عاد ليبلغ والده الرسالة: اني والله دافعت عن القدس، فيصل الحسيني، فارس المدينة المقدسة الذي فجع العرب والمسلمون جميعاً بفقدانه في اوج معركة الدفاع عن حاضنة مقدساتهم. ضمه ثرى الاقصى الى جوار والده الشهيد عبدالقادر الحسيني بطل معركة القسطل والذي حمى بدمه الشطر الشرقي من القدس من براثن الاحتلال عام 1948. حمل الخلف رسالة السلف وغرس شرايينه عميقاً في ارض اقدس المدن. ولد فيصل في بغداد عام 1940 وعاش بعضاً من طفولته فيها قبل ان ينتقل وعائلته الى القاهرة التي تردد عليها اكثر من مرة طوال ترحاله كسائر العائلات الفلسطينية المصابة بالتهجير الصهيوني. غير ان من ابرز العلامات الفارقة في وجدانه بعد استشهاد ابيه البطل وخلال اقامة العائلة في القاهرة كان قرار الحكومة المصرية اعفاءه واخوته من تكاليف الدراسة.. يومها بكى بحرقة اذ احس بمعنى اليتم للمرة الاولى. كان من اوائل الناشطين في حركة القوميين العرب اواخر الخمسينيات قبل ان ينضم لمؤسسي حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» نواة منظمة التحرير عام 1959. قبيل هذه الفترة فشل في اختبار اللياقة البدنية لدراسة الطيران في القاهرة، وابان العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 تطوع للقتال دفاعاً عنها قبل ان يتسنى له المشاركة في حرب يونيو 1964. وفي سوريا تطوع في صفوف جيش التحرير الفلسطيني ومن ثم توجه الى لبنان عقب النكسة حيث عين مسئول معسكر تدريب للثورة الفلسطينية، شرق بيروت. وفي العام 1964 آثر خوض معركته الاولى حين عاد الى القدس من خلال مكتب منظمة التحرير هناك. فيصل الحسيني اثر الوسطية والاعتدال في المواقف فكان قاسماً مشتركاً سياسياً بين الجميع ومرحباً به في كافة العواصم العربية والعالمية حتى ان البعض اشار بناء لذلك على اهليته لخلافة ياسر عرفات. ووالدة فارس القدس هي ابنة عم الحاج امين الحسيني عضو اللجنة العربية العليا للانقاذ في فلسطين كما انها ابنة عم (من الدرجة الثانية) لوالدة عرفات. في القدس بدأت مسيرته النضالية الاقسى ومنها اطلق صرخته الشهيرة في اجواء العرب والمسلمين: واقدساه. وهناك حول منزل عائلته في القدس الشرقية الى بؤرة نضالية بدأت بمركز الدراسات العربية ومن ثم بيت الشرق مقر منظمة التحرير الذي قضى مضجع الاحتلال. بعد ان ترسخت صورته كرمز فلسطيني حاول الامريكيون في العام 1988 ايقاعه في فخ ترؤس وفد من فلسطينيي الاراضي المحتلة لمفاوضة الاسرائيليين لكنه صدهم بابلاغهم ان لشعبه عنوان واحد هو منظمة التحرير وياسر عرفات. ورغم ذلك ترأس مفاوضي بلاده في المحادثات التي سبقت مؤتمر مدريد ثم عاد لترؤسه في مفاوضات واشنطن عام 1993 خلفاً للدكتور حيدر عبدالشافي. في العام 1996 انضم الى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وتولى ملف القدس في السلطة الوطنية الفلسطينية. لم يكن مناضلاً من وراء حجاب المكاتب والبيروقراطية، بل قاد معركة الدفاع عن القدس في الشوارع وحشد الخرائط والادلة على عروبتها بشطريها، وافترش الارض مع انصاره لايام امام «بيت الشرق» لاحباط قرار نتانياهو في العام 1999 باغلاقه. اعتقالات عديدة واقامة جبرية وهدفاً كان لرصاص المستوطنين مرات عديدة وصلت الى حد اطلاق الرصاص على منزله عام 1995 حتى اذا لم يصب بأذى جن جنون الصهاينة فحطموا كافة السيارات امام منزله فيما فشل احدهم في مرة اخرى باغتياله عبر صدم سيارته. وبربو مزمن وارتفاع ضغط الدم واجه قنابل الغاز السامة التي امطره بها الاحتلال في مناسبات عديدة ما دفع عرفات لتحميل اسرئيل مسئولية استشهاده بنوبة قلبية في الكويت في 30 مايو 2001. رحل فارس القدس في الكويت مخلفاً حالة اسى في اوساطها الرسمية والشعبية التي دعته لحضور مؤتمر لمقاومة التطبيع. مات فيصل الحسيني حزيناً لما مس قلبه من حملات صحافية وبرلمانية مضادة، لكنه آثر حتى اللحظة الاخيرة ان يتمسك بعروبته من ارض الكويت الى ثرى الاقصى.