أيضا مؤشر ايجابي بالنسبة للممارسة الديمقراطية في ايران. إلا أن الجديد في الحملة الانتخابية الحالية أتى من جانب المرشد العام علي خامنئي الذي أظهرت تصريحاته الأخيرة اقترابا واضحا من الاتجاه الاصلاحي الذي يتزعمه خاتمي حيث شدد على أهمية التعددية السياسية وأن الشعب هو الأساس في نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، والبرلمان على رأس كل هذه الأمور، وقال خامنئي أمام رئيس البرلمان والنواب ان الجمهورية الاسلامية مدينة بشرعية كلية للشعب وهو الذي يقرر ويحسم في كل الأمور ولسنا شيئا من دونه، وقال ليس هناك مسئول فوق القانون حتى الولي الفقيه. هذه الأفكار التي تضمنتها تصريحات المرشد العام تحمل تغيرا مهما وجذريا في فكر المؤسسة الدينية الرسمية التي يمثلها خامنئي والتي كان يسيطر عليها الاتجاه المحافظ الذي كان يؤكد منظروه أن النظام ليس مسئولا أمام الشعب أو المؤسسات الدستورية، فما يقوله خامنئي اليوم يختلف اختلافا واضحا عن أفكار هذا الاتجاه الأمر الذي يعني تقاربا بين الولي الفقيه والرئيس محمد خاتمي، كان يفتقده الأخير من قبل. ووفقا للتقارير الواردة من طهران فإن محمد خاتمي هو الأقرب للفوز بفترة رئاسة ثانية، وإن كان البعض يتوقع عدم حصوله على العدد الكبير من الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، حيث أن بعض مؤيديه في انتخابات 1997، كانت طموحاتهم تفوق الامكانات الفعلية والظروف الموضوعية التي تعامل معها الرئيس محمد خاتمي خلال فترة رئاسته الأولى، خاصة فيما يتعلق بقضايا الحريات، والمشكلات الاقتصادية الحادة التي تعاني منها ايران. ومع ذلك فيمكن القول بأن خاتمي قد نجح في خلال هذه الفترة في ازالة أهم عقبة واجهت مخططه الاصلاحي، وهي موقف المؤسسة الدينية والمرشد العام الذي يملك صلاحيات واسعة بما فيها الحق في اقالة رئيس الجمهورية، حيث بدأ المرشد العام بجذب المؤسسة الدينية الرسمية باتجاه أقرب الى اتجاهات محمد خاتمي الاصلاحية، ومن ثم ففوز محمد خاتمي بفترة رئاسة ثانية يمكن أن يحمل معه زخما أكبر وقوة أشد نحو تطبيق أوسع للبرامج الاصلاحية التي يتبناها الرئيس محمد خاتمي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، الأمر الذي قد يوفر فرصة أكبر لتطوير النظام السياسي الايراني باتجاه الديمقراطية في اطار القيم السياسية والثقافية للشعب الايراني وهو ما يطلق عليه خاتمي الديمقراطية الاسلامية. فهل سينجح خاتمي في تحقيق برنامجه الرامي الى تقديم نموذج سياسي ديمقراطي اسلامي؟ هذا هو السؤال الذي سنتعرف على اجابته في المستقبل. بقلم : د. محمد سعد أبو عامود ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان