دار سجال ساخن مساء الاحد الماضي في ندوة مفتوحة بدمشق بين استاذ جامعي وكادر حزبي حول اوضاع الصحافة في سوريا بمشاركة مراسلين صحفيين. وصف الباحث السوري البارز حسان عباس الصحافة السورية عبر مراحلها المختلفة منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمن بانها صحافة عرجاء متفردة تعكس وجهة نظر واحدة وانها تعاني من فقدان الحرية وفرض الرقابة والهيمنة الحكومية، ورد عليه سليم بركات وهو بعثي بان انتقاداته تمثل تجنيا على السلطة ودعوة للعودة إلى عصر الانقلابات. وكان عباس الذي كان يتحدث خلال ندوة جماهيرية في دمشق اشار الى صدور مجموعة من المراسيم والقوانين والاجراءات خلال الاشهر القليلة الماضية في اطار الاصلاحات السياسية التي يمكن ان تحسن وضع الصحافة بالرغم من انها غير كافية. وعقدت الندوة في اطار منتدى جمال الاتاسي للحوار الديمقراطي وهو المنتدى الوحيد الذي سمح له بالاستمرار في عقد اللقاءات الجماهيرية بعد اغلاق المنتديات الاخرى التي شكلت في اطار الاصلاحات التي وعد بها الرئيس السوري بشار الاسد لدى انتخابه رئيسا للجمهورية في شهر يوليو لماضي بعد وفاة والده الرئيس حافظ الاسد الذي حكم سوريا لمدة 30 عاما. وحفل النقاش خلال الندوة التي حضرها ما يزيد على 150 شخصا بالكثير من المداخلات. وتحدث عباس وهو استاذ في المعهد الفرنسي للدراسات في دمشق ومحاضر في جامعة برشلونة عن واقع حياة الصحفيين في سوريا فقال «الصحفيون المؤمنون بحرية الكلمة وبقدسية حق الصحافة في سوريا يمارسون عملهم كمن يتقدم فوق حقل من الالغام لا يعرف متى تنفجر الارض تحت قدميه اما اولئك الصحفيون المدجنون فهم جزء من الصورة القاتمة لواقع الصحافة في سوريا..». واورد تلخيصا لتاريخ الصحافة في سوريا منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الان اشار فيه الى «ان حياة الصحافة المدنية الحرة كانت شاقة ومحفوفة بالمخاطر فلم تعرف البلاد خلال 55 عاما منذ الاستقلال سوى اربع سنوات من الديمقراطية النسبية من 1954 الى 1958 اما ما عداها فكانت بكاملها سنوات هيمن فيها تقييد الحريات ومارست خلالها السلطات المتعاقبة شتى انواع الضغط على المجتمع المدني وعلى الصحافة». وقال «ان واقع الصحافة السورية هو نتاج مباشر للسياسة التي اتبعها حزب البعث ليصل الى حالة التفرد في قيادة الدولة والمجتمع وادت هذه السياسة في مجال الصحافة والاعلام الى ايجاد عشرات الدوريات التعبوية الموجهة الى فئات الشعب كافة وهي دوريات يجمع بينها قاسم مشترك اعظم هو الهيمنة المطلقة للخطاب السياسي الواحد المتجانس ولقطع الطريق امام اي خرق ممكن لهذه الهيمنة». وقال ان الرقابة التي تفرضها السلطة على الصحافة ادت الى تغييب الخطابات والرؤى والابداعات الاخرى والى خلق حالة من الرقابة الذاتية المحبطة لدى غالبية الصحفيين «والى اصابة الصحافة بعاهات ابعدتها عن الناس وابعدت الناس عنها مما حرم الشعب من حقه المشروع في التعبير عن رأيه بحرية ومن حقة بالاعلام وبالصحافة..». واضاف «لقد قيل سابقا الصحافة هي حبر وورق وحرية ولكنها ليست في بلادنا سوى حبر وورق ولذلك فان اقل من يمكن ان نصفها به انها صحافة عرجاء..». وفي اشارته الى الاصلاحات السياسية التي تتم في سوريا منذ اشهر قال عباس «ظهرت في السنة الاخيرة مجموعة من القوانين والمراسيم والاجراءات التي تعرفونها جيدا من السماح لاحزاب الجبهة باصدار صحافتها الخاصة الى السماح بصدور صحيفة خاصة وربما صحيفة اخرى ستصدر قريبا. واظن ان هذه الاجراءات ايجابية بالمطلق لكنها تبقى غير كافية ما دامت تشرع لحالات محددة ولا تسن قوانين يتساوى في القدرة على الاستفادة منها لكني اعتقد انه ما زال ثمة مجال للامل بصدور هذه القوانين..». وفي النقاش الذي جرى بعد المحاضرة قال احد المراسلين «نتمنى ان يتطور النفس التطويري ..نحن لا توجد لدينا هوامش محددة لا نعرف ماذا نكتب وماذا لا نكتب نجد صعوبة في الحصول على المعلومات فمثلا كتابة خبر من عشرة اسطر قد يحتاج لمجهود يوم كامل تجري اتصالات مع كل الجهات دون نتيجة ودون وجود شخص يتكلم معك ويعطيك المعلومة». وقال مراسل اخر «هنالك صعوبة بالعمل نظرا لعدم معرفة ما هي الخطوط الحمراء نظرا لان هذه الخطوط متغيرة من وقت لاخر ومن مسئول لاخر فما يراه هذا المسئول خطا اخضر قد يراه اخر خطا احمر وهكذا». واضاف «حول الصحافة الرسمية يطرح سؤال انه اذا ارادت السلطة ان تفرض رأيها على الجمهور فهل يصل هذا الرأي وهذا الصوت اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الصحف الرسمية الثلاث مجتمعة توزع ما لا يزيد على 50 الف نسخة يوميا معظمها يوزع مجانا بالرغم من ان عدد السكان نحو 17 مليون شخص». وقال احد المشاركين في الندوة ان اموالا هائلة تصرف على الاعلام من جيوب الشعب دون ان يلتفت لهذا الاعلام احد وقال «هنالك 2200 عامل في صحيفة الثورة وهذا العدد اكثر ممن يعملون في سد الفرات وهو اضخم مشروع مائي في سوريا..». ورد سليم بركات وهو بعثي فأشار الى ان المحاضر تجني على السلطة السياسية ولم يتحدث عن التجديد في الاعلام واتهم المحاضر بانه يريد ان يعود بالبلاد الى عهد الانقلابات التي هزت سوريا. ورد المحاضر عليه بالقول انه لا يدعو الى انقلابات او ثورة وانه يريد اعادة النظر في الاداء السياسي وان النظام يجب ان يثق بالرأي الاخر وان شعار رقابة الضمير على الفكر يجب ان يطبق عمليا والا يبقى شعارا. وقال «لقد تعاقبت على سوريا 30 حضارة وعاشت بها 40 ثقافة فأين هي هذه الثقافات وهذه الحضارات كلها مختزل في رأي واحد..». رويترز